[ ترجمة "جبل الصمت" - أهم فقرات الفصل الثالث ]
[ما بين تشييء الإنسان، ودياكونيته المتفردة]
من الأكثر فائدة للمجتمع ؟ الطبيب أم الراهب ؟ ... لقد سُؤِلتَ هذا السؤال من قبل ... ماذا لدى الرهبنة لتقدمه للمجتمع ؟ ... إن هذا السؤال من السمات المميزة لطريقة التفكير الحديثة. ولكن هذا "توجه متطرف" نحو العالم. في هذا التوجه، فإن كل فعل وكل شخص يتم الحكم عليه من منطلق ما يقدمه من منفعة وإسهام للكل. فالوالدين يطالبون أطفالهم أن يتفوقوا لكي يصيروا ذوي فائدة للمجتمع.
ولكن بحسب تراثنا الروحي، أُفَضْل أن أرى البشر في المقام الأول بحسب ما هم عليه، ثم في ما بعد بحسب إسهاماتهم للمجتمع. وإلا سنخاطر بتحويل الناس إلى ماكينات تنتج أشياء ذات فائدة. فماذا إن لم ينتجوا ما هو مفيد ؟ هل يعني هذا أن يتم اعتبار هؤلاء البشر "مهملات"، واعتبارهم "أشياء" غير مفيدة ! أخشي أنه بهذا التوجه، تكون الإنسانية المعاصرة مؤسسة لقيمة تأصيلية للإنسان. فاليوم، نحن نقيم أنفسنا بحسب كمية إسهاماتنا، وليس بحسب ما نحن عليه، وهذا النهج تجاه أنفسنا دائما ما يؤدي لكل المشاكل النفسية ...
إليك جوابي علي السؤال، إن كل شخص مكلف من الله بمهمة خاصة، واجب محدد. أنا لست طبيباً، أنا pneumatikos (مرشد ومتقبل للإعترافات)، وهناك آخر من هو طبيب، هناك من هو أستاذ جامعة، وهناك من يدرس الإنجليزية ... كل شخص يقود حياة بحسب ال diakonia الخاصة به. الرِجْل لا تقدر أن تقول لليد: "لست بحاجة لكِ"، ولا العين أن تقول هذا للأذن ... بل إن كل إنسان تراه، يتعاضد ما في داخله بالمثل، لا أحد يري الكبد وهو يعمل داخل الجسم، ولكن دوره عظيم، القلب يعمل بلا توقف وبصمت، وبدون وظيفته يموت الجسد ...
فإننا عندما نطرح سؤال: "من يساهم أكثر؟"، فإن طبيعة السؤال نفسها تشكل معضلة ! لماذا ؟ لأنه كما سبق وقلت، لا يجب ان نُقيْم البشر بحسب إسهاماتهم ومنفعتهم للمجتمع، ولكن بحسب ماهم عليهم كلٍ بشكل فردي. إن هذا هو جوهر الروحانية المسيحية.
الأب المطوب الراهب مكسيموس الآثوسي
عن كتاب "جبل الصمت: رحلة بحث عن الروحانية الأرثوذوكسية" - الفصل الثالث