« للمسيحي الأرثوذوكسي، الثالوث القدوس هو المصدر، ونقطة البدء، والهدف النهائي لكل الثيؤلوچيا والروحانية، لكل الأنثروبولوچي والإكليسولوچي، للفهم الكلى للعالم والوجود ...
إن حياة ونشاط الثالوث القدوس، هي شركة حب أبدية وكاملة، حركة دائمة من تبادل إعطاء الذات بكامل الحرية من كل أقنوم إلى [الأقنومين] الآخرين، ومنهم كلهم إلى العالم (بو 10 :17-18 و 17 :4 و فل 2: 6-11 وعب 9: 14). فالإعلان الثالوثي يظهر أن الحقيقية بالمطلق والحياة والوحدة في الله متماثلة مع الκοινωνία/الشركة [كوينونيا]. فالآب والابن أرسلا الروح [القدس] إلى العالم (لو 4: 18)، والروح القدس بسُكناه في المؤمنين يتيح لهم أن يشتركوا في الحب الأبدي والمجد الذي يوحد الآب والابن (يو 14: 15-26 و 15: 26 و 16: 14-15). فإنه على وجه التحديد، بسكنى الروح القدس في من يؤمنوا بالمسيح، يستطيعوا بالحق أن يعترفوا بالمسيح رباً (1 كو 12: 3)، ويدعوا الله " أَبَا الآبُ" (رو 8: 15-16)، لأن الروح [القدس] وحده يعرف ويعلن كل ما يملكه الآب وأعطاه للابن (يو 16: 13-15) ...
الروح القدس يتيح لمن يؤمن بالمسيح أن يتعمد في الκοινωνία للجسد الواحد للمسيح، محافظاً على هويتهم المتفردة (1كو 12: 13) ومساعداً إياهم أن يصلوا للآب (أف 2: 18) وأن يحيوا في العالم كأبناء وبنات متبنَِين للآب، حاصلين على ذات الهبات المَجْدِيَّة التى حصل عليها يسوع المسيح القائم [من الموت] من الآب (رو 8: 14-18). هبات الآب تلك، ترسل من الروح [القدس] إلى من يؤمن بالمسيح، لكي يصير مثل ابنه، لكي ما يكون الابن هوالابن البكر بين عدة إخوة وأخوات (رو 8: 29). ومن يحصلوا على الروح القدس يعرفون حب الآب كما يعرفه الابن (يو 17: 25). وبهذا يَبنِى الروح القدس حياة وشركة الكنيسة من خلال شركة البشر في حياة وκοινωνία الثالوث القدوس.
حقيقة أن كل الأسرار في الكنيسة الأرثوذوكسية تبدأ بصيغة "مباركة هي مملكة الآب والابن والروح القدس" [في طقس الـ Eastern Orthodox Church] تظهر أن ملء الحياة السرائرية هي مقدمة وانغماس في الشركة الثالوثية، وفي نفس الوقت استقرار للحياة الثالوثية فينا. ولهذا فالكنيسة الرسولية منذ القدم حددت المعمودية بأنها شركة في سر صلب وقيامة المسيح (رو 6: 3-4). وبالشركة الثالوثية الأبدية للآب والابن والروح القدس (مت 28: 19). هذا الاختبار [المعاش]، بالوجود الحي للثالوث في حياة الكنيسة للمسيحيين الأوائل كان عميق جدا، وواضح بديهياً، بحيث كان بإمكانهم ادراك حقيقة أن "الكنيسة مملوءة بالثالوث" (أوريجانوس). ففي داخل الكنيسة، لا يمكن لأحد فصل الحياة السرائرية عن الحياة اليومية، أو فصلها عن الكرازة والرسالة، ولهذا فلا يجوز فصل الحياة السرائرية عن الكيانات الكنسية ...
في داخل الكنيسة، يجب أن يتواجد اعتمادية متبادلة بين الأشخاص والكيانات، كأيقونة للسُكنى المتبادة للأقانيم اللاهوتية في بعضها البعض (περιχώρησις - بيريخوريسيس) في الشركة الثالوثية، ولهذا فحينما تحدث المسيح عن الشركة في الكنيسة وصلَّى من أجلها، لم يعط مثالاً عليها بالامبراطورية الرومانية، ولا بالجمهورية اليونانية، ولا بأي شكل آخر من التنظيمات السياسية أو الاجتماعية، بل شبهها بالعلاقات الداخلية والخارجية في الثالوث القدوس. كلمات المسيح تقتبس كثيرا جدا: "لِيَكُونُوا وَاحِدًا" (يو 17: 11)، ولكن لا يُلاحظ بقدر كافي منها كيف وبأي طريقة يتم تحقيق تلك الوحدة ؟ فنموذج الحياة الثالوثية هي ما يجب أن يُتَّبَع في الحقيقة: "كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ" (يو 17: 21). صلاة يسوع لوحدة الكنيسة توضح أن الثالوث ليس فقط نموذج لحياة الكنيسة، بل أيضاً مصدر حياتها وهدفها: "لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا" (يو 17: 21)
ولهذا، فالشركة الأبدية للأقانيم المتمايزة لنفس الجوهر، هي الأساس والمصدر المطلق، والقوة والنموذج للكنيسة (يو 17: 21-23)، وتشير إلى الشركة النهائية في مملكة الله المُمَجَّدة، حين تتجدد كل الخليقة وتتحد بالله (رؤ 21: 1-4)، وفي ضوء تلك الوحدة المُسْتعلنة بالمسيح لتلاميذه، والمُبَلَّغة للكنيسة بواسطة انسكاب الروح القدس، آباء الكنيسة اعتبروا الجمع السري في سفر التكوين "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا" (تك 1: 26) تنبؤ بالله يسبق الوحدة الإسخاتولوچية لكل البشر في الله. وفي هذا الصدد، العقيدة الآبائية في الثالوث، كما عُبِّر عنها في صيغ المجامع المسكونية، وفي الحياة السرائرية للكنيسة الآبائية، لها أهمية مسكونية على وجه الخصوص، لأنها تحمل شهادة الإيمان الرسولي الحى المستمر عبر القرون، وتمثل في ذاتها ذكصولوجية موجهة للشركة الثالوثية المتواجدة في حياة الكنيسة.
وكخلاصة، نؤكد أن العمق الروحي والثيؤلوچي لعقيدة الثالوث في اللاهوت المعاصر يقدم قاعدة جديدة لإعادة اكتشاف سر الثالوث الأقدس كمصدر ونموذج وهدف نهائي لحياة ورسالة الكنيسة. »
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
— قداسة البطريرك "دانيال كيوبوتيا" رئيس أساقفة الكنيسة الأرثوذوكسية برومانيا، دكتور وأستاذ اللاهوت الأرثوذوكسي في جامعة Alexandru Ioan Cuza University in Iași، مترجم عن ورقة بحثية بعنوان: "أهمية الثيؤولوچيا الثالوثية لحياة ورسالة الكنيسة"