التيارات البروتو-أرثوذكسية المتوازية في قرون المسيحية الأولى

فيه ظن غير سليم وغير مدروس، تصوّر بسيط يميل للسطحية، إن فيه تعليم تسليمي اتنقل زىّ ما هو من غير أى تغيير من السيد المسيح لتلاميذه ال ١٢، للرسل اللي كرزوا، للآباء الأوائل، ومنه للكنيسة ”التقليدية“ الحالية بدوغمتها. الكنائس التقليدية زىّ الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، والكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، كل واحدة منهم بتظن إن تسليمها أدق وأصح في الحفاظ على التسلسل التعليمي ده (برغم اختلافهم في الانشقاق الكبير، اللي ملهوش علاقة بخلقيدونية بالمناسبة، إحنا كأقباط جماعة منشقة عن التيار التقليدي في نظر بقية الكنائس من قبل الانشقاق الكبير بقرون، زاينا زاى الكنيسة الآشورية اللي سبقتنا في الانشقاق)

الكنائس اللي عندها التصور ده إنها مستمرة على التقليد السليم (في مقابل ما تم الاتفاق عليه في المجامع المسكونية كهرطقات)، بيُسَمُّوا في الأوساط الأكاديمية ”الأرثوذكسيين“، وده مش معناه إنهم من الطائفة الأرثوذكسية (بالمصطلح الحالي)، ولكن ببساطة ده لتفريق التيار اللي انتصر في عصر الهرطقات، عن بقية التيارات اللي اندثرت أو عملت لها كنائس محلية قومية (كنائس قومية زاينا إحنا كاقباط، لو ده شىء مفاجىء لك، لإن كرسي اسكندرية استمر بعد انشقاق الأقباط ممثل في الروم الأرثوذكس السكندريين)

الأرثوذكسيين (بالمعنى الأكاديمي، هستخدمها في بقية البوست بالمعنى ده) بيدَّعوا إن تسلسلهم دقيق واتسلم كده بحذافيره، ولإن التاريخ اتكتب بأيادي المنتصرين، وساندته السلطات الحاكمة، فبيتم تصوير إن كان فيه تيار نقي من بداية المسيحية اللي هو الأرثوذكسية في مقابل ”هرطقات“ ظهرت وانتصرت عليها الأرثوذكسية معتمدة على التقليد التسليمي (وده خطأ تصوري عند القارىء الحديث)، وبيتمادي قلم المنتصر إنه كان دايما يصوَّر الطرف المغاير في صورة دنيئة خسيسة، بتصويره غير أخلاقي، أو بدون مبادىء، أو بيتلون ويزيّف، أو حتى في أعجب سرد أدبي تسلل للكتابات اللاهوتية إنه دميم وقبيح الشكل في شخوصه (بالتركيز على علة بدنية، أو قبح ملامح رموزه، أو مرض بعض قياداته زاى انحناء العمود الفقري، ده مش في توصيف العوام، لا، في كتابات آباء قديسين معتبرين!). المجامع نفسها كانت من أصعب  العصور اللي مرت على الكنيسة، لدرجة إن ق. غريغوريوس النزينزي بيقول: « أحيّي من بعيد هذه السنودسات والمجامع، لأنني أعلم أنها مقلقة... لن أجلس أبدا بعد الآن في مثل هذه الاجتماعات» ~ الرسالة ١٢٤، قصائد عن نفسه، ١٧، ١٩ 

في الحقيقة على مدار القرون الأولى للمسيحية مكنش فيه تيار واحد ارثوذكسي في مقابل هرطقات بتظهر، كان فيه عشرات التيارات المتنازعة والمتساوية في المكانة والقوة والمنطق بل وفي تسلسل التقليد وامتلاك كتابات تقليدية بتنسب للرسل، كلها بتعتبر ذواتها مستقيمة الرأى (أرثوذكسية) كلها كان لها توزيعه الجغرافي وتقليدها الخاص، وكلها كانت بتشوف نفسها مستقيمة المعتقد (كلها بدون استثناء)، وكلها كانت بتحاول تتلمس الحقيقة بحسب معطيات زمكانها، وكلها (بما فيها التيار اللي تم تسميته اصطلاحيا بالأرثوذكسية) كانت قاصرة ومُشَوِّهة للحقيقة بمقدار الفرق بين لا-محدودية المبحوث ومحدودية الباحث.

التيارات ديه كان بعضها متعايش وبعضها متنازع، ومكانتش بتمثل أى مشكلة للسلطة الحاكمة، لإنها في الآخر نشأت في امبراطوريات كوزموبوليتانية بتقبل تعدد الأفكار والمعتقدات بل والأديان طالما ده مبيتقاطعش مع سيادة السلطة الحاكمة ولا بيسبب نزاعات شعبية وغوغائية تهدد سلام الإمبراطورية الاجتماعي. ومكنش فيه نصوص موحدة بتجمع كل التيارات دي، كان كل تيار له بعض نصوصه الخاصة وبعض النصوص المتقاطعة مع غيره (ب variants طفيفة ازدادت بعد الصراعات)، وكان بيعتبرها كل تيار تقليد (مكنش فيه كتاب مقدس زاى اللي انت ماسكه في ايدك)، كان فيه كتابات نبوية عبرية مشوهة الترجمة في السبعينية، وبعض القصاصات والرسائل المتناثرة كل واحدة بتحكي من وجهة نظرها المعتقد

لما ابتدت المسيحية بتنوع تياراتها ومعتقداتها تنتشر، وكل واحدة ادعت ارثوذكسيتها (استقامة معتقدها)، ابتدت تدب خلافات اجتماعية بين مختلف التيارات، كان رويبضة المجتمع ببتنازعوا ويتصارعوا على فلسفات يجهلوا أدواتها ووسائلها، وابتدت الأسواق تحصل فيها خناقات بين العامة على أمور هم مش مدركين ابعادها، وده ذكره الآباء القديسين في كتاباتهم عن تنازع العوام غير الدارسين في الأسواق في فلسفات اللاهوت (نفس العك اللي بيحصل دلوقتي على الفيسبوك مثلا، لما تلاقي شباب عوام مش دارسين بيكفروا ويهرطقوا بعض كل واحد فاكر نفسه بيحمي الإيمان بجهل منه)، وده كان بيمثل خطر على استقرار الامبراطورية، مفيش حاكم عاوز صراعات ونزاعات وخناقات تهدد سلام عرشه

فابتدا الحكام والأباطرة يركزوا على وأد الخناقات دي، بحسم الامور الجدلية ، بإنهم يجمعوا المتنازعين ويخلوهم يستقروا على راى واحد ينهي النزاع، مش لاهتمامهم بالعقيدة، ولكن بمنطق بسيط، ”استقروا على رأى ، وانهوا الخلاف ده، واحنا هنعاقب المختلف عشان ميحصلش وجع دماغ عند العوام، ولو احتجنا هنعاقب اتباعه كمان“. وكانت أول مشكلة قابلة التيارات المتنازعة دي إن مفيش نص موحد يجمعهم، نص الكل متفق على صحته، وحتى النصوص النبوية العبرانية المشتركة، وبعض المنسوبات للرسل فيه خلاف على نصها (باتهامات التزوير المتبادلة) وخلاف على تفسيرها، فكان الحل هو نقاش فلسفي أكتر منه توثيقي بحثي ، خلاف فلسفي بمصطلحات تفقد حتى وحدة معناها بين المتنازعين! ملحوظة ع الهامش، لو رجعت لكتابات ق.  اثناسيوس كمثال قبل تقنين المصطلحات واستقرار معانيها بعد النزاعات هتشوف سوء استخدام لمصطلح جوهر واقنوم في الثالوث، اللي بمعاييرنا دلوقتي كان ممكن البعض يتهمه إنه ”مهرطق"!! مثال: «الأقنوم هُوَ الجَوْهَرُ، وَلَا يَعْنِي سوى الكينونة نَفْسهَا» الرسالة إلى أساقفة افريقيا - فقرة ٤

وابتدت المناقشات الفلسفية ، اللي مَخَلِتش من تهم تلفيقية من كل جهة (الصراع مكنش بين طرفين، كان بين أطراف كتير بعكس التصوير الحالي للنزاع، كان بيتم التنزاع بينهم واحدة ورا التانية، فتم تصويره انه نزاع ثنائي) ، وكان كل طرف بيتفنن في كسب الحكام في صفهم بتصوير خسة ودناءة الطرف الآخر سواء أخلاقيا او قانونيا. احيانا كان المنطق بيرجح كافة، واحيان اكتر العلاقات السياسية كانت بترجح مين المنتصر. وكل منتصر كان بيدعي أنه التقليدي الوحيد، والمهزوم كان بينفى أو يتم تقييد حركته وفكره، احيانا بابعاده مدن اخرى، او بحرق كتبه وأفكاره ومعاقبة متبعيه، وكنوع من الإرهاب الفكري، كانت العقوبة مش بس بتتوقع على المهزوم، ولكن على اى حد بعد كده ينشر افكاره، بحذف ومحو الفكر بشكل كلي من التاريخ.  مش بس كده، ده اوقات النصوص كان بيتم تغييرها، محوها، او إضافتها في النص المشترك لإقرار صحة معتقد المنتصر، او إثبات خطأ المهزوم، أحيانًا بصبيانية مبالغ فيها سهل كشفها، بعضها انتقل  التفسير الهامشي للنص سهوا، وبعضها عمدا من بعض النساخ لتثبيت فكر بعينه.

وكان الانتصار مش بس انتصار لفكر معين في نقطة معينة، ولكن اقرار لنصوص بعينها ومحو نصوص مغايرة، وتغيير اخرى، بمعنى لو ظهرت اى scriptures في ما بعد النزاع بتؤيد الفكر المنهزم، كانت بتعتبر نصوص كتابية مرفوضة، ان عجز المنتصر يعيد تأويلها لكفته، ولو فيه نصوص كتابية مبتعارضش الفكر المنتصر، كانت بتعتبر نصوص مقبولة (لاحظ مش لازم تؤكدها، يكفي فقط انها متعارضهاش صراحةً، أو يكفي إنها تقبل التأويل فمتعارضهاش). ومع كل صراع كان بيندثر تيار بيتم قمعه هو ونصوصه التقليدية الكتابية وقمع متبعيه، وكان خوف البشر من العقوبات الموقعة على القادة والنصوص انها تمتد لهم بيمنع الإنتشار، ومتبقّاش غير شذرات مُخبَئة من مقص الرقيب صعب نفهم تسلسل وتطور فكرها.

ولأن التاريخ بيتكتب بيد المنتصر، تم تصوير الأمر بشكل درامي حبتين بعد مرور قرون، بدل من ان كان فيه تيارات متساوية متنازعة، بقى بيتصوّر إن فيه تيار أوحد مستقيم ارثوذكسي وكله بينشق عنه. وبدل ما كان فيه نصوص تقليدية كتابية متنوعة بنفس القوى التاثيرية وبها تقليد متصل بقى بيتصور إن فيه تيار واحد كان صحيح تقليدي (اتسمى بالارثوذكسية) وتيارات غير تقليدية هدفها تلوث التقليد المستقيم.  وبدل ما كان فيه نصوص كتابية كتير كل واحد مقتنع بصحة تسلسلها وكانت بتتعارض سوا، بقى بيتصور الوضع ان فيه كتاب مقدس، مرجعية للعقائد (بالاسفار الحالية اللي تعرفها وفاكرة مستمرة من بدء المسيحية)، قارن ده بسذاجة الفكر الإصلاحي اللي بيشوف الكتاب مصدر استنباط واستقراء العقيدة (الفكر ده امتد لكنيستتا القبطية للأسف بالإرساليات!). على الهامش تاني، في الشرق كان فيه خلاف كبير على موثوقية سفر الرؤيا ورسالة العبرانيين، واستمر الخلاف لقرون، ومتمش حسمه توثيقيا، ولكن تم قبولهم بتأويلات لا تتنافي مع التيار المنتصر

الكتاب المقدس اللي تعرفه دلوقتي، مكنش مصدر العقيدة اللي بيحكم الصراع ويحدد المنتصر، مكنش فيه كتاب مقدس أصلا، كان فيه مئات الأسفار والكتابات والرسائل والشذرات والمنسوبات، وكان مع كل انتصار فلسفي سياسي، يتم تقليم وحرق وحذف ومحو الأسفار المتناثرة اللي بتتعارض مع الفكر المنتصر. فالاسفار كانت وليدة العقيدة المنتصرة، مش العقيدة المنتصرة اللي كانت وليدة الأسفار (اقرا الجملة دي تاني، واهضمها كويس). ومع الوقت ابتدوا آباء التيارات المنتصرة يحصروا الاسفار اللي لا بتعارض الفكر المنتصر، او على اقل تقدير يمكن تأويلها انها متعارضهوش، وظهرت ال canons اللي بتحط لستة بالأسفار، وتحرم غيرها (وكان الحرم بيتبعه محو وابادة للكتابات المخالفة) فمتبقلناش من الاسفار المحرمة الا شذرات ومتبقلناش من كتابات المنهزمين الا فقرات مؤدلجة غير موثقة من كتابات التيار المنتصر عليهم في ردوده عليهم ، اقتباسات مقتطعة (اقتطاع انتقائي موجه) منقدرش نثق فيها، لانها كانت بيعاد صياغتها للرد عليها باكتر من bias واكتر من logical fallacy. 

التيار المنتصر -رغم إيماني الشخصي به- منقدرش نقر يقينيًا إنه كان الأصح، والأصدق، والأكثر تقليدية (زاى ما بيُظَن دلوقتي من كثيرين)، لإننا ببساطة معندناش كل وسائط نزاعات عصره ونصوصها وأفكارها بقلم الطرف المخالف المهزوم، نملك فقط اللي اتنقلنا عنه من منتصر غير محايد! ولكنه ببساطة التيار اللي انتصر واستمر، وتم تسميته بالأرثوذكسية (متربطش بطائفة) وتم نعت كل مخالف له بالهرطقة، ومن ضمنها كنيستنا القبطية اللي اعتبرت مهرطقة وتم حرمها. فاحنا لما ”بنؤمن به“ فهو مجرد ايمان غير مستند لأدلة يقينية لاثبات صحة، لو كان أدلة صحته لا تقبل التنازع، مكنش هيبقى ”إيمان“ كان هيبقى ”معرفة يقينية“. كل إيمان هو mental model بتملأ فراغات المعرفة اليقينية فيه بتصديق ميتافيزيقي دون إمكانية الإثبات اليقيني ومع الوقت يتحول سايكولوجيا ليقين، ويُرفَع من المؤمن -تدجينيًا- لمكانة المعرفة اليقينية!... 

أتمنى كلنا نفتكر ده لما نسمع عن هرطقات فلان أو علان، بحسب مصطلحات المنتصرين تاريخيا، نفتكر إننا إحنا نفسنا كأقباط  أحيانًا كان تيارنا منتصر فيها وأرثوذكسي باثناسيوسه، وأحيان أخرى منهزم ومهرطق بديسقورسه بمجمع كنسي رسمي بينطق بـ”لسان الروح القدس“ بحسب ديباجة محاضر جلسات حاضريه!
أحدث أقدم