ما بين الكتاب المقدس والقرآن الكريم مكانةً


كوسيلة من وسائل ومحاولات التقارب بين الأديان، حابب أوضح مفهوم مُسَاء استيعابه وادراكه عن الـ scriptures الخاصة بالأديان.

عند المسلمين (أهل السنة والجماعة)، القرآن الكريم هو (١) المصدر الأول للتشريع، (٢) كلام الله، مُنزَل غير مخلوق، (٣) المعجزة الإسلامية، (٤) معصوم مُبرء من كل عيب ونقص، (٥) غير مشابه لكلام البشر، (٦) هو الكتاب الحق. مهم جدًا كمسيحي أو مسلم تكون مستوعب الفقرة دي.

بسبب اختلاط الخلفيات الثقافية والحضارية، نتيجة التعايش ١٤ قرن من الزمن في نفس الحيز المكاني والزماني (وثانويًا، بسبب إرساليات بروتستانتية في آخر قرن نشرت فكر خاص عن الـ sola scriptura)، عند كتير من عوام المسيحيين والمسلمين فيه سوء فهم، إن المقابل المسيحي للقرآن الكريم في الإسلام، هو الكتاب المقدس في المسيحية. ده خطأ. الكتاب المقدس مش هو المقابل للقرآن الكريم في المسيحية؛ وأنا متيقن إن تعجب المسلمين من العبارة دي هيكون أقل من تعجب كتير من المسيحيين منها.

لو هننهج فهم الأرثوذكسية الشرقية، فالمقابل للقرآن الكريم عند المسيحيين هو ”شخص“ مش ”كتاب“، شخص السيد المسيح نفسه مش الكتاب المقدس. لو كنت مسلم قبل ما تعترض وتقول ”بس سيدنا عيسى عليه السلام هو رسول ونبى الله“، أنا هنا -في طرحي- مش بقولك مكانة السيد المسيح عند المسلمين إيه، أنا بقولك موازي مكانة القرآن الكريم عند المسيحيين هو ايه/مين.

السيد المسيح في المسيحية هو (١) المصدر الأول لفهم تعاليم المسيحية، (٢) كلمة الله، اللوغوس λόγος المولود غير المخلوق، (٣) هو المعجزة المسيحية الأعظم، في ظهور الله في الجسد (٤) معصوم مُبرء من كل عيب ونقص (٥) وحيد الجنس μονογενής ملهوش مماثل بشكل كلي في طبيعته (٦) هو نفسه الحق والحياة.

الإنسان المسلم ومن تعايش معه ١٤ قرن من المسيحيين، بيسقطوا مكانة وسمات القرآن الكريم في منظومة الفكر الإسلامية، على الكتاب المقدس في منظومة الفكر المسيحي، فبيتوقعوا في الكتاب المقدس كونه (١) المصدر الأول للتشريع المسيحي (٢) كلام الله المُنزَل (٣) يحوي معجزة/معجزات (بلاغية، عددية، علمية، ... إلخ) (٤) معصوم مُبرء من كل عيب ونقص (٥) سامِ على كلام البشر (٦) هو الكتاب الحق. في الحقيقة ده مجرد إسقاط من منظومة على منظومة مغايرة.

حل سوء الفهم ده يكمن في فهم إن الكتاب المقدس مش هو النسخة المسيحية من القرآن الكريم، لإن مش بس ده بيدي كتاب مكانة فوق مكانته، ولكن بيسبب متسلسلة من سوء الفهم زى سوء فهم بيتمثل في الظن بوجود ”تشريع“ مسيحي بالمفهوم الإسلامي، أو عصمة كتابية، نقلية، ترجمية للنص، أو إن الأحكام والعقائد بتُستَنبَط وتُستَقرَأ منه في المسيحية، او إن ”الأنفاس الإلهية“ تقابل الوحى بالمفهوم الإسلامي. وده بعيد كل البُعد عن الذهنية المسيحية (الفرونيما φρόνημα).

المفهوم المشروح أعلاه عن الموازاة، لو اترسخ في عقول المسيحيين والمسلمين هيسهل فهم الآخر بشكل أكبر بكتير. وهيغني عن محاولات عبثية للمقارنة بين كيانين مغايرين تمامًا. مهم إن كل منظومة لازم تُدرَس من خلال أدواتها ومعطياتها الخاصة، مش من خلال أدوات ومعطيات منظومة مغايرة. أول وسائل التعايش هى تفهُّم الآخر بمنظومته الفكرية الخاصة.

___________
الأيقونة المُرفَقَة تُصَوِّر لقاء السلطان العثماني محمد الثاني (الفاتح) مع البطريرك غيناديوس الثاني (سكولاريوس) بطريرك الأرثوذكس الشرقيين، بعد سقوط القسطنطينية في قبضة العثمانيين، ومنحه للأب البطريرك لقب ”رأس/رئيس الأمة“ 'Millet Başkanı' . الأيقونة مازالت موجودة في صالة استقبال المقر البطريركي للبطريرك الحالي برثلماوس الأول  بطريرك القسطنطينية المسكوني.
أحدث أقدم