لا مشروطية التجسد الإلهي - ايروثيئوس فلاخوس

[ ترجمة ”لا-مشروطية التجسد الإلهي“؛ للمطران الأرثوذكسي ”ايروثيئوس فلاخوس“، مطران نافباكتوس وآجيو فلاسيو باليونان، بتاريخ ١٦ ديسمبر ١٩٩٢ ]

« إن سر تجسد الابن كلمة الله يؤثر في تأليه الإنسان. لذا يؤكد الآباء القديسون على حقيقة أن الله صار إنساناً ليؤله الإنسان. فمن خلال الابن المتجسد وكلمة الله فقط، يمكن للمرء أن يبلغ التأله.

هناك جدل بين اللاهوتيين المعاصرين عن هل التجسد غير مشروط أم مشروط؟ أي ما إذا كان التجسد يشترط سقوط آدم أم لا يشترطه، أى هل كان [التجسد] سيحدث مستقلاً عن سقوط الإنسان؟ وهذا الجدل مستمر لأن هناك اقتباسات بعينها لآباء الكنيسة القديسين تتعلق بهذه القضية.

وفي البداية، يجب أن نلاحظ أن الآباء القديسين لا يتعاملون مع هذه المسألة بطريقة مدرسية (سكولاستية)؛ أي أنهم لا يتحدثون عنها بعبارات نظرية [افتراضية].حيث أنهم لم يتطرقوا قط [نظريًا] إلى مبحث ما إذا كان المسيح سيتجسد في حالة عدم سقوط آدم. 

فمثل هذه الأسئلة [النظرية] تفترض استخدامًا مفرطًا للمنطق في محاولة لفهم أسرار الله من خلال العقل، وهو ما يميز اللاهوت المدرسي [منهجًا]، ولكن [الأمر] ليس [بالمثل في] اللاهوت الأرثوذكسي. إذ يتعامل لاهوت الكنيسة الأرثوذكسية مع الأحداث التي وقعت بالفعل، واهتمامه الأساسي ينصب على شفاء الطبيعة البشرية. فبأخذه في عين الاعتبار الطبيعة البشرية الساقطة، ينشغل بكيفية شفاء الطبيعة البشرية حتى تتمكن من بلوغ التأله، الذي تم من خلال تجسد الله.

وفقًا لتعاليم آباء الكنيسة، من خلال تجسد الابن كلمة الله، اتحدت الطبيعة الإلهية أقنوميًا بالطبيعة البشرية في شخص الكلمة، وتألهت الطبيعة البشرية؛ وبالتالي، كان التجسد هو الدواء الحقيقي الوحيد لخلاص الإنسان وتأليهه. 

ومن خلال المعمودية المقدسة يمكن للإنسان أن يصبح عضوًا في جسد المسيح، ومن خلال الشركة الإلهية [الافخارستيا] يمكنه أن يشترك في جسد المسيح الحقيقي المتأله، والذي اتخذه من والدته الكلية القداسة. لم يكن من الممكن أن يحدث التأله لولا هذا الاتحاد الأقنومي بين الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية. لهذا السبب، كان التجسد هو الغاية النهائية لخلق الإنسان.

وإضافةً إلى هذا الهدف، من خلال سقوط آدم، كانت آلام المسيح وصليبه. ويؤكد ق. مكسيموس [المعترف] على هذه النقطة حين يقول: ”لقد حدث التجسد من أجل خلاص الطبيعة؛ فآلام المسيح كانت من أجل فداء أولئك الذين أُمْسكِوا من الموت بسبب الخطيئة".

ويتناول ق. نيقوديموس الآثوسي هذه القضية أيضًا، وبطبيعة الحال، في تحليله لتعاليم الآباء، يصل إلى استنتاج مفاده أن تجسد المسيح لم يكن نتيجة لسقوط الإنسان، بل كان الهدف الأصلي لخلقته (أى كان تجسد غير مشروط [بحدوث السقوط])، لأنه بهذه الطريقة كان مطلوبًا من الإنسان، وكان قادرًا، أن يبلغ التأله.

ويبدو أن هذا صحيحًا، حين نتأمل أنه لم يكن من الممكن أن "يُجبر" سقوط آدم الله على التجسد؛ لم يكن من الممكن أن يتخذ المسيح الطبيعة البشرية إلى الأبد بسبب سقوط الإنسان. لأنه لو كان الأمر كذلك، سننتهي إلى الاستنتاج بأن السقوط كان لابد أن يحدث مُجبِرًا الله على التجسد، ووقتها سيصير السقوط في نهاية الأمر ليس شيئًا سيئًا، بل سيصير بركة!

وقد شرح ق. نيقوديموس الآثوسي هذه القضية اللاهوتية في رسالة مميزة بعنوان: "دفاع عن توضيحي عن سيدتنا والدة الإله في كتاب الحرب غير المنظورة". وهذه الدراسة نموذج للخطاب اللاهوتي. وقد كان ق. نيقوديموس لاهوتياً عظيماً في الكنيسة، لأنه استوعب تعاليم الآباء إلى حد كبير، وعبَّر عنها بفعالية وإثمارًا.

وفي معرض تأليفه للدفاع وردت عبارة في كتاب "الحرب غير المرئية" الذي نشره، حيث كتب: "لقد خُلِق العالم الذهني والحسّي بأكمله من أجل هذه الغاية، أي من أجل سيدتنا والدة الإله، وبدورها خُلِقَت سيدتنا والدة الإله من أجل ربنا يسوع المسيح."...

ولنتأمل الآن عن كثب وجهة النظر اللاهوتية للق. نيقوديموس، التي تقول: "لقد خُلِق العالم الذهني والحسّي بأكمله من أجل هذه الغاية، أي من أجل سيدتنا والدة الإله، وبدورها خُلِقَت سيدتنا والدة الإله من أجل ربنا يسوع المسيح"، أي أن تجسد المسيح كان الغرض الأصلي والغاية من الخلق. وبعبارة أخرى، هذه هي الطريقة التي كان من الممكن أن يتم بها اتحاد الإنسان بالله. وبالتالي، كان التجسد مستقلاً عن سقوط آدم. 

ولكي يدعم وجهة النظر هذه، فإنه يستخدم مقاطع من الكتاب المقدس وأقوال آباء الكنيسة القديسين. فمن الكتاب المقدس يستخدم بشكل رئيسي ثلاثة مقاطع. الأول من سفر الأمثال, حيث قيل: "اَلرَّبُّ قَنَانِي أَوَّلَ طَرِيقِهِ، مِنْ قَبْلِ أَعْمَالِهِ، مُنْذُ الْقِدَمِ. مُنْذُ الأَزَلِ مُسِحْتُ، مُنْذُ الْبَدْءِ، مُنْذُ أَوَائِلِ الأَرْضِ" (أمثال ٨: ٢٢-٢٣). ​​المقطع الآخر من رسالة الرسول بولس إلى أهل كولوسي حيث يدعو المسيح "بكر كل خليقة": "الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ" (كولوسي ١: ١٥). كما يذكر مقطعًا من رسالة الرسول بولس إلى أهل روما حيث يقول: "لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ." (رومية ٨: ٢٩).

وعندما يفسر هذه المقاطع على أساس تعليم الآباء القديسين، يقول إنها لا تشير إلى اللاهوت -لأن الكلمة لم يخلقه الله، ولا هو الأول بين المخلوقات، كما قال آريوس- بل [تشير] إلى ناسوت المسيح، الذي "سبق فرآها الله قبل أي شيء آخر، كبداية قراراته الإلهية والأبدية، وأول كل المخلوقات". إن سر تجسد تدبير الابن كلمة الله هو بداية كل طرق الرب؛ إنه أول كل المخلوقات، "وقد سبق فتم تعينه [تدبيره] قبل تعيين كل من يخلص". 

كما أن هناك مقطع مدهش للق. مكسيموس المعترف يدعم وجهة النظر هذه. وسوف نقتبس جزءًا كبيرًا من هذا المقطع، لأنه ذو أهمية ودلالة كبيرتين: ”هذا هو السر العظيم والخفي (أي سر التجسد الإلهي)؛ هذه هي الغاية المباركة التي من أجلها خُلقت كل الأشياء. إن تجسد المسيح هو السر العظيم والخفي الذي من أجله خلق الله الثالوثي العالم أجمع“، ويتابع ق. مكسيموس قائلًا: "[هذا] هو الغرض الإلهي المخطط سلفاً لأصل الموجودات، والذي نسميه الغاية المدبرة سلفاً، والتي من أجلها توجد كل الأشياء، مع أنها هي نفسها لا توجد من أجل أي شيء آخر". 

هذه العبارة مدهشة أيضاً، لأنها تُظهر أن سر التجسد هو الغرض الإلهي الذي سبق تدبيره من أصل خلق الأشياء الموجودة، وبالطبع، كل شيء حدث من أجل هذا الغرض، بينما لم يحدث هذا من أجل أي شيء آخر. أي أن القرار المتعلق بالتجسد سابق [للسقوط]. ويجب أن نفهم هذا بالطبع من منظور إنه ليس هناك وقت عند الله. ويواصل ق. مكسيموس حديثه قائلاً بشكل مباشر: "لهذا السبب، خلق الله جوهر الموجودات؛ وهذا هو اكتمال التدبير الإلهي سابق التعيين، حيث تنجمع فيه كل مخلوقات الله"

إن هذا المقطع من ق. مكسيموس مدهش للغاية ويمثل مجمل تفكيره، ولا يمكن مناقشته أو تفسيره بشكل مختلف. فإذا وضعنا هذا المقطع في سياق التعليم اللاهوتي الكامل للق. مكسيموس، فسوف نكتشف أن تأله الإنسان يتم بالفعل من خلال الاتحاد الأقنومي بين الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية في شخص كلمة الله.

وهكذا، فإن العذراء التي اتخذ المسيح جسدًا منها، كانت تتويجًا لخلق العالم بأكمله، ذهنيًا وحسيًا. الإنسان هو انجماع الخليقة بأكملها، وهو العالم الصغير microcosm داخل العالم الكبير macrocosm. والثمرة الصحية الكاملة للإنسان هي العذراء التي أعطت جسدها للمسيح. ولهذا السبب، من خلال المسيح فقط يحدث خلاص الخليقة بأكملها.

وعندما يذكر ق. غريغوريوس بالاماس تأكيد الآب في وقت معمودية المسيح في نهر الأردن: ”هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ“ (مت ٣: ١٧).، يقول أن هذا الإعلان يُظهِر أن كل الأحداث التي حدثت في العهد القديم، من تشريعات ووعود وتبنيات، كانت غير كاملة، "ولم تُنطق أو تُنفَّذ وفقًا لإرادة الله السابقة، بل كانت موجهة نحو الغاية الحالية؛ ومن خلال ما تم إنجازه الآن، فقد وجدت هي أيضًا اكتمالها". وفيما يلي، يقول إنه ليس فقط أحداث العهد القديم، بل وأيضًا تأسيس العالم وخلقه كان موجه نحو المسيح. 

ويواصل ق. غريغوريوس بالاماس التأكيد على أن خلق الإنسان ذاته كان موجهًا أيضًا نحو هذا الغرض. فقد خُلِق الإنسان على صورة الله "لكي يكون قادرًا في مرحلة ما على احتواء النموذج الأصلي Archetype". وهنا يميز ق. غريغوريوس بالاماس بوضوح بين إرادة الله السابقة، التي هي مسرته الصالحة، الإرادة الصالحة [المتسامية] الكاملة -أى تجسد كلمة الله- وإرادة الله المتنازلة، التي هي تشريع العهد القديم. إن تجسد المسيح هو الإرادة الإلهية السابقة وبالتالي فهو مستقل عن سقوط الإنسان.

وفي مناقشته لهذه المقاطع، يعقب ق. نيقوديموس: "هل تفهمون أن الله خلق الإنسان على صورته لهذا السبب، حتى يكون قادراً، من خلال التجسد، أن يحتوي النموذج الأصلي؟ لذلك خلق الله الإنسان كحلقة وصل بين العالم الذهني والعالم الحسي كمُجَمعًا ونموذجاً لكل المخلوقات، لهذا الغرض، حتى باتحاده بالإنسان، يتحد مع كل المخلوقات، حتى تنجمع الأشياء التي في السماء والأشياء التي على الأرض في المسيح، كما يقول بولس؛ حتى يصبح الخالق والخليقة واحداً أقنومياً، وفقاً لمكسيموس الحامل الله."

إن التدبير الإلهي -أى، سر تجسد ابن الله وكلمته- هو إرادة الله السابقة، واضح أيضًا حقيقة أنه أفاد الطغمات الملائكية أيضًا. نحن نعلم جيدًا أن الإنسان أخطأ، ولكن ليس الملائكة، الذين يمجدون الله بلا انقطاع. وبما أن الملائكة استفادوا من التجسد، فهذا يعني أنه في الحقيقة إرادة الله الصالحة الكاملة السابقة، وليس إرادته المتنازلة.

بحسب ق. نيكيتاس ستيثاتوس، ”لم يكن الملائكة يتحركون نحو الشر بسهولة، ولكن بعد التجسد، وخاصة بعد قيامة المسيح، أصبحوا غير متحركين نحو الشر، ليس بالطبيعة، بل بالنعمة"... لقد ”اكتسبوا الاستقرار الأخلاقي“، وفقًا للقديس يوحنا الدمشقي، و ”نالوا الثبات [عدم التقلب والتغيُّر]“، وفقًا للقديس غريغوريوس بالاماس.

وبالتالي، الإنسان كان أيضًا لينال التأله، بالنعمة، من خلال تجسد المسيح، حتى لو لم يحدث السقوط، "ويجب أن نقول مرة أخرى، بالطبع، إن الآباء لم يتناولوا هذه المسألة بعبارات نظرية [افتراضات]، لأن مثل هذه الطريقة في التفكير هي سمة من سمات اللاهوت المدرسي [السكولاستي]؛ ولكننا استخدمنا هذه الفكرة النظرية [الافتراضية] من أجل التأكيد، على وجه الخصوص، على الجانب الإيجابي من الأمر، وهو أن تأله الإنسان يأتي من خلال المسيح. من خلال تجسد المسيح، بالإضافة إلى تحقيق الاستقرار الأخلاقي، أصبح الملائكة أكثر تقبلاً للاستنارة السرائرية.

ويستخدم ق. نيقوديموس حجة أخرى ليبين أن التجسد هو المشورة القديمة، كما يسميها النبي إشعياء، لأنه المشورة الأصلية والأولى من بين كل مشورة أخرى لله؛ في الله يوجد الجوهر والأقانيم والطاقة. الطاقة التي يتواصل بها الله مع المخلوقات هى خارجية أكثر، والأقانيم داخلية أكثر، والجوهر هو الأكثر داخلية [خصوصية غير مبلوغة]: "وفقًا لهذه الجوانب الثلاثة، يمتلك الله ثلاث علاقات عامة منذ كل الأزل".

يتواصل الآب منذ الأزل، وفقًا للجوهر، مع الابن والروح، فيلد الابن ويتسبب في انبثاق الروح القدس: "يمتلك الابن علاقة التواصل مع البشرية وفقًا للأقنوم، ومن خلال هذه العلاقة عرف مسبقًا وقرر اتحاده الفعلي مع البشرية في الزمن". وأيضًا، "الله يمتلك منذ الأزل العلاقة... بالتواصل وفقًا للطاقة مع المخلوقات الأخرى، ومن خلال هذه العلاقة عرف مسبقًا جميع المخلوقات العاقلة والحسيّة ودبر مسبقًا أنها ستأتي إلى الوجود."

ولأن العلاقة وفقًا للأقنوم داخلية أكثر من العلاقة وفقًا للطاقة، لهذا السبب فإن المعرفة المسبقة بالاتحاد بحسب الأقنوم بين الطبيعة الإلهية والبشرية يحدث في الوقت المناسب بحيث يكون  سابقًا ومسببًا للاتحاد بحسب الطاقة. وهذا مؤكد أيضًا من تعاليم الآباء القديسين عن السيدة العذراء، التي هي الشخص الذي خدم سر التجسد، بإعطاء جسدها حتى يحدث هذا الاتحاد الأقنومي بين الطبيعة الإلهية والبشرية.

ولهذا السبب يقول ق. أندراوس الكريتي، في إشارة إلى العذراء مريم، من بين أمور أخرى: إن والدة الإله هي "إتمام للعهود التي قطعها الله معنا؛ هذا هو الإعلان عن الأعماق الخفية لما لا يُدرَك في الله؛ هذا هو الهدف الذي سبق فدبره خالق العصور منذ كل العصور؛ هذا هو تحقيق النبوات؛ هذه هي المشورة التي لا توصف ولا يمكن معرفتها على الإطلاق لرعاية الله الأبدية للإنسان".

لذا، تصبح وجهة النظر اللاهوتية هذه مقبولة إذا فكرنا في أن المسيح هو البداية والوسط والنهاية لخلق العالم وتأله الإنسان. فقط من هذا المنظور يمكننا أن نرى أن سر التجسد مستقل عن سقوط الإنسان. إذ يقول ق. مكسيموس أن ربنا يسوع المسيح "هو البداية والوسط والنهاية لكل العصور، الماضي والحاضر والمستقبل."

ويقول ق. نيقوديموس الآثوسي في تفسيره أن هذا السر هو بداية الخليقة، لأن التدبير المسبق للسر كان البداية والسبب للتدبير المسبق وخلق كل المخلوقات. فهو الوسط لأن ذاك "أعطى اكتمالاً للمعرفة المسبقة لله" وبالتالي أعطى الاستقرار الأخلاقي للملائكة، وعدم الموت وعدم الفساد والخلاص للبشر. وهو أيضًا النهاية، لأن هذا السر "صار لكل من الملائكة والبشر والخليقة كلها كمالاً وتأليهًا ومجدًا ونعمةً".

وبعد تحليل هذا المفهوم اللاهوتي، يصل ق. نيقوديموس الأرثوذكسي إلى استنتاجين:

١. الأول: "كان من الضروري أن يتم سر التجسد، والسبب الأول والأساسي والجوهري هو أن هذا السر كان إرادة الله السابقة، كما قلنا، مع ق. غريغوريوس، وكان دافعه هو صلاح الله اللانهائي الأساسي والأكثر خيرية؛ أو بالأحرى، كان هذا أعمق عمق صلاح الآب، كما قال مكسيموس حامل الإله. والسبب الثاني هو أنه كان ضروريًا لجميع المخلوقات، العاقلة والحسيّة، كبداية ووسط ونهاية لهم، كما تم توضيحه."

٢. والثاني: "إن والدة الإله، باعتبارها الوسيلة الأقرب والمباشرة والسبب المشترك الضروري لمثل هذا السر (لأن جسد المسيح هو جسد مريم، وفقًا للقديس أوغسطينوس)، كانت معروفة ومُدَبرة مسبقًا من الله قبل المخلوقات الأخرى، بينما كانت المخلوقات الأخرى مُدَبرة مسبقًا وجاءت إلى الوجود من أجلها؛ لأن هذا هو الغرض المحدد مسبقًا من الله، أي الغاية التي من أجلها جاءت المخلوقات الأخرى إلى الوجود، كما ذكر القديس أندراوس أعلاه.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن ما عرضناه هنا، باستنادنا على تعاليم الآباء القديسين، يتعلق بقضايا نظرية لا علاقة لها بالحياة الروحية. ولكن هذا خطأ، لأن العقيدة لها ارتباط عميق ووثيق بالحياة الروحية للإنسان. وهذه الحقيقة تتجلى في هذا التعليم اللاهوتي.

من كل ما رأيناه، يتبين لنا أن كلمة الله تجسد، ليس من أجل استرضاء العدالة الإلهية، كما يقول علماء اللاهوت الغربيون، بل من أجل تأليه الطبيعة البشرية، كهبة وحب للبشر. إن استرضاء العدالة الإلهية يضيف بعداً قانونياً إلى الحياة الروحية، لأنه يظهر كما لو كان كل النسك الذي نمارسه يهدف [من المفترض] إلى استرضاء الله! ولكن الله ليس في حاجة إلى العلاج [بالاسترضاء]؛ بل نحن في حاجة إلى العلاج. 

ولهذا كان تجسد المسيح هو إرادة الله السابقة، والغرض النهائي من خلق الإنسان.  لا يمكن للإنسان أن يصل إلى الشركة مع الله لولا الاتحاد الأقنومى بين الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية في المسيح. فهناك فرق كبير بين المخلوق وغير المخلوق. ولا يمكن للمخلوق أن يتحد مع غير المخلوق لولا هذا الاتحاد الأقنومى بين المخلوق وغير المخلوق في شخص المسيح. وما أضيف إلى هذا الغرض من خلال سقوط الإنسان هو آلام المسيح والصلب وموته. ولابد أن نشرح هذه الأمور بطبيعة الحال بحقيقة أن المسيح، من خلال تجسده، اتخذ طبيعة بشرية نقية تمامًا، ولكنها مع ذلك قابلة للموت والمرض. »

— المصدر:  “Τὸ Απροϋπόθετο τῆς Θείας Ενσαρκώσεως” , Ἐκκλησιαστικὴ Αλήθεια, No. 355
أحدث أقدم