هدف الحياة - حوار مع ابي الروحي


« عاوز اسألك سؤال يابني، وأتمنى تقبل من أبوك تفتيح عينيك، حتى لو ده وجعك، اعتبرني دكتور وبيستأصل منك مرضك، هتزعل من مشرط دكتورك؟ تبقى ساذج وبتفضَّل المرض على الصحة والموت على الحياة... اسمع يابني، هل هدفك هو الحضن الإلهي فعلًا؟ بتدوّر على إيه وتاعب نفسك؟ إيه هدفك الحقيقي؟ لو طلبته هو، ولو طلبت حضنه، ولو طلبت مَعِيّته، كل المعارف اللي شاغلاك ديه هتجيلك لغاية عندك بنفسها! طبعًا أنت دلوقتي بتقول إني مش فاهمك كويس، لأ يا ابني أنت اللي مش فاهم نفسك كويس، لإنك مش عارف مكانتك، افهم نفسك ومكانتك كويس، والفهم ده هينوَّرلك طُرُق ملهاش حدود ...

وريتني كلامك اللي كتبته في أكتر من بوست، وعايز رأيي وبتطلب كلمة منفعة، وأنا عارف نية قلبك الصادقة في السؤال ده، طيب اسأل نفسك وجاوب بصدق زىّ ما اختبرتك، هل أنت بتصرفك ده أو غيره بتمثل فيض النور الإلهي وبتعكسه على اللي حواليك؟ اللي حواليك يا بني عايشين في عالم مظلم، نورتهولهم؟ ولا ضلمته أكتر بتأكيدك على الضلمة اللي حواليهم؟ دوقتهم حلاوة اللي دقته ولا مجرد وضحتلهم المرارة اللي في أفواههم، أنت عارف يابني، ممكن ميكونش حد بقه متمرر، ولما تدوَّقه الحلو يكتشف إنك أنت اللي خليت فمه مر باللي اعتاد يستَطْيَبه، مش بس كدا عمره ما هيستطعم قديمه تاني إلا مر، والمر هيفضل يزيد في فمه كل يوم، فكر دايما بتمرر أفواه اللي حواليك ولا لأ؟ بتزيد عتمتهم ولا لأ؟ خللي ده قانونك الروحي في أى تصرف ليك وهو هيجاوبك من غير ما تلجألي بطلب منفعة

أنت موجود هنا سفير، سفير لإله، هاه شايف نفسك تستحق المنصب ده؟ عملت إيه عشان تستحقه؟ طيب لو تستحقه إيه متطلبات المنصب عشان تبقى فيه؟ أصل كل منصب مسئولية، وأنت زىّ ما حكيت لي اتدرجت في وظيفتك وعملك، يعني فاهم كويس إن كل ترقية بتيجي بمسئوليات أكتر، قل لي بقى يا بطل، كنت أد المسئولية ديه كسفير الإله ولا كنت مستهتر؟ خد بالك يا بني، اللي بعتك سفير وصاك تحرر أسير الخوف، وتشفيه من مرض المجتمع اللي عايش فيه، عملت ده، ولا كنت بتوضح له بس ظلام محيطه ومرض بيئته؟ قللت خوفه، ولا زودته بعد ما أثبت له إد إيه هو في سكة غلط؟ نفذت متطلبات سفارتك اللي أُرسِلت بيها؟... يا بني لما تشوف حد الدنيا حانية ضهره، شجعه وقويه متحنيهوش أكتر وتزود حِمله، الناس محتاجة ”أيد تسْنِد“ أكتر من ما هى محتاجة ”حقيقة تكْشِف“، مبقولكش متعملش التانية، بس اسبقها بعمل الأولى والتانية هتخلق وتمهد لنفسها طريق

هتقول لي أنا هدفي أنوّر عيون اللي مش شايفين، أنا عارفك واخد الدنيا أبيض وأسود، حامي زيادة عن اللزوم، طيب هقولك على حاجة غريبة ممكن تكون مفكرتش فيها، أنت تعرف إن النور اللي عندك واللي بيمحي الضلمة -وأنا عارف إن نورك حقيقي وهدفك صادق وأمين- ممكن يعمي واحد عينه تعبانة؟ إيه اللي أهم عندك؟ جاوب بصدق من غير الدبلوماسية اللي أنت شاطر فيها، إيه اللي أهم عندك: إنك تأكد امتلاكك للنور؟ ولا إنك تحمي عين أخوك العليلة من العَمَى؟ يا بني نوّر للي حواليك، متألمهمش وتوجعهم، خللي نورك يشِد مش ينفَّر، متفاجئش اللي عينه مريضة بنور مرة واحدة، خده تدريجي وبالراحة على قرنيته، خليك حكيم!

هتقول في بالك إنك مش غلطان، أنت مبتعملش في ده حاجة غلط، أنا عارف إنك نفسك عزيزة عليك وبتضايق لو طلعت مُخطىء، لكني مش هطبطب عليك، خد بالك يابني ممكن متكونش بتعمل شىء غلط، لكنك تظل مُخطِىء، غريبة ديه مش كده؟ أصل يابني الغلط مش إنك بس تعمل شىء مُضِر، ولكن إنك كمان متعملش شىء مفيد، مش إنك بس تعمل شر ولكنك إنك متعملش خير، لو وجعت حد حتى ولو بحقيقة، فإنت مش بس مفيدتهوش لكنك آلمته، يعني جمعت الغلطين ضريت شخص ومفيدتهوش... خللي حبك يغلبك ومتتغلبش من الحقيقة اللي تملكها، الحقيقة سُلطان مُسَيطر، وقت ما بتمتلكها بتمتلكك، نشر الحق خطية لو افتقر للحب الصادق الأمين، خللي إيمانك عملي مش نظري، شمر ومد ايدك واعرق واتألم

بص أنا عارف إن المعرفة ممتعة، المعرفة مُغرية أوي، مُغرية بشكل كبير، بس أنا عايز حبك يغلب، عايز حبك يكون فعّال وديناميكي ومُبَادر، عايزه يكون عندك أهم من الحق والصِحَة، عايزك تحس باللي قدامك مش بس تَتَفَهَمُه... مش هقولك متعملش كذا وكذا، أنا عارف أنت واقف فين، مش هعاملك كطفل، وهقولك ليه كمان مش هقولك متعملش كذا وكذا عشان مسيبكش تخَمِّن: عمرك شفت حد عطشان وجعان لمجموعة وصايا بتقوله متعملش كذا وكذا؟ الجوع بيكون للأفعال الإيجابية، هتلاقي كتير جعانين للايجابيات إنهم يعملوا كذا وكذا، بس محدش جعان للسلبيات والمُحرَّمات إنه ميعملش كذا وكذا، عشان تنمِّى جوعك للإيجابيات خللي دايما فيك نار قايدة من الحب لكل اللي حواليك، نار هى اللي تحركك للأفعال مش لاجتناب نقيضها، فمش هقولك متعملش كذا هقولك خللي الحب فيك يجبرك تعمل نقيضه...

عايزك يا بني في تعاملك مع أى إنسان، يحتل قلبك الحب الأبوي، مش بس الحب الأخوي، الحبين دول فيه فرق كبير أوي ما بينهم، الحب الأخوي بيعتمد على القاعدة الدهبية إنك تحب لأخوك اللي بتحبه لنفسك، لا مش ده اللي عايزه منك، انت أب بالجسد ففاهم يعني إيه حب أبوي ومش محتاجني أشرحهولك، عايزك تكون على مستوى الحب الأبوي مش الأخوي، عايزك تحب الإنسان اللي تقابله أكتر من نفسك، تفَضَّله على نفسك، تحبه حب أبوي، زىّ ما بتحب بنتك وزىّ ما إلهك بيحبك، ثَبِّت تألهك عملي واسعاله...

أكيد بتقول دلوقتي إن ده صعب جدا [يقصد إني أحب غيري أكتر من نفسي]، وممكن تجيب لي كمان من علم النفس والفلسفة والمنطق اللي يثبت استحالة ده، أنا عارفك قاري كويس والمعرفة الفلسفية والمنطقية آكلة دماغك، بس هقولك تعمل ده ازاى يا بتاع الفلسفة والمنطق، دوّر في كل إنسان على أفضل ما فيه، وغمض عينك على مساوءه، آه اعمل عبيط عن عيوبه، اسْتَعمَى!... مش بس كده، لا، كمان شوفه ”إله“ ليك، وهو فعلًا كده، شوف الله فيه وشوف هتعامل الإله ده ازاى؟! وشوف كمان فيك إلهه، وأنت فعلًا كده، وشوف لو أنت الإله هتعامل الإنسان ده إزاى؟! لو عينك اتفتحت وشفت نفسك إلهه وشفته قبلها إنه إلهك، عينك مش هتشوف تاني أى عيوب فيه وهتُجبَر تحبه أكتر من نفسه لكونه إلهك أبوك مُحِبَك أكتر من نفسه ولكونك إلهه أبوه محبه أكتر من نفسك... تبان سهلة، بس هتاخد منك سنين شعرك فيها هيشيب، وهتتألم جدًا في الرحلة، ربنا يسندك ويكون فيها عكازك »

— الشيخ الناسك، مقتطفات من حواري مع الأب الروحي

__________
* اللوحة للفنان الروسي ”ديميتري ستيبانوف“، من الفن التجريدي، بعنوان: ”الحق هو نور الحب“
أحدث أقدم