نظريات ‏تكوين ‏التوراة ‏

التوارة، الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم، الدارج إن كاتبها هو موسى، لكن هل ده اللي بيتعلم في الأوساط الأكاديمية كحقيقة لا نقاش فيها؟ في الحقيقة لأ، ديه تعتبر نظرية واحدة من نظريات كتير عن تكوين التوراة، بيسموها النظرية التقليدية/التسليمية، وملهاش وزن كبير نقدي، لكن فيه نظريات أكتر عن تكوين التوراة، في البوست ده حابب أبسطلكم بقية النظريات.

في بقية النظريات، الخمس كتب التوراتية اتكتبوا عن مصادر سبقتهم (مصادر معادتش موجودة خلاص)، مصادر أقدم تم تجميع نصوص التوراة عنها وترتيبها وتنسيقها وربطها ببعض بعمل بشري أو إلهي-بشري عشان نوصل للمنتج النهائي اللي في أيدينا. ”المصدر“ هنا مش معناه كتاب بالمعنى الدارج، ممكن يكون نص متوارث، كتَاب منقح، شخص/شخوص بيمَلِّي/وا، مجموعة أشخاص/لجنة قننت canons/تاريخ، تعليم شفاهي متوارث، متوارثات طقسية، أو غيرها. المصادر ديه هى كالتالي:

١. المصدر الكهنوتي (Priestly)
المصدر الكهنوتي كان بيحتوي على طقوس الكهنة، والتشريعات الطقسية، وسلسلة الأنساب، وبيركز على نسب هارون على وجه الخصوص، وفيه تركيز خاص على القداسة والطهارة ونقيضها من منجسات. المصدر ده يعتبر من أهم مصادر تكوين سفر اللاويين واقتبس عنه سفر اللاويين أغلبية نصوصه، وأجزاء منه اتنقلت في سفر الخروج

٢. المصدر التثنوي (Deuteronomist)
المصدر التثنوي هو اللي شكل أغلب نصوص سفر التثنية، وبيركز على العهد بين الإسرائيليين ويهوه بكونهم شعبه المختار، وبيمثل الحكم في إسرائيل بشكل ثيؤقراطي، وعشان كده بيجمع أخبار ملوك الإسرائيليين، وبيعلم إن الشريعة الموسوية كافية لإقامة دولة/مملكة وحكم العبرانيين، وهو كمان كان مصدر أسفار كتيرة للتاريخ والأنبياء 

٣. المصدر اليهوي (Yahwist)
المصدر اليهوي بيحوي قصة الخليقة الأولى، والسقوط والطوفان وبرج بابل وقصة البشرية حتى ابراهيم، وكنعان وأرض الميعاد، وعشان كده هو بيشكل الجزء الأكبر من اللي اقتبس عنه سفر التكوين، وجزء كبير من سفر الخروج وكمان سفر الخروج اخد عن المصدر الكهنوتي زى ما وضحت فوق، تقدروا تعتبروه المصدر السردي القصصي

٤. المصدر الألوهيمي (Elohist)
المصدر الايلوهيمي بيركز على ايلوهيم إله اسرائيل، بيركز على الإله أكتر من الشعب وتاريخه، وعليه خلاف كبير وكتير من الـ scholars بيعتبروا انه مش مصدر واحد لكنه متفرقات كتيرة قصيرة، وبيعتبروا القصاصات ديه هى اللي اتفهمت بكونها نص منفصل

دول الأربع مكونات الأساسية اللي اتكونت منهم التوراة، أما ازاى تم التكوين فده له ٣ فرضيات:

١. الفرضية الوثائقية Documentary 
الفرضية ديه هى الأشهر، بتعتمد إن الـ٤ مصادر المذكورة فوق تم التأثير المتبادل بينهم لغاية لما وصلنا للشكل الحالي. هى بتشوف إن التوراة ابتدت بالمصدر اليهوي كأقدم نص (قرن ١٠-٩ ق.م.)، والنص الايلوهيمي دخل عليه (قرن ٩ ق.م.) وانتج مزيج من الاتنين، وبعدين المزيج ده ساهم في تشكيل النص التثنوي (قرن ٧-٦ ق.م.) والنص الكهنوتي (قرن ٦-٥ ق.م.) حتى عهد عزرا، وأخيرا الكُتَّاب المجمعين/المحررين استخدموا النص المزيج والتثنوي والكهنوتي ومزجوهم سوا وكونوا منهم التوراة الحالية بتنقيحات وتعديلات وانتقائيات، ميزة الفرضية ديه انها بتبرر اختلاف أسلوب وثقافة الكاتب بين نصوص التوراة

٢. الفرضية  التكميلية Supplementary
ديه فرضية بتعتمد إن كان فيه نص واحد وفضل يتضاف عليه ويتضخم لغاية لما وصل للشكل الحالي، بتعتبر ان كل شئ اتبنَى على النص التثنوي (قرن ٦-٧ ق.م.)، بعدين اتضاف عليه النص اليهوي مضاف له تقاليد شفاهية (قرن ٦-٥ ق.م.)، بعدين اتضاف عليهم النص الكهنوتي (قرن ٤ ق.م.)، فوصلت لنا التوراة بشكلها الحالي. الفرضية ديه بتنفي وجود المصدر الايلوهيمي، وبتعتبر إن الفرضية الوثائقية اخطأت في ظنها إن فيه مصدر ايلوهيمي مع اليهوي بسبب إضافات التقاليد الشفاهية على المصدر اليهوي. ميزة الفرضية ديه انها بتجمع مميزات فرضيتي الوثائقية والمجزأة زى ما هشرحها 

٣. الفرضية المجزأة Fragmentary
ديه فرضية مش بتقتنع بإن كان فيه وثائق طويلة اتنقل عنها، لكنها بتميل إن كان فيه أجزاء قصيرة ومتوسطة اتجمعت سوا، الفرضية ديه بتقول إن المتفرقات والقصاصات ديه اتجمعت/اتحررت في المصدرين الأساسيين: التثنوي (أو اليهوي) والكهنوتي، وكانت مصادر جزئية مش مكتملة، ميزة النظرية ديه إنها بتفسر وحدة النص وتسلسله، إنه تم عمل تحرير لها من القصاصات وتم ربطها ببعض، وده بيدي مساحة تسلسلية للنص أكتر من المصادر الضخمة المُطوَّلة بإعادة تحرير وترتيب وتجميع وربط والإضافة على القصاصات 

إيه هى الفرضية السليمة؟ التقليدية؟ ولا واحدة من الـ٣ دول؟ متفرقش كتير، ممكن يطلعوا كلهم غلط! متفرقش لو هنتكلم على جانب الاستفادة الروحي، هى تفرق أكتر للمهتمين بالنقد النصي، لكن المهم إن النظريات ديه بتوضحلنا إن تكوين النص مكنش وحى إملائي بالمفهوم الاسلامي، ولا كان عمل إلهي فقط، ولكنه كان عمل إلهي-إنساني مشترك على مدار قرون كتير، عشان يوصلنا في الآخر أسفار التوراة المتعارف عليها، كامل بكمال الإله وناقص بنقصان البشر!

الخلاصة، لما تبص لأى نص تاني وتقراه اعرف إنه منتج إلهي-بشري، وده هيشرح لك غوامض كتير في النص كان بتطغي عليها الخلفية الثقافية والحضارية للكاتب والمُجَمِّعـ[ـين]/المُحَرِّر[ين] على مدار قرون لناس بخلفيات وثقافات مختلفة وأحيانًا متعارضة كمان، ألبس جزمهم وامشي في طرقهم وفكر بثقافتهم وشوف كونهم بعيونهم هتلاقي إن النصوص بقت أوضح... ويمكن في ده قوة الأسفار ديه، إن رغم أيادي عشرات ومئات البشر اللي عملت فيها، إلا إن ليها وحدة تسلسل عجيب قدر يمهد الشعب العبراني لمجئ المسيا المنتظر

الصور المرفقة:
١. تأثير المصادر الـ٤ والمجمّعين على النصوص النهائية للأسفار (R هم المجمعين/المحررين)
٢. تسلسل الفرضية الوثائقية
أحدث أقدم