« في حياة المتدينين، يمكن رؤية صراع عنيف لتحقيق الصلاح، كلٍ بذهنه منفردًا يسعَى لإتباع رغبات الذهن الحقيقي [الذهن الإلهي الخيّر في الإنسان]... ولكننا نرى تناقضًا ضخمًا في كل إنسان، فهناك ميلين متعارضين في كل فرد: الذهن الحقيقي الراغب في الصلاح/الخير والذهن الشرير الراغب في الشر، وكلا من الذهنين يخوضا صراعًا شرسًا، ويسعى كل منهما جاهدًا إلى تحقيق غرضين متناقضين! وأى كائن يمتلك تناقضًا ذاتيًا لا مفر من هلاكه، لذا فالبشر بامتلاكهم هذا التناقض [داخليًا] يعيشون على حافة الدمار!
لربما الحياة الإنسانية وُجِدَت بهذا التناقض؟ ولكن كيف يمكن لكائنات بها طبيعة متناقضة ذاتيًا أن تأتي للوجود؟ فإن كانت مثقلة بهذا التناقض منذ نشأتها لما أمكن للحياة الإنسانية أن تبزغ، لذا فهذا التناقض يجب أن يكون قد نشأ بعد ميلاد الجنس البشري! المسيحية ترى حالة الدمار هذه نتيجة لـ ”سقوط الإنسان“، وهل يمكن لأحد أن يجادل في كون الحالة الإنسانية ساقطة؟! وحين ندرك حقيقة أننا بالسقوط وصلنا إلى حافة التدمير الذاتي، نبذل جهودًا بائسة لحل المعضلة الداخلية، فنقاوم الرغبات الشريرة الآتية من ذهننا الشرير ونعانق الرغبات الصالحة المنبثقة عن ذهننا الحقيقي.
ومع ذلك، لا نستطيع إجابة السؤال الأساسي: ما هى طبيعة الخير والشر؟ فنحن لا نملك حتى الآن حقيقة [علمية/منطقية] مطلقة وقاطعة تمكننا أن نميز على سبيل المثال أيهما صالح وأيهما شرير الإيمان بالألوهة أم الإلحاد؟! وبالأكثر نظل جاهلين كُليًا عن إجابات أسئلة مثل: ما هو الذهن الحقيقي منبع الرغبات الصالحة؟ ما هو مصدر الذهن الشرير الذي يحرضنا على الرغبات الشريرة في مقابل الذهن الحقيقي؟ ما هو أصل التعارض الذي يأتي يأتي بالبشر إلى الدمار؟ فلكى ندرء الرغبات الشريرة ونتبع الرغبات الخَيّرة، يجب علينا أن نتغلب على هذا الجهل، ويجب علينا امتلاك قدرة التمييز الجليّ بين الخير والشر، وقتها يمكننا أن نتبع مسار الحياة الصالحة/الخيٌرة التي يسعى لها الذهن الحقيقي.
من المنظور العقلي، السقوط الإنساني يمثل نزول البشرية إلى الجهل! إن البشر يتكونون من جانبين: واحد داخلي والآخر خارجي، ذهن وجسد، بالمثل العقل يتكون من جانبين داخلي وخارجي. وعلى ذات المنوال هناك نوعين من الجهل، جهل داخلي وجهل خارجي:
١. الجهل الداخلي في الإصطلاح الديني يُسمَّى ”الجهل الروحي“، وهو جهل بأسئلة من نوعية: ما هو مصدر/أصل الكائنات البشرية؟ ما هدف الحياة؟ ماذا يحدث بعد الموت؟ هل الله والحياة التالية لهما وجود؟ ما هى طبيعة الخير والشر؟
٢. جهل خارجي، وهو يشير إلى الجهل بالعالم الطبيعي [الفيزيقا]، وهذا يشمل الجسد الإنساني [البيولوجيا]، وهو جهل بأمور مثل: ما هو مصدر/أصل الكون الفيزيائي؟ ما هى القوانين الطبيعية التي تحكم الظواهر؟
منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا، الكائنات البشرية لم تكف عن البحث عن الحقيقة التي تمكنها من التغلب على كلا النوعين من الجهل وتمكنها من الحصول على المعرفة. فمن خلال الدين اتبعت البشرية مسار البحث عن الحقيقة الداخلية، ومن خلال العلم اتبعت مسار البحث عن الحقيقة الخارجية، فكلا من الدين والعلم في دوائرهما الخاصة كانا وسائل البحث عن الحقيقة؛ للتغلب على الجهل وامتلاك المعرفة، وفي نهاية المطاف، طريق الدين وطريق العلم يجب أن يتكاملا، وكلا من مشاكلهما يجب أن يتعامل معها بطريقة موحدة، فجانبي الحقيقة: داخليًا وخارجيًا، يجب أن ينموا سويًا في تناغم، وقتها فقط يمكن للإنسان أن يتحرر كليًا من الجهل ويحيا فقط في الصلاح بحسب رغبات الذهن الحقيقي، وقتها يتمتع الإنسان بالسعادة السرمدية. »
يُتبَع ...
— سون ميونغ مون، مؤسس الديانة المُونيَّة، مُتَرجَم عن مقدمة كتاب ”شرح الأصل الإلهي“، ترجمة جزء ٦/١ من المقدمة