بحسب ق. توما الاكويني فيه مستويات في كمال الوجود في الموجودات، بمعنى تعالوا نتخيل إننا عايزين نوجد مثلث متساوي الأضلاع من خلال رسمه، يعني كل ضلع فيه مساوي تمامًا في طوله للضلعين التانيين، عشان المثلث يكون في كمال وجوده لازم التساوي يكون بدون أى خطأ، لو طلبنا من طفل يرسم المثلث هيرسمه خطوط غير مستقيمة وغير متساوية، هنا المثلث متساوي الأضلاع مجرد ظل للمثلث متساوي الأضلاع الحقيقي، وجوده مش كلي ولكن جزئي، لو ادينا نفس المسأله لطالب في ثانوية عامة هيرسمها خطوط مستقيمة بالمسطرة بس هيبقى فيه فرق مليمترات بسيطة في الطول بين الأضلاع، هنا وجود المثلث متساوي الأضلاع ارتقى شوية وقرب من الوجود الأمثل (الوجود الحقيقي)، لو رحنا عملنا نفس الموضوع على برنامج كمبيوتر، هنلاقي الدقة أكبر، ولكن يظل لو عملنا تكبير للشكل بدقة عالية هنلاقيها في الآخر مجموعة pixels (مربعات/نقط صغيرة متلاصقة) مش خطوط مستقيمة واضحة خاصة في حالة الخطوط المائلة (بص الصورة في أول كومنت بعد التكبير ١٠٠ ضعف)، مهما ارتقينا بالاقتراب من الوجود الأمثل للمثلث متساوي الأضلاع مش هنعرف نوصل لصورته المثالية
ق. الاكويني لاحظ إن ده مش بس في الأشكال التخيلية الهندسية، ولكن في طبائع الكينونة ذاتها، يعني مثلًا في الجنس الحيواني (العائلة الكبيرة اللي تشملنا) فيه تدرجات في الوجود، سواء ابتدينا بكائنات أحادية الخلية أو مررنا بكائنات بسيطة أو كائنات أكثر تعقيداً زى الحيوانات البرية، أو كائنات أشد تعقيد زى الإنسان، فيه مستويات من الوجود لتحقيق genus الوجود (جنسه/صورته/عائلته/فصيلته) ، وكل ما الوظائف اللي يقدر يقوم بيها الجنس ده والطبيعة ديه تكون أكتر، ده بيثبت إن الكيان ده أكثر اقترابًا من الصورة المطلقة للوجود ومعندهوش قدرات غير مفعلة (يعني مثلًا النبات أقل في وجوده في الصورة المُثلَى لإنه ميقدرش يتحرك زى الحيوان والإنسان، والحيوان أقل لإنه معندهوش مهارات ذهنية زى الإنسان إلخ...)، فيه تدرجات في نفس الgenus، تدرجات كل ما بيقدر أعضاء الجنس ده ينفذوا مهام أكتر في طبائعهم كل ما بتقل قدراتهم غير المفعلة الكامنة فيهم، فبكده بيكونوا عندهم تفعيل أكتر لكل القدرات الكامنة وبيقربوا من التفعيل النقي الكلي (ارجع اقرا عنه في الأجزاء السابقة)
الأكويني لاحظ إن رغم تنوعات وتدرجات الوجود، بيظل التفعيل المُطلَق غير موجود كليًا في عالمنا المنظور، بمعنى مفيش مثلث متساوي الأضلاع بشكل مثالي كلي في عالمنا، مفيش جنس فيه كل القدرات مُفعَّلة بصورة تامة في عالمنا، دايمًا فيه تدرج مستويات، وفيه احتمالية للزيادة بشكل أكبر وأكتر، خد عندك مثلًا الصلاح، ممكن تلاقي حد صالح وحد أصلح وحد أصلح أكتر ... إلخ، خد عندك القوة، فيه دايمًا احتمال لوجود قوة أكبر يمكن تخيل وجودها منطقيًا، وهنا الأكويني قال، لازم يكون فيه معيار كلي للوجود، شىء كامل الوجود بيدي بقية الموجودات امكانية التدرج في طبائعهم وأجناسهم سواء ارتقائيًا نحو وجود أمثل أو تنازليًا نحو العدم، والكيان ده يكون هو نفسه مازورة القياس والتدرج.
هبسطهالك شوية، لما بنقول مثلًا الإنسان درجة حرارته ٣٧'، يعني إيه ٣٧، جبنا منين التدرج الرقمي ده؟ ببساطة اخترنا نقطتين فعليتين (موجودتين) واديناهم ارقام، قلنا الحرارة اللي عندها المياه تغلي نعتبرها ١٠٠ والحرارة اللي عندها المياه تتجمد صفر، وبقى ده معيارنا في التدرج، لو مكناش اخترنا نقطتين موجودتين للقياس مكناش هنقدر نقيس التدرج ولا نقدر نقارن مين أكثر ومين أقل، كان لازم نختار نقطتين نثبتهم عشان يبقى فرق وجودهم هو مازورتنا ونقيس أى شىء تاني عليهم، ده بالظبط اللي عمله الأكويني، هو قال ببساطة نقطتيني هم الوجود الأكمل المثالي والانعدام الكلي المطلق وقال كل الموجودات بتتقاس على النقطتين دول، وقال مينفعش يكون نقطة العدم ليها كينونة لإنها في ذاتها عدم، لكن النقطة التانية ليها كينونة وفيها مطلق الوجود بل هى الوجود ذاته وعلى أساسها بيتدرج الكل من عدم للكمال
بعدين حط شرطين قال عشان كينونة الكمال توجد، لازم شرطين يتحققوا سوا: أولهم إن لازم اللي بيتدرجوا يكونوا في احتياج لكيان مغاير يُوجِد تدرجهم (يعني ميتدرجوش من نفسهم)، والشرط التاني إن لازم مُوجِدهم يكون من خارج جنسهم، وشرح ليه الشرطين دول كالتالي :
١. أولًا لازم اللي بيتدرجوا يكونوا في احتياج لكيان مغاير يُوجِد تدرجهم، لإنهم لو كان عندهم قدرة في تزويد تدرجهم من ذواتهم، كنا هنلاقي إن كل كيان موجود وصل لكماله من ذاته، بس بنظرة على الواقع محدش في تمام كماله، يبقى ده دليل إن الموجودات معندهاش قدرة في ذاتها إنهم يدرجوا كمال وجودهم ولازم ياخدوه من كيان تاني يقدر ينميهم في تدرجهم
٢. ثانيا، هل الكيان التاني ده ينفع يكون من نفس جنسهم؟ لأ مينفعش، لإن بحسب التطور الأجناس بتتطور من بعضها في ترقيها من الأقل للأكثر تعقيدًا، يعني كائن أحادي الخلية يتطور إلى كائن متعدد الخلايا، يتطور لكائن بأجهزة فسيولوجية أكثر تعقيدًا، يتطور لكائن أكثر تعقيدًا عنده وعى وإدراك، كل خطوة بتضيف جديد اللي سبق في سلسلة التطور مكنش يملكها، أمال جت للي اتطور ارتقائيًا منين؟ أكيد مش الكائن اللي من جنسه اللي سبقه لإنه ميملكهاش، ومش من كائن بعديه في التطور لإن اللي بعديه لسه مجاش (لسه ملهوش وجود)، يبقى لازم فيه كيان خارج التسلسل ده عنده كمال القدرات وقدرة اعطاء كمال القدرات كمان
من التسلسل المنطقي ده وصل الأكويني إلى أن فيه كيان، كلي الكمال في تمام صفاته الإيجابية (يعني مثلًا الشر مش كينونة ايجابية لإنه مجرد انعدام الخير يعني وجوده وجود سلبي بانعدام نقيضه، لكن الخير كينونة ايجابية) الكيان ده مفيهوش أى انعدام سلبي، لكنه هو ذاته الكينونة الإيجابية، والكائن ده كينونته مطلقة كل قدراتها مفعلة (اقرا الأجزاء السابقة عن الـ potentiality والـ actuality)، وجوده هو تفعيل كينونته الكلي (اقرا في الأجزاء السابقة عن الـ pure existence والـ pure actuality)، مفيش فرق عنده بين اللي تم تفعيله من قدراته وبين وجوده ذاته، وده يجبرنا نتفهمه بكونه الوجود ذاته، الاتنين متطابقين عنده لإنه في حالة كمال مطلق، وعلى قياس إطلاقه بنشوف ظلال حقيقته ديه بشكل جزئي في الموجودات بتدرج كينونات وجودهم بتدرج قدراتهم ووظائفهم functions المفعلة عندهم، وهو من خارج أجناس الموجودات وبسببه الكيانات الموجودة بتاخد قدرة تدرجها الوجودي، وبحسب ق. توما الاكويني الكيان ده هو اللي بيسميه المسيحيين: الإله!