الصراع ‏الميتافيزيقي ‏الوجودي ‏- ‏خريستوس ‏يناراس


« في لحظة ما في حياة الإنسان، يحدث انعطاف ودوران في الطريق، فيرتاب الإنسان إذ يجد أن معرفته الإيجابية [المعرفة الحِسْيّة القائمة على التحديد والتجريب] تستطيع فقط الإجابة على أصغر أسئلته، ولكن هناك مساحة ميتافيزيقية، مساحة الفن والحب وسر الوجود، ويجد أن تلك المساحة يجب الاقتراب منها، ولكن إن اقترب أحد منها ليدركها حينئذ يدرك أنه يجب عليه استخدام مكاييل ومقاييس مختلفة تماما عن المكاييل والمقاييس التي كان يستخدمها في تأكيد التوصيف البسيط لموصوفات الطبيعة الحسية [المُدرَكَة بالحواس].

لعصور كثيرة، صارع الإنسان -ومازال يصارع-  مع الأسئلة الميتافيزيقية، حيث كانت الفلسفة والفن والأديان صور من معاناته المتقلبة المستمرة [في سعيه لإجابة تلك الأسئلة]، وهذا [السعى] ما ميز الإنسان عن كل الموجودات، وهذا ما خلق حضارته. ولكننا الآن نعيش في حضارة تحاول ترسيخ أسسها على قمع وتناسِي الأسئلة الميتافيزيقية، برغم أن هذا التوجه ذاته [تجاهل الأسئلة] يعد أمرًا ميتافيزيقيًا [أى لا يستند على المنطق التجريبي الحسي]...

وبقدر ما يحاول الإنسان الهروب من تلك الأسئلة الميتافيزيقية المعصومة [التي لا يمكن إزالتها أو تجاهلها]، وبقدر ما يسعى لتناسيها في خضم حمية النشاط الوظيفي والخدمات المُسَيّسة والبحث الذي لا يشبع عن المتعة، يجد نفسه يزدري تلك المساعي [الميتافيزيقية] ويسخر منها [بظنه] بوجود علوم، بينما هي [له] علوم ميثولوجية، حيث [يظن أن تلك العلوم] تمتلك إجابة لكل شيء، أو ستجىء بإجابة في يومٍ ما...

ولكن فجأة يحدث للإنسان انكسار مفاجىء... لربما حادثة سيارة، أو مرض السرطان، أو أزمة قلبية ..إلخ، فينهار درع الاكتفاء الذاتي [الوهمي] ويَتَعَرَّى القلب مُنْكَشِفًا. واضطراب تلك الأسئلة غير المُجَاب عنها [في تلك الظروف] ينفتح فجأةً أمامنا، فتصير تلك الأسئلة [الوجودية الميتافيزيقية] ليست مجرد شكوك في العقل بل هوة في وجودنا [تحتاج لالتئام]. وفي تلك اللحظات غير المتوقعة من الصحوة الميتافيزيقية، يمكن للإنسان أن يجد أن جميع الأسئلة تتلخص تلقائيًا في كلمة واحدة مُعَبِرَة معروفة عَفَويًا وغير مُدرَكَة بقدر لا يُقَاس، وهى: ”الله“! »

— اللاهوتي الأرثوذكسي خريستوس يناراس، مُتَرجَم عن كتاب ”مبادىء الإيمان“، الفصل الأول ”المعرفة الإيجابية والميتافيزيقيات“
أحدث أقدم