« يشعر عدد ضئيل جدًا من البشر بقدر كافٍ من الحب في حياتهم، لأن العالم صار مكان مفتقر جدًا إلى الحب، حتى أنه صار من العسير جدًا علينا تخيُّل عالَم الجميع فيه في حالة حب مع الكل كل الوقت، حيث لا حروب لأننا لن نتقاتل، ولا جوع لإننا سنطعم أحدنا الآخر، ولا أزمات بيئية لأننا سنحب أنفسنا وأولادنا وكوكبنا إلى درجة تمنعنا من تدميره، ولا تعصب أو اضطهاد أو عنف من أى نوع، ولا حزن، بل يكون فقط سلام!
معظمنا عنفاء، حتى وإن كنا لا ندرك هذا، ليس بالضرورة في صورة عنف بدني، ولكنه عنف عاطفي، لقد نشأنا في عالم لا يعطي أولوية للحب، وحين يختفي الحب يستقر الخوف، فالخوف للحب كالظلام للنور، وغياب الحب أمر بشع، لأنه ما نحتاجه للبقاء، فالحب هو المكان الذي نلتجىء إليه حيث تنكسر فيه كل رباطات الجحيم.
حين لا يتم حضن الرُضَّع يمرضون وقد يموتون! فقد أجمع العالم بأسره على أن الأطفال يحتاجون إلى الحب، ولكن في أى عمر من المفترض أن يتوقف البشر عن الاحتياج إليه؟ في الحقيقة، نحن لن نتوقف ابدًا عن الاحتياج إليه! فنحن نحتاج الحب لنعيش سعداء كما نحتاج الأوكسجين لنتنفس.
تَذَكَّر، لا شىء حقيقي يمكن تهديده [خسارته]، لا شىء غير-حقيقي يمكن أن يُوجَد، وفي هذا يكمن السلام الإلهي! الحب حقيقة، سرمدي، ولا يمكن لشىء تدميره، وكل ما هو ليس حب هو وَهم، تذكر هذا وستحظَى بالسلام!...
الخوف هو نقيض الحب، ولكن السرمدي الذي يحوي الكل (الحب) لا يمكن أن ”يوجد“ له نقيض. حين نفكر حُبًا نحن فعليًا نشارك في الخلق مع الله، وحين نفكر لا-حبًا فنحن لا نفكر على الاطلاق بل نهلوس بخيالات لأن الحب وحده له وجود حقيقي، وهذا ما الكون عليه الآن ”هلوسة جماعية“، حيث يبدو فيه كما لو كان الخوف أكثر حقيقةً وواقعية من الحب!
الخوف وَهم، جنوننا وهواجسنا واضطرابنا وصدماتنا هى واقعيًا مجرد خيالات، هذا لا يعني أن لا وجود [اختباري] لها [كمشاعر] بالنسبة لنا نحن البشر، كل تلك لها وجود ”لنا“، ولكنها ليست الحقيقة على إطلاقها، ولا يمكنها استبدال الحق الذي نحن حقًا عليه، لأن الحب -حبنا- هو ذاتنا الحقيقية، هو حقيقتنا، والحب لا يموت حتى وإن تم طمسه.
الخوف هو مجرد ”حلم“ سىء، يبدو فيه العقل كما لو تم قسمه إلى اثنين، جزء يظل متلامسًا مع الحب، وجزء آخر ينحرف منغمسًا في الخوف. فالخوف يخلق كون موازي (parallel universe) فيه يبدو غير الحقيقي حقيقي، ويبدو فيه الحقيقي غير حقيقي!...
لذا فمشكلتنا الحقيقية هى الافتقار إلى الحب، ولهذا فإن أردنا التصدي لمشاكل الكون على أى صعيد آخر (غير التصدي له بالحب) سيكون الأمر مجرد مسكنات، محاولة تخفيف ولكنها ليست علاج، محاولة معالجة الأعراض ولكنها ليست دواء!...
الفكر هو المُسَبِّب، والاختبار هو النتيجة، فإن كنت غير راضٍ عن النتائج في حياتك، فيجب عليك تغيير طبيعة تفكيرك! الحب في ذهنك ينتج حبًا في حياتك وهذا هو الملكوت. والخوف في ذهنك ينتج خوفًا في حياتك وهذا هو الجحيم!
تغيير ما تفكر به تجاه حياتك ينتج تغييرًا في كيفية اختبارك لها، لذا فحين تصلي: ”انقذني، يا إلهي، من الجحيم“ أنت بالحقيقة تقول ”انقذني، يا إلهي، من مخاوف أفكاري“، حينئذ يصير ذهنك معبدًا، ويصير تدنيس هذا المعبد ما هو إلا ادخالك لأفكار غير محبية في ذهنك...
إن اغلاقنا لقلوبنا يدمر سلامنا، لإن هذا تغرُّب عن طبيعتنا، هذا يشوِّهنا ويحوِّلنا إلى ما ليس من المفترض أن نكون عليه. وقد وصف فرويد [أحد أشهر علماء النفس] الاضطراب النفسي بأنه ”انفصال عن الذات [الحقيقية]“، والأمر بالحقيقة كذلك. فذاتنا الحقيقة هى الحب الذي فينا، إنها ابنة لله؛ بينما ذاتنا الخائفة هى زيفٌ، ولهذا فالعودة إلى الحب هى بمثابة الدراما الكونية الأعظم، الرحلة الشخصية من الزيف إلى الذات، من الألم إلى السلام...
لماذا لا نقبع في نطاق الحل بدلًا من تراجعنا إلى نطاق المشكلة؟ لماذا لا نسعى إلى مستوى من الوعى لا نخلق فيه لذواتنا تلك المعضلات كل الوقت؟ دعونا لا نطلب وظيفة جديدة، علاقة جديدة، أو جسد جديد، بل نطلب كونًا جديدًا، نطلب حياةً جديدة...
لطالما كنت اختبىء واهرب من الحب، وبهذا كنت أقاوم حياتي... [لكننى أدركت أن] قرار العودة إلى الحب ما هو إلا البداية، إنه عودة إلى ما نحن عليه بالحقيقة »
— مُترجم إلى العربية عن كتاب ”العودة إلى الحب“، للكاتبة ماريان ويليامسون، الفصل الثاني، طبعة ٢٠٠٩