الأديان تصورات ذهنية


الدين مش هو الحقيقة، الدين مجرد model، يمكن ديه أخطر نقطة بيتم التغاضي عنها من المتدينين تحت الألوية التدجينية لقياداتهم الدينية، وبسببها بيحصل جمود فكري وتعصب وتشدد من معتنق أى دين، علشان كده حابب أوضح وجهة نظري عن ”الدين“، لإن الموضوع مستفحل جدًا في بلادنا الشرقية (او بالأصح الشرق-أوسطية) لدرجة تخطت الجمود ووصلت لمرحلة اسهال التكفير/اتهام_بالهرطقة.

إيه الفرق بين الحقيقة والـ model؟ عشان تتخيل الفرق، تعالى نقارن بشىء أصغر أبسط تحليليًا ومنه ننطلق للصورة الأعقد الاكبر. تعالوا مثلًا نشوف الظواهر الطبيعية، ظاهرة مثلًا زىّ تعاقب الليل والنهار... الظاهرة اللي البشر شافوها واختبروها إن بيحصل نور وراه ظلام، وقت ما بيكون فيه نور بيكون فيه شىء قوي مضيء سماه البشر شمس، ووقت الظلام بيكون فيه ضوء خافت وكيان مضيىء بصورة أقل سموه قمر...

الظاهرة المُعاشة الاختبارية ديه، عاصرها البشر، حاولوا يتقصوا حقيقتها، يتقصوا كيفية حدوثها، أسباب حدوثها، وأكتر من كده تمنوا يتوقعوا حالاتها العامة والخاصة ويتنبأوا إن أمكن بتغيراتها، زى ظاهرة الكسوف والخسوف ... الخ، ولإن لملايين السنين محدش قدر يروح يلمس الكيانين ”المضيئين“ (بحسب الرائي) دول، البشر حاولوا يحطوا model فكري أو نظري يبرر ده ويشرحه ويتوقعه، في البدايات كانت نظريات غيبية، model بدائي، ديه آلهة بتتخانق سوا مرة اله الشمس يكسب ويشرق ومرة إله القمر يكسب ويظهر، وظل الـ model ساري... ومع تطور الوعى البشري حطوا model أكثر منطقية: ليه ميكونش دول كوكبين/نجمين مضيئين بيلفوا دائريا فوق الأرض المسطحة، ده يبرر ظواهر أكتر... 

جت الثورة العلمية، ولقوا بالتليسكوبات ظواهر أكتر مقدرش الـ model بتاع تسطيح الأرض والكوكبين يفسرهم، فشل الـ model، فلجأ البشر لـ model تاني إن دول نجمتين مضيئين بيدوروا حول كرة وهم مرئيين لأنهم الأقرب بس كل النجوم والكواكب بتلف حوالين الأرض، الـ model مفسرش ظهور كويكبات بصورة غير منتظمة حوالين الارض وحطوا model جديد يفسر ده بإن الكل بيلف حوالين الشمس كنجم، لا القمر مجرد عاكس مش مضىء بسبب ملاحظة س، الشمس مش أقرب نجم بسبب ملاحظة ص ... الخ وفضل كل مُعطَى جديد ينقح الـ model ويجي مكانه model جديد وفضل البشر يدوروا على model يتفق مع كل الظواهر اللي بتستجد عليهم ... وهيفضل الـ model يتنقح عشان نوصل لتصور عن الحقيقة اللي ممكن متتبلغش لغاية نهاية الكون!!

أتمنى المثال ده يكون وضح لك الفرق بين الظاهرة والحقيقة والـ model، ممكن تشوف الفرق ده في ظواهر كتيرة عبر التاريخ زى حالات الصرع (التلبُّس)، البراكين، الجاذبية، الفياضانات (الطوفان!) ... الخ ... الفرق ببساطة كالتالي:
١. الظاهرة شىء ملموس، محسوس، أو مُختَبَر، لا يمكن انكار وجوده، وله مساعي في محاولة تقصي وجوده، ممكن يتم المبالغة سايكولوجيا في توصيف الظاهرة، ولكن تظل لها جذور حقيقية معاشة ومختبرة
٢. الحقيقة هى الغاية، المَبلَغ النهائي اللي بيسعَى البشر لتفسيره من خلال اختبارهم له في صورة ظواهر، واللي بيحاولوا يحطوا توصيف تقنيني له يسمح لهم يورثوه من الفرد للجمع
٣. الـ model ده مجرد تصور ذهني يقدر يبرر كل الظواهر المتاحة للوعى الجمعي اللي كَوِّن التصور، وبيتم تنقيحه بـ models أدق كل ما تِجِّد ظواهر أو تظهر اختبارات عملية تناقض تصور الـ model السابق، وتخليه ميشرحش كل المستجدات

عشان كده الدين مش هو الحقيقة! الظاهرة اللي البشر اختبروها هى وجود علاقة ميتافيزيقية في تجربة مستيكية في علاقة مش عارفين يلموا حتى بصفات وكنة أطرافها مع كيان سموه الإله. الـ model اتحط في صورة بدائية ابتدت بقوى غير واعية في الكون، واتطورت لأشباح وأرواح المنتقلين اللي بنتواصل معاهم، ومنها لكائنات لديانات خُلُقية مبنية على ”كود اخلاقي“ تنظيمي للمجتمع ومنها لديانات علاقية مبنية على ”علاقة شخصية (بين شخصين)“... 

الحقيقة مش مدركة (حاليًا)، ومظنش انها هتُدرَك (مستقبلًا)، وكل الأديان بتطوراتها الزمكانية هى مجرد models بعضها قدر يستمر لنضجه، وبعضها اختفى لبداءته، وبعضها له أسبابه الخاصة في التواجد حتى الآن (يعاقب قانون الغاب على توضيحها وتحليلها، فهنتغاضَى عنها ونسيبها لمتاحف التاريخ)، لكن في النهاية الدين (أى دين) مش هو الحقيقة مش هو الـ reality هو مجرد أدق model قدر مجموعة من البشر في مكان ما، وزمان ما، وثقافة ما، يفصلوه ويفضلوه وينقحوه عشان يلائم كل معطيات تنوع الاختبارات اللي عاصروها وتوارثوها عمن قبلهم، لغاية لما وصل لنا بصورته الحالية (مجاش spontaneous ولكن evolutionary) !

ولإن المسيحية (كإيديولوحية مش كأتباع) أكثر نضجًا من بقية الديانات في قبول الفحص والبحث والتحليل بل والنقد، فخليني استخدمها أُنموذج تمثيلي... من سابق شرحي ده يخليك متستغربش مثلًا لما تعرف إن المسيحية تطورت بين العصور المختلفة، سواء ببداياتها في صورتها العبرانية البدائية بين شدّاى والعلىّ بل وألوهيم (ويهوه!)، بما فيها تطور التصورات جوة الديانات العبرانية نفسها (راجع مختلف النظرات النبوية في الاسفار بتدرجات تواريخها لا ترتيب تنسيقها الكتابي)، مرورًا بالهوة الكبيرة في تطورات الديانة اليهودية ذاتها (المسكوت عنها، ليلبس اى باحث تهمة معاداة السامية!)، ومن بعدها تطورات الديانة المسيحية نفسها من صورتها اليسوعية الأولى البسيطة (جدًا) لصورتها البولسية (الشبه-عبرانية) مرورا بالتطورات الاغريقية اللي جدت من صراعات عصرها الفلسفية (في صورة عصر الآباء الأولين)، ومن بعدها الانشقاق العظيم وبزوغ مكانة الهدوئية، لغاية فترتنا الحالية ومحاولات قولبتها منطقيا من المدرسة السكولاستية، ومن بعدها تطورات تلامسها مع عمق ميستيكية ديانات شرق آسيا (بعد حركة ترجمات ديانات شرق آسيا) ووريثتها غير-الشرعية الـ New Age للهروب من صعوبة الصراعات المنطقية المبنية على الـ materialism والـ logic الأرسطي والـ empiricism ، وما بعدها من تطورات حركات الـ progressive Christianity لمصالحتها مع الـ post modernism...الخ

دينك الحالي هو مجرد model اتطور من اختبارات كتير وصراعات كتير في أزمنة وأماكن كتير وتأثيرات ثقافية وحضارية متبادلة أكتر، ممكن يكون أدق model متاح، الأقرب للحقيقة عن غيره (وممكن ميكونش بس تم غسيل-مخك من نعومة اظافرك!)، لكنه في الأول والآخر حلقة في سلسلة الـ models، الظن الشعبوي بإن دين س استمر لآلاف السنين عبر آلاف المدن ومئات الثقافات pure لا أثر ولا اتأثر حيلة سايكولوجية لطمانة الذات، مفيش تسليم/سلفية pure ده وهم وخدعة، الصورة الأولى لأى دين لا يمكن تقدر تستمر وتعيش وده شئ منطقي وصحي للأتباع كوسيلة للتكيُّف والـ survival وإلا يكون مصيرهم المتاحف وكتب التاريخ زى ديانات آلهة الأولمب وتشعباتها الاغريقية، او الديانات المصرية القديمة، وبقية ديانات بين النهرين المندثرة اتباعيًا ... إلخ

الـ model اتنقح الاف المرات عشان يوافق تحليلات ومعطيات الظواهر المعاشة (ولسه هيتنقح!!)، بهدف يوصل لحقيقة منشودة. ظنك إنه مكتمل وثابت وهو الحقيقة المنشودة ذاتها التامة والكاملة اللي تظن إنك بلغتها وقننتها وجمعتها في مجموعة افكار ظن طفولي جدًا، ظن في سذاجته بيعتقد إنه يقدر يحد حقيقة ميتافيزيقية غير محدودة في صورة فيزيقية محدودة. عشان أى متدين يتخلص من عقدة ”الأعلون“ وعقدة ”امتلاك الحقيقة احتكاريًا“ وعقدة ”نظرية أولاد المحظوظة“ (ان مجموعة من البشر ولدوا وحدهم دون سواهم من المليارات على الدين الحق عشان هم ولاد محظوظة عن غيرهم!)، لازم يقدر يفهم الفرق بين الظواهر الاختبارية، والدين النظامي كـ model، والحقيقة المتسامية كبوصلة توجيه مش ككيان مبلوغ، ده صمام الأمان الوحيد من التصلب الفكري، والتشنج التعصبي.

في ظني، المسيحية الأرثوذكسية الشرقية كانت الأنضج هنا (مبتكلمش هنا طبعًا على الكنيسة القبطية المستحدثة في آخر نصف قرن)، لإن الأرثوذكسية الشرقية بدل ما تبني الـmodel بتاعها (دينها) حوالين تقنين نصي سواء في كتاب بيحوي الحقيقة، أو في كاتكيزم يجمع بين دفتيه الـ model بصورة نصية كمعتقد (dogma) في صورة static، ادت مساحة في الـmodel/الدين بتاعها للتمدد والانكماش والتطور والتشكل بل والتَغَيُّر حسب البيئة المحيطة ومستجدات الخبرة الفردية والجمعية وتطور الوعى جمعي وفردي، بإنها بنته على كيان dynamic وهو الاختبار والتلمذة، لامتلاك phronema أكتر من امتلاك canons، وبقَى الـ model نفسه self-evolutionary قابل لتطوير ذاته من ذاته (self-steering)، بدون احتكام لا لنص ولا لـ canons ولا لتصورات ستاتيكية بتموت بعد عقود من انبثاقها... الكل اتبنى في الأرثوذكسية على التجربة الاختبارية مضاف لها ارشاد شيخي بدوره اختباري ، الكل صميمه ”الاختبار التتلمذي“، لكنها تظل model اتطور وبيتطور ولسه هيتطور، ميزته انه قابل لتطوير ذاته by design! 

الخلاصة، لو عاوز توصل للحقيقة الميتافيزيقية عن العلاقة الانس-الهية (بفرض اتفاقنا على صحة اختبارها وإنها مش psychological illusion)، مش هتلاقيها في أى دين، هتلاقيها في المسعى نفسه للي هو التجربة الاختبارية المستيكية، الباقي كله models لا بتروي ولا تشبع! اسعَ للتجربة الاختبارية المتتلمذة، متقفش عند model متحجر وتتحجر معاه، خوض الرحلة ديه عمليًا واتدرج جواها ومعاها!
أحدث أقدم