عن الهندوسية (٣)


في نصوص الـ Upanishads الميالة للفلسفة، عشان الإنسان يقدر يفهم كل شيء حواليه، لازم يبدأ قبل كل شيء بإنه يفهم نفسه الأول، يفهم ذاته، وأول خطوة لده إنه يعرف إيه هى ”ذاته“. في اجترارنا المعرفي عن الفلسفة الغربية (خاصة من أصولها الإغريقية بتطوراتها ونموها المعرفي) فيه نظرتين للذات: 

١. النظرة الأولى هى نظرة المدرسة الـdualist المدرسة الثنائية اللي بتشوف في الإنسان جزئين: مادي وغير-مادي، وبتعتبر المادي هو الجسد، في حين بتعتبر الذات هو الجزء غير المادي اللي بتعيد تعريفه وتشكيله في تخصيص اسلامسيحي كـ ”نفس“ ، وده ممكن نلاحظه من استخدام اللغة العربية مثلا للذات والنفس كمترادفات (soul and self)، في حين إن للنفس بُعد ميتافيزيقي في المدرسة ديه

٢. المدرسة التانية هى الـ materialism (المادية)، وديه مدرسة رافضة للماورائيات، مبتعترفش بالغيبيات والنفس والذهن ككيان له وجود، ولكن بتعترف بكل ما هو مادي فقط، وديه بتعرف الذات على إنها أداة بشرية للتعبير عن نشاط العقل، عن الوعى، فالذات هى الوعى والإدراك الناتج عن التفاعلات البايوكيميائية في المخ البشري واللي بينتج عنه الكيان المفكر غير الملموس اللي بنسميه ”العقل“ 

بعكس المدرستين دول، في الهندوسية، الذات تعريفها مختلف، الذات مكونة من ٣ اجزاء مدمجة، في مراحلها البدائية dualist، وفي مرحلتها الارتقائية توحيدية، زىّ ما هشرح بعد دقايق، فبتشوف الذات ٣ اجزاء مدمجة:
١. الجسد المادي، بكل الفسيولوجي اللي فيه
٢. الجسد الذهني، اللي بيتكون من وبيحوي الأفكار والمشاعر والخبرات
٣. والـ atman وده الوعى النقي، وديه حلقة الوصل بين الإنسان وبين الـ Brahman اللي هو الحقيقة المطلقة غير المشخصنة 

تعريف الذات في الهندوسية في غاية الأهمية، لإنه بيشوف في الكيان الإنساني وفي الذات الإنسانية جزء إلهي (الـ Atman) مش بس كده ده بيعتبر اتصال كل atman إنساني بالـ Brahman معناه إن كل البشر ”واحد“! مش واحد بمعنى مجازي، لأ بمعنى حرفي، ففي حين إننا كبشر بوهم بنشوف أنفسنا منفصلين وفرادَى، لكن في الحقيقة لو اتفتحت أعيننا (بشكل مفاجئ درامي) هنلاقي إن كل وعى متصل ببعضه وكلنا نفس الـ Brahman، كلنا خارج المناظير المادية واحد بصورة غير مادية رغم تعدديتنا المنظورة الوهمية، كلنا في الحقيقة المطلقة الواحدة، لإن بحسب المعتقدات الهندوسية atman is Brahman

”كما تشتعل الشموع من بعضها البعض، فتشتعل نفس النار في كل الشموع، هكذا الـBrahman الواحد، يبدو رغم وحدته متعدد“
— الحكيم الهندوسي فازيشتا
(راجع المعتقد المسيحي عن الروح القدس الإلهي وألسنة النار المنقسمة على الرسل رغم وحدة الروح الإلهي)

في الهندوسية، لو تعمقنا لصميم كل وجود مادي، هنوصل لكيان واحد اللي هو الـatman، في الهندوسة حلقة الوصل مندمجة بالمتصلة بيه، الـatman ما هو إلا الـBrahman اللي هو الكيان الأعظم اللي بينجمع فيه الكل، كيان ”إلهي“ بمفهومنا الإسلا-مسيحي، في بُعد مبيكونش فيه فجوة وجودية بين الإنسان والألوهة. لو أنت من خلفية مسيحية أرثوذكسية شرقية فالإنجماع مش هيكون غريب على ودنك (تحت مُسَمَّى الـ Recapitulation)

”الـatman مختومٌ في قلوب كل الكائنات، هو الروح، هو الذات؛ هو أصغر من أصغر الذرات، وأكبر من الفضاء الشاسع المهول“
— Katha Upanishad

في الهندوسية بسبب وحدة الـ atman، فالانجماع مبيقتصرش على البشر، ولكن على كل الموجودات الحية وغير الحية، الكل بيخترقه الـ Brahman كمصدر لوجوده، والـatman متصلة ومتحدة بالـBrahman، وحتى لو بنشوف الموجودات كماديات منفصلة، لكن كل الموجودات بكل ما فيها هى كيان واحد، كلها الـBrahman، كلها الحقيقة الوحيدة المطلقة، كلها إحنا، كلها كيان واحد غير مرئي بيجمع الكل وبيضمن بقاءه واستمرارية الوجود، كلها ”الألوهة“ بمفرداتنا الإسلامسيحية (وأنا مجبر هنا استخدم اللفظ للتقريب)، الكل احنا، والكل واحد لو حذفنا خداع المادة وتأثيرها المضل على حواسنا!

”الكل Brahman، هو الذات في داخل القلب“
— من Chandogya Upanishad ، Khanda ١٤

الهندوسية بيؤمن أتباعها بإعادة التجسد (هبقَى أشرحه بالتفصيل بعدين) بس باختصار هى فكرة إن الذات بتاخد سلسلة من الأجساد في حيوات متوالية كـ Samsara (راجع الأجزاء السابقة)، والأفعال بتكَوِّن الـ Karma اللي بدورها بتكَوِّن نتائج عن حالة التجسد التالية للذات، سواء بارتقاء وجودي أو بانخفاض وجودي، ووسيلة التخلص من سلسلة ودوائر التجسدات ديه، هى بإدراك إن الـ atman هو الـ Brahman، (لو أنت من خلفية أرثوذكسية شرقية ده برضوه مش هيكون غريب عليك لإنك هتكون مؤمن إن الخلاص ما هو إلا التأله Theosis)، ففي الهندوسية الخلاص هو التسامي/الارتقاء من حالة ثنائية الجسد المادي والجسد الذهني، لمستوى محوره الـatman والـ Brahman (راجع اجزاء الذات التلاتة السابق ذكرها في المقال)

رحلة بلوغ إدراك الوحدوية مع الحقيقة المطلقة (الألوهة) في الهندوسية، مبتعتبرش رحلة بسيطة وسهلة، ولكنها رحلة طويلة بيكتسب فيها الإنسان حالة من الـ anada (لو قربتها بالمصطلح الاسلامسيحي هتكون ”نعمة“، وباعتذر تاني عن اضطراري للتقريب المشوِّه للدقة، معنديش وسائل وأدوات تانية للشرح والتبسيط)، وده لازم يتم من خلال تداريب كتير لغاية لما يوصل الهندوسي لحالة من الاستعلان يتم فيها الكشف ده له (الإعلان اللدني لو هقربهالك بالمصطلحات الإسلامية)، ومبيوصلهاش الإنسان بالمعرفة الفكرية، ولكن بالمعرفة الاختبارية الارتقائية في الحيوات المختلفة بشكل تدريجي تطوري، ومع كل خطوة بيعاد تشكيل وعيه وإدراكه ويعاد تجديد ذهنه وطبيعته!

... يُتبَع
أحدث أقدم