آباء الكنيسة وعصمة النص الكتابي (١)

الآباء القديسين الأوائل للكنيسة الجامعة، كان عندهم نضج معرفي وروحي يخلي معندهمش مشكلة في إن كتابات نبوية تكون فُقِدَت، بعكس كتير حاليًا من المسيحيين -غير الدارسين- اللي فاكرين أن فيه عصمة (بالمفهوم الإسلامي) مش بس لوجود النصوص ذاتها، ولكن حتى لمحتوى النص (حروفه وكلماته وعباراته)، بل وتمادى البعض للظن بعصمة نَسخُه في عائلات المخطوطات، وكمان عصمة صحة ترجماته، كمثال السبعينية! في حين إن الآباء القديسين الأرثوذكسيين مكانوش شايفين النص نفسه معصوم من الهلاك والضياع، ولا كان ده بيمثل لهم معضلة. ده يفهمنا إن مفهوم عصمة النص، مفهوم غير-مسيحي، تسلل لنا بدون قصد من ديانات تانية نتيجة تبني بعض المسيحيين لنظريات الوحى بالمفهوم الإسلامي أو للايمان بالـ sola scriptura في التيار الاصلاحي، وصار إيمان شعبي مسيحي لا يجوز المساس به، كمثال:

"الكثير من الكتابات النبوية قد فُقِدَت، وهذا يُمكِن رؤيته في أخبار الأيام [١]. لأن بسبب اهمالهم [٢] وسقوطهم المتتالي في عدم التقوى، عانت بعضها من الهلاك/الفقد، والبعض الآخر أحرقوها بأنفسهم وقطّعوها إربًا. تلك الحقيقة المذكورة يشير إليها ارميا في سفر ارميا ٣٦: ٢٣ [٣]، الذي سابقًا كتب في سفر الملوك الرابع [٤]، قائلاً أنه بعد زمن طويل عٌثِر على سفر التثنية بصعوبة، مدفونًا في مكانٍ ما ومفقودًا [٥]. فإن كانوا [٢] يخونون كتبهم هكذا [٦] بدون وجود بربري [٧]،  فكم بالأحري حين اجتاحهم البرابرة"
- القديس يوحنا ذهبي الفم، ترجمته إلي العربية عن كتاب "عظات ق. يوحنا ذهبي الفم عن بشارة ق. متى"، من مجموعة كتابات "نيقية وما بعد نيقية" لفيليب شاف، المجلد الأول، الكتاب العاشر، العظة التاسعة على مت ٢: ١٦، الفقرة السادسة

[١] "وَبَقِيَّةُ أُمُورِ سُلَيْمَانَ الأُولَى وَالأَخِيرَةِ، أَمَا هِيَ مَكْتُوبَةٌ فِي أَخْبَارِ نَاثَانَ النَّبِيِّ، وَفِي نُبُوَّةِ أَخِيَّا الشِّيلُونِيِّ، وَفِي رُؤَى يَعْدُو الرَّائِي عَلَى يَرُبْعبْنِ نَبَاطَ" (٢ أخ ٩: ٢٩)
[٢] يقصد اليهود
[٣] "إِذْ قَدْ حَرَّفْتُمْ كَلاَمَ الإِلهِ الْحَيِّ رَبِّ الْجُنُودِ إِلهِنَا." (إر ٣٦: ٢٣)
[٤] سفر الملوك الثاني، الترقيم بحسب تقسيم الأسفار في الترجمة السبعينية
[٥] "ثُمَّ قَالَ حِلْقِيَّا رَئِيسُ الْكَهَنَةِ لِشَافَانَ الْكَاتِبِ: «لَقَدْ عَثَرْتُ عَلَى سِفْرِ الشَّرِيعَةِ فِي الْهَيْكَلِ»" (٢ مل ٢٢: ٨)
[٦] بإهمالها وعدم الحفاظ على نصوصها
[٧] أى الوثنيون

ــــــــــــــ
الأيقونة المٌرفَقَة، أيقونة مضافة لمخطوطة البشائر المرقمة MS 129 في مكتبة جامعة شيكاغو، في إلينوي بالولايات المتحدة. بمقارنة حالة الأيقونة وطريقة الإضافة للنص، يٌرجَح إنها تمت إضافتها في المساحة الفارغة من المخطوطة في أواخر القرن الثالث عشر أو أوائل القرن الرابع عشر.


أحدث أقدم