عشان نفهم مفهوم "العدالة الإلهية" في الفكر الشرقي، محتاجين نفهم مفهوم العدالة عند الشرق كان إيه في عصر الآباء ... وعشان نفهم فهم المجتمع اليوناني "للعدالة"، محتاجين نرجع للكتابات الفلسفية اليونانية اللي كانت وقتها بتحط خطوط فهم "العدالة" في الفكر اليوناني، وعلى رأسهم طبعا، كتابات العظيم افلاطون، اللي كتير من الآباء اتلمذوا علي ايديه ... فتعالوا نشوف المفهوم اليوناني وقتها كان ايه للعدالة، عشان نفهم العدالة الالهية ...
في كتاب "الجمهورية" اشهر واعظم كتابات افلاطون، واللي فيه سرد من افلاطون لمناقشات فلسفية كانت بتدور في المجتمع اليوناني والاروقة الفلسفية عن مفاهيم شكلت المجتمع اليوناني والحياة السياسية والاجتماعية، وفيه بيناقشوا مفاهيم العدالة. هقتبس هنا بعضها من الكتاب، عشان نوضح ازاي الآباء اسقطوا ده علي الفكر المسيحي الشرقي ... هبسطهلكم في صيغة عامية، عشان الفكرة تتضح في اربع نقط، وهحاول اختصر ومكلكعهاش ...
1. العدالة مش "استرداد حقوق":
بيقول سقراط على لسان افلاطون: "افترض ان صديق مجنون، جه وساب عندك اسلحة بتاعته، هل هتبقى ملزم بردها ليه كحق لما يرجع ويطالب بيها كملكية ليه، محدش يقدر يقول انك ملزم بردها، ولا هتكون غير عادل لو عملت كده" ... هنا افلاطون على لسان سقراط، بيوضح نقطة في منتهى الخطورة، العدالة مش قايمة على منطق"استرداد الحق"، ولكن على منطق "المنفعة"، لدرجة احيانا ان منع حدوث "الحق"، بيكون نوع من العدالة عشان يمنع ضرر، والعدل في فكره، انك متديش فرصة لحد يظلم ذاته بجهل ... تعالوا نعمل مابينج من ده على الفكر الشرقي المسيحي عند الآباء، الآباء لتأثرهم بالفكر اليوناني، مكنش عندهم العدالة قايمة على فكرة ان الله كسرت اوامره فالعدالة ان يكون فيه مطالبة برد كرامة مهانة لله، ولكن على النقيض، العدالة في فكرهم، ان الانسان اللي ممكن يظلم نفسه بجهل منه ويضر نفسه، يمنع عن ده، حتى لو بكسر منطق "الحقوق" (في حالتنا "حق الهي")
2. العدالة مش "اتباع قوانين" مربوط بـ"ثواب وعقاب":
في نفس الكتاب عبارة خطيرة جدا: "الانسان بيخطئ في فصل الخير والشر، لدرجة بتوصله يشوف الاخيار اشرار والاشرار اخيار، و (كعدالة) هيكافئ الاخيار (في منظوره)، ويعاقب الاشرار (من منظوره)، فهيكون بيكافئ الشرير وبيعاقب الخيّر، وبكده يبقى محاولة تطبيقه للعدالة هتكون ذاتها هي عدم عدالة، وهتنهار العدالة من ذاتها" ... من النص نفهم ان الفكر اليوناني كان بيفصل مفهوم العدالة عن مبدأ الثواب والعقاب، لان الثواب والعقاب مبني على مناظير مختلفة للوضع، لان البشرية مهما عليت بقيمها، هتفضل اسيرة نضج وعيها "الجمعي"، بمعنى ان ممكن جماعة في زمكان تتفق علي خيرية فعل، وفي زمكان تاني تتفق على كونه شر، والعكس، فاتحول فصل الشر من الخير لوليد ثقافة "جماعية" ... الآباء الشرقيين انتهجوا نفس النهج، وعشان يتخلصوا من مشكلة ان العدالة هتفني ذاتها، بنوا مفهومهم للعدالة في منأى عن الثواب والعقاب (الفكر القانوني)، فالقضية مش قضية امشي على القوانين تتكافئ وخالفها تتعاقب، ولكن القضية هي "الانسان اولا"، وده كان منطلق الاباء لفهم اللاهوت كله
3. العدل من منظور العقوبة فعل أحمق بينقض ذاته بذاته:
في مناقشة بين سقراط والفيلسوف بوليمارخوس، بيقول سقراط على لسان افلاطون: "لو عاقبنا الخيول، هتكون افضل في الطباع ولا اسوأ ؟ هتكون اسوأ واكتر عنف (هترفس)، بالمثل انك تعاقب البشر على نقصان فضيلة عندهم، هيؤدي بيهم انهم يفقدوا فضائل تانية نتيجة العقاب (اللي انت مفترض انه عدل).... وبكده بالعدل اللي بتهدف تطبقه، هتعمل فعل غير عادل (هتضر الانسان) لان اللي بيضر حد بيعمل فعل مش عادل، فهيكون تطبيقك للعدل عدم عدل في ذاته" ... الجملة ديه في غاية الخطورة، وفي المجتمعات الغربية حديثا مثلا في الدول الاسكندنافية ابتدوا يتخلوا عن ربط العقوبة بالعدل لان العقوبة: "مش عدل"، ولكن الحل: "اعادة تأهيل"، وده بقا منهج العدل في الدول الاسكندنافية ... الآباء لتأثرهم بالفكر الشرقي عن العدل، كانوا سابقين الغرب الحديث في فهم خطورة فهم العدل من منظور العقاب، وعشان كده كان في فهمهم لتطبيق العدالة الالهية، مش ان الانسان يتعاقب (لان ده بيضر مبيفيدش)، ولكن ان الانسان يُقَّوَم ويُرّد، زاي ما الفكر اليوناني كان بيقول، والا هيصير لأسوأ أولا، ويصيرمنفذ العدل (الله في مثالنا)، هو مسبب اللا عدل بتوقيعه ضرر ع الغير
4. العدل مش هدفه مصلحة منفذ العدالة، ولكن مصلحة اللي اخطأ:
في مناقشة سقراط الحامية مع عدوه الفكري الفيلسوف "ثراسيماخوس"، كان ثراسيماخوس بيحاول يدافع ان العدل هدفه مصلحة الاقوى (مطبق العدالة)، في حين ان سقراط كان بيقول ان ده غلط ولكن هدفه مصلحة الاضعف المخطئ (المُطَبَّقَة عليه العدالة)، واخده في سكة سؤال وجواب كالتالي هختصرهالكم كسرد مش كسؤال وجواب: "هو الدكتور لما بيعالج بيهدف لمصلحة الطب ولا المريض ؟ المريض ... بالمثل الحاكم لما بيدور على العدالة مش بيدور على مصلحته ولكن مصلحة الرعية، المصلحة بتصب في الاضعف (المخطئ)، مش الاقوى (مطبق العدالة) ، زاي ما الدكتور بيهدف لمصلحة المريض لما بيكتب دوا مش لمصلحته هو كدكتور ولكن للمريض ... دايما الحاكم عشان يعدل لازم يهدف لمصلحة الرعية، الرعية هي الغاية" ... ديه نقطة هامة جدا تميز الفكر الشرقي الفلسفي عن الغربي، العدل هنا مش ان الله يسترد كرامته، او كلامه يتنفذ، او محدش يخالفه، ولا انه يدور عليى عقوبة موازية لاهانة مكانته، ولكن العدل هدفه الانسان المخطي، انه ياخد الدوا، ده العدل في مفهوم الشرق، ان المخطئ يعدّل ويقوّم، انما مطبق العدالة المفروض ميدورش علي ايه انتفاع ليه (في مقالنا الله)، لا بان "كلامه الالهي" مينقضش، ولا بإن "قانون ياخد مجراه وينفذ"، لان الغاية في الفكر الشرقي اللي اتبعه الآباء هو الاضعف (الانسان المريض)، "الانسان هو الغاية من العدل"، حتى لو كمخطئ، فهو محتاج لتقويم وعلاج، زاي ما قال افلاطون "الحاكم الصحيح مش مستني من رعيته مصلحة ليه، ولكن عدله تنفيذ مصلحتهم بانه يرعاهم"
الخلاصة، مستحيل تفهم فكرة "العدل الالهي" في الفكر الآبائي الشرق الأرثوذوكسي، إلا بفهم مفهوم وتوصيف العدالة في الفكر اليوناني لعصر الآباء اللي كان استقر في المفاهيم والوعي الجمعي على ايدين اشهر فلاسفة سبقوهم، واللي اتربوا الآباء علي معرفتهم ودراستهم قبل المسيحية، واللي شكلوا المفاهيم الفلسفية للعصر. من الحمق اننا نقيس مفهوم "العدالة الالهية"، على مفهوم العدالة في الفكر الغربي الكلاسيكي الروماني اللي مازال مطبق في معظم بلادنا اللي بتنطق بالعربية، او من خلال مفهوم الغرب الكلاسيكي المنبوذ (اللي الغرب نفسه ابتدا يقر خطأه ويرجع للمفاهيم اليونانية والهيلينية بشكل خاص في معظم دوله المتحضرة بعد ما اثبت الفكر الغربي الكلاسيكي للعدالة فشله) ... من الحمق إننا نبقى ملكيين أكتر من الملك ! ... ومن الجهل أكتر، اننا ننسب ده لله !