هل كان للمسيح طبيعة بشرية ساقطة؟


هل المسيح كان له طبيعة بشرية ساقطة ولا لأ؟

الخلاف اللاهوتي ده، خلاف موجود من القرون الأولى للمسيحية، والتوجهين سواء اللي بيؤيد كونه اتخذ طبيعة ساقطة او له طبيعة غير ساقطة له تأصيلات آبائية من الجانبين، وله من الطرفين أدلة [شبه-] منطقية، وأدلة توافقية مع الفرونيما الأرثوذكسية، واتفرع منه خلافات تانية زىّ هل اتخذها ساقطة وطهرها (حوّلها من السقوط للا-سقوط)؟ فلو افترضنا اتخذها وأقامها وطهرها، طهرها امتَى؟ في لحظة التجسد؟ ولا المعمودية؟ ولا القيامة؟ ولا الصعود؟ ولا لا-زمنيًا؟ ... لو أنت مهتم بالدراسات الآبائية الأكاديمية هتلاقي الرأيين ممصدرين آبائيًا وكتابيًا ومنطقيًا وتوافقيًا (والبعض بيستدل ليتورجيًا كمان!)، حتى في الأرثوذكسية (ملناش دعوة بالعك القبطي الحالي) هتلاقي اللاهوتيين الأرثوذكسيين سواء أكاديميين أو نُسَّاك بيتبنوا توجهات مختلفة في القضية الخلافية ديه.

لو متابع الفيسبوك مؤخرًا، هتلاقي خناقة على رأى من الرأيين، وكالعادة هتلاقي تكفيرات وإسهال من اتهامات الهرطقة، وده حاجة معتادة ومتوقعة في ظل العك التعليمي اللي أُنتِج في آخر نصف قرن في حبرية البطريرك المتنيح وخليفته المطران المتنيِّح (ربنا ينيح روحهم هم الاتنين)، اللي كان أى خلاف بالنسبة لهم هو ”هرطقة“ و ”بدعة“ مع تجييش عوام الأقباط ضد طرف بدل من البحث والدراسة الأكاديمية للخلاف في الأروقة المخصصة للدراسات الأكاديمية، فطبيعي نشوف التهريج اللي بيحصل دلوقتي على مواقع التواصل. ده طبعًا بالإضافة لكون تهمة الهرطقة والإبتداع ذاتها هى عمل مجمعي جلساته bi-directional حواريًا، مش شعبوي من العوام أو بقرار الحاكم بأمر الله كما رُسِّخ في النصف قرن الأخير بعبثية وفرعنة (مصرية أصيلة!).

لو قريت البوست، في انتظار إن كاتبه هيقولك الصح كذا، والطرف التاني مهرطق، يبقى غالبًا ده أول post تقراه عندي! تعالى أوضح لك إزاى فيه توجهين مختلفين، ومينفعش نقول على واحدة منهم ”هرطقة“، وديه أهم نقطة في الموضوع كله. فيه فرق مهول بين العقيدة وتفسير العقيدة، العقيدة إن الله الابن تأنس وخلصنا، ديه العقيدة المتفق عليها، كيفية تأنسه كقضية لاهوتية هى في نطاق ”تفسير العقيدة“، مش العقيدة، وتفسير العقيدة هنا يقبل التعددية طالما إن التعددية ديه متنفيش العقيدة ذاتها self-contradiction، ولا تتناقض مع بقية منظومة العقائد المسيحو-أرثوذكسية، ولا تخالف الفرونيما الأرثوذكسية، والبعض بيضيف عليها إن لها تسلسل تأصيلي آبائي (وده فيه خلاف خاص عن تعريف الفترة الآبائية، وهل انتهت؟). ناهيك طبعًا عن حلمنا الطفولي بأسطورة ”الإجماع الآبائي“، ده إن ملقيتش تعارضات فكرية لنصوص نفس الأب إما نتيجة لتطور فكره اللاهوتي زمنيًا، أو لقضايا نقده النصي الخلافية!!

في نطاق تفسير العقيدة، وخاصة الـChristology منها، الكل كفيف بيتحسس في الظلام مبحثه المجهول الهوية، فلا العيون عندها قدرة رؤية، ولا الوسائل متاحة للتحقق، ولا المبحوث قابل للبلوغ، ولا المبحوث نفسه مُدرَك المعالم عشان لما نبلغه نقول ”يوريكا“ ونجري من الفرحة عرايا، ولا حتى نملك ”منطق“ لا حدثي ولا زمني (منطق تتابع المُسببات فيه خارج نطاق التصور والتخيل الزمني، تسلسل تراتبي بلا مُحدثات!) وبرغم من ده كله، عنجهية الطبيعة البشرية مبتمكنهاش من الاعتراف بعجزها واعاقاتها، ممكن اتفهم ده في ظل ظروف من الصراعات الوجودية للكنيسة الاولى في ظل مخاض وجودي أقوى وأشد وسط بيئة فلسفية هيلينية/هيلينستية، كان فيها تبادل الحجج (اللا-أدرية الميتافيزيقية) وسيلة لا غنَى عنها للـsurvival والاستمرارية، لكن رؤية الصراع التنظيري ده في ظل الرفاهية الحالية في محاولة قوننة الألوهة، ده شيء ممقوت جدًا واشد قبح من الجهل. فالخلاصة، أحيان كتيرة تعددية التوجهات بتكون complementary في المعتقد الكُلِّي وأحيان أكتر الإجابة اللا-أدرية هى الإجابة الوحيدة الصحيحة بمعطيات قدراتنا وكوننا ووسائله المحدودة.

لو مهتم اكتر تقرا الخلاف اللاهوتي ده بشكل أكثر عمق، وبشكل أكاديمي وبمصدرية وتأصيل سليم بعيدًا عن شرشحة صبية الاقباط على الفيسبوك، أنصحك جدًا تقرا الكتابين دول، الكتابين تقليديين وأكاديميين، وفيهم زخم مرجعي في الهوامش مُفجِع -خاصة لينا كأقباط متعودناش على المرجعية- ، أولهم بيدعي الحيادية لكنه بيميل ضمنيًا بتأصيلاته لكونه اتخذ طبيعة ساقطة، أما ثانيهم فبيؤيد كونه اتخذ طبيعة غير ساقطة (أو على أقل تقدير اتخذها ساقطة -لازمنيًا- وقدسها وطهرها -زمنيًا- له وللبشرية كلها فيه):

1. Christ's Humanity in Current and Ancient Controversy: Fallen Or Not?, by E. Jerome Van Kuiken

2. Jesus: Fallen? The Human Nature of Christ Examined from an Eastern Orthodox Perspective, by Emmanuel Hatzidakis

استمتعوا بالمعرفة الهدوئية بمعزل عن لعب عيال أتباع الكنيسة القبطية الحديثة المتضمنة عك عممهم على الفيسبوك ومعاركهم الدونكيشوتية التسطيحية التكفيرية! أنصح جدًا بقراءة الكتابين.
أحدث أقدم