كلنا اتولدنا لقينا آبائنا البيولوجيين بيعلمونا ”الحب المشروط“، لو عملت كذا (الصح في نظرهم) يبتسموا في وشك ويظهروا الجانب الليِّن اللطيف ويكافئوك، ولو عملت العكس (الخطأ في نظرهم) تلاقي المعاملة مختلفة ١٨٠'، فيها شدة وحزم، وعقاب! ... ده رسخ في عقولنا كلنا مبدأ ”الحب المشروط“، مشروط بأفعالك، بالتزامك بالكود الخُلُقي/السوسيولوجي الموضوع عليك، بالتزامك بوصايا، مخالفتها تلتزم عقاب، وموافقتها تلتزم ثواب. كبرنا وكبر معانا المفهوم وانطلق من حيزه التربوي الطفولي، لحيزه الوجودي الأكثر نضجًا، أو بالأصح اللي ظنيناه أكثر نضجًا!
كانت أول جولاتنا الوجودية -في مرحلة مراهقتنا الفكرية- مع الكيان الميتافيزيقي الأسمى، الإله، تصورناه إنه أب، لإنهم علمونا إنه ”أب“، أب بصورة مضخمة من كل مفاهيم الأبوة اللي درجنا عليها في طفولتنا، نقلنا التضخيم بصورة كمية وكيفية، خدنا تصورات علاقتنا الأبوية-البنوية من الإيلاد البيولوجى، ونقلناها للعلاقة الإيلادية السرمدية بإسقاط غير مقصود مننا! أو يمكن مقصود! ما احنا منملكش أى تعريف تاني للأبوة غير اللي رضعناه من صغرنا، هنجيب غيره منين؟ فنقلنا معاه صورة الحب المشروط من الإله!
بس كان فيه صوت جوانا دايمًا بيؤرقنا في فترة الشباب الفكري، صوت بينادي بصورة الإله المحب، لأ، أقصد الإله ”كلىّ الحب“، كان الصوت بيعافر وسط أشواك مفاهيم العقوبة والغضب ونيران النقمة الأبدية! بيعافر قدر استطاعته، وقدر ضعف نمو الأشواك فينا... وترجع تاني أشواك لا وعى صبانا تخنقه: ”أيوة الإله بيحبك، بس لو معملتش كذا، هيعاقبك، عقاب مهول، مخيف، دموي، عذابي... نار مستمرة قايدة هتاكل فيك لو خالفته، هو بيحبك، بس لو محبتهوش يا ويلك من عذاباته...“ هى هى نفس الصورة اللي ضخمناها واسقطناها من عقوبة الاب البيولوجي لعقوبة الآب الأسمى، باختلاف كمي وكيفي، وفضل التناقض يكبر ويؤلم ويتعب أكتر
وانبثق منه صراع سايكولوجي فلسفي تاني، صراع عن فلسفة الحب ذاتها، عن الحب المشروط، الحب ”الإلهي“ في نظرنا! وابتدت أسئلة بسيطة لكنها مخيفة تؤرق الفكر ”هو فيه حب مشروط؟“ ما هو لو مشروط ميبقاش حب يبقى اتقاء شر أو طلب مصلحة، في الحالتين هكون بقدم الفعل عشان هدف من وراه مش عشان اللي مقدم له، يبقى الحب متقدمش للآخر ولكنه اتقدم للمنفعة أو للا-الم، حب للذة الناتجة عن واحدة منهم، متعة الرخاء او متعة اللا-عناء! الحب يُهزَم ويُقتَل بسكينة المشروطية، مفهومه نفسه يُفقَد، لا يمكن أن الحب يتوجد إلا بلا مشروطيته ولا استحقاقيته! سواء حبنا اللي بنقدمه للإله، أو حب الإله المقدم لنا! حولنا في محاولاتنا التوفيقية الفاشلة الحب لحب زائف pseudo-love!
التناقض ابتدينا نبرره، ما احنا كبشر منعجزش أبدًا عن تبرير المتناقضات! قدرات العقل الجمعية حقيقي مخيفة في نتائجها وليَّها للتسلسلات المنطقية خاصة في الصراعات الوجودية! مرة نبرر بنص نسيده علينا، ومرة نبرر بقلة معرفتنا، ومرة نرمي على الكيان الميتافيزيقي الشرير ونقول ديه افكار شيطانية أكيد عشان يشتتنا ويضلنا! أو نبرر بالعدل، أيوة هو العدل، صح، العدل كلمة لطيفة بتدغدغ المشاعر خاصة إننا مفتقدنها في الأرض، جعانين لها، وقت ما تيجي هنمسكها ومش هنسيبها، خلِّي المظلوم يتشفَّى من ظالميه، العدل رادع مخيف ضابط للساقطين، العدل حلو، وتناسينا قصور عدلنا الأرضي، ومحدودية إمكانياته الزمنية، تناسينا عمدًا عجزه عن رد المسلوب! عجزه عن عكس الخط الزمني لإعادة حالة ما قبل اللا-عدل...
ومع الوقت طبَّعنا مع التناقض الحبي-اللاحبي للإله، طبعنا مع انفصام شخصيته وتناقضه الذاتي، وانفصامه بقى جزء من هويتنا، بقينا مش بس بنتقبل وناخد الحب كفعل وكيان مشروط، ولكن بقينا كمان بنقدمه كفعل وكيان مشروط، بقينا نحسب مُقدمًا مين يستحقه ومين ميستحقهوش، مين يتقدم له ومين ميتقدملهوش، ما احنا مش ممكن نكون أحسن من آلهتنا يعني أو أرقى منهم في تعاملاتهم مع البشر! صرنا المسخ اللي خلقنا إلهنا عليه، مكناش نعرف إننا في رحلة التيه بنخلق ذواتنا من خلال خلقنا له، وبعدين رجعنا نستغرب ونلوم الكون الساقط، نلوم الآخر، أى آخر، نلوم الطبيعة بقسوتها وقبحها وعشوائيتها، ونسينا نلوم خليقتنا نسينا نلوم تشويهنا لذاتنا بحمقنا اللي شوه الكل وشوهنا!
وعشان نتعايش، لإن الحياة لازم تستمر، كل واحد مننا خلق ميثولوجيته الخاصة عن العلاقة الإنس-إلهية، خلق الملحمة الخاصة بتاعته، وكان هو بطلها مع الإله، أو بتواضع مصطنع بقى الكومبارس في ظل الإله البطل، في ملحمة دموية رومانسية، مزيج من التراجيديا والأكشن والدراما ...والرعب! ... وحطينا مبرراتها المنطقية بمقايسنا الأرضية القاصرة، مرة بالعدل، مرة بحرية الإرادة، مرة بالمسئولية، أى تبرير، المهم تفضل القاعدة اللي ورثناها ثابتة: ”الإله بيحبك، بس لو محبتهوش في المقابل وطعته، يا ويلك من غضبه ونقمته“ ، منظومتنا الفكرية عن الإله صارت انطباعات من خبراتنا البشرية، فبدل ما نأله الكون المادي والإنسان، أنسنا الإله وشيئناه ماديًا، وصار المحرك للعلاقة الإنسالهية هو الجزرة والعصايا (لقائد أى دابة قاعد على ضهرها بيحركها كدُميَة)، جزرتنا وعصايتنا كدواب كانت تصورات الثواب والعقاب!
إطار العلاقة بقى fear-based و reward-based، قائم على الخوف او المكافئة، وواقعنا نفسه بقى fear/reward-based، صورة الإله المنتقم الغاضب اللاعن المعذِّب بقت جزء من هويتنا، يقابلها انفصامه الشخصي في عقولنا بصورة الإله المحب، المحب أوى، زود كذا ”أوى“ قدر استطاعتك! انفصامه العجيب ده اتنقلنا، وصورته المسخية حولتنا احنا كمان لمسوخ على صورته ومثاله! صورته ومثاله اللي هى من نسيج خيال أسطورتنا الخاصة والملحمة اللي ابتدعناها لتبرير تناقضه، وده انعكس على كوننا كله، فسقط كوننا بسقوطنا لإننا عجزنا نرتقي بيه، وازاى نرتقي بيه فوق أسمى صور الارتقاء، فوق الألوهة اللي بنتخيلها؟ مستحيل، أقصى تأليه لنا وللكون صار إننا نماثل ذات المسخ في قبح صفاته المختلَقَة!
احنا محتاجين theology جديد (علم لاهوت جديد)، و sateriology جديد (علم خلاص جديد)، علم لاهوت وعلم خلاص يساعدونا في صراعاتنا الوجودية الحالية، علوم غير دوغمائية، علم خلاص جديد محوره خلاص من الصورة المشوهة اللي خلقناها واستعبدتنا واستعبدت الكون كله جواها بالقبح اللي خلقناه واتطبعنا معاه واتصالحنا معاه، لدرجة خلتنا محتاجين خلاص من ذواتنا، ويا ويل اللي أناه هى عدوه وبذرة موته، ومنها خلاصه! ومحتاجين لاهوت جديد محوره المحبة غير المشروطة، محوره الإله غير المخيف، الإله اللي بيوصفه الأب الأرثوذكسي متى المسكين إنه ”إله بوجه طفل“، محتاجين نقبل إمكانية تقبلنا للصورة ديه من غير خوف من نص مُستعبِد، أو عذاب أخروي، أو كيان شيطاني يُظَن من خلاله إن من تمنطق تزندق، أو قواعد وأنماط عدلية من أى ethics عهدناها!
مظنش إن رحلة الإنسلاخ من الصورة النمطية المشوَّهة والمُشوِّهة ديه سهلة أو هينة، ولا أظن إن نسبة النجاح فيها مُبَشِّرة، ومظنش إنها قابلة حتى للانتهاء، لكني أظن إنها رحلة تستحق الخوض وتستحق العناء وتستحق ألم مخاضها، وأظن إننا هنستمر فيها كرحلة، لغاية لما الحق يُستعلَن فينا وجوديًا واختباريًا.