ميتافيزيقية وابستمولوجية رينيه ديكارت


في المقال ده هتكلم عن جزء صغير من فكر الفيلسوف الفرنسي الشهير رينيه ديكارت، هتكلم عن جزء من الشق الميتافيزيقي (المختص بدراسة الكينونة والطبائع والحقيقة) والابستمولوجي (المختص بدراسة طرق تحصيل المعرفة وحدودها) في فلسفته. هبسط الموضوع على أد ما أقدر، وهسيبلكم أسماء كتب آخر المقال تقروها لو مهتمين للاستزادة.

ديكارت استخدم في كل أفكاره منهجية الشك، عند ديكارت مهما كانت الفرضية مقبولة ومنطقية ومُتَّبعة من الأغلبية، حتى لو الكل، لازم بداية تحليلها تبتدي من الشك فيها مش من فرضها ومحاولة إثباتها. منهجيته فكرتها بسيطة، وضع سلسلة من التساؤلات اللي بتشكك في اى مسلمة عنده أو عند غيره، كل الأسئلة هدفها تدور حوالين نقطة واحدة، إزاىّ يضمن إنه مش مخدوع في قناعته.

المنهج اللي كان سايد في عصره كان المنهج التجريبي، المنهج التجريبي كان الحل اللي وصلت له البشرية وقتها لمواجهة سطوة المنهج التغيبي الديني اللي كان بيملا فراغات الجهل البشري بالآلهة والغيبيات وده كان بيعيق تقدم العلوم بشكل ملحوظ لإنه بيعيق التساؤلات السليمة بحجة ربنا عملها، برق ده من الإله مش لازم نعرف بيحصل ليه، مطر ده الإله بيرزق مش مهم نحاول نفهم ليه الظاهرة بتحصل، بركان يبقى الإله غاضب، مرض يبقى عقوبة إلهية بدل ما ندور على علاج نتوب!... الخ، على الجانب الاخر المنهج التجريبي منهج بالأساس حسّي، عشان تعرف الفرضية سليمة ولا لأ، اخضعها لمجموعة اختبارات واختبر بحواسك نواتج كل اختبار بحيث تتأكد من صحة الفرضية، منهج يبان منطقي، وتسلسله يبان سليم

في عصره المنهج التجريبي كان شبه مُتَسيِّد وكانوا فاكرينه ملاذ للمعرفة!... بس ديكارت كان شايف المنهج الحداثي ده مش بس مش كافي ولكنه منهج قابل لتمرير الخدع هو كمان وميصلحش للاعتماد عليه. كمثال، في بعض الخدع والألعاب البصرية بيكون الشخص المستخدم للحواس بياخد إشارات من حواسه لمخه عن معلومات معينة هو حاسسها ومخه بيترجمها لمعاني وحقايق، في الخدع البصرية ديه بيُثبَت بعد كشف الخدعة إن الحواس خدعت المتلقي حسب تصميم لعبة الخدعة البصرية (دوَّر أونلاين على امثلة عن الخدع البصرية)، بالتسلسل ده بقى الإعتماد على الحواس مش سليم لإثبات صحة المعطيات وده بيهدد صحة المنهج التجريبي، مبقيناش نقدر نثق في الحواس!

ديكارت معتمدش بس على مثال الخدع البصرية، لا ده سأل سؤال خطير جدًا، ايه اللي يضمن إننا مش في حلم والواقع اللي حوالينا وهم؟ خد بالك: وأنت صاحي بتعرف تميز إن الحلم كان مجرد حلم لأن عندك وانت صاحي مجال مقارنة بين بيئة الحلم وبيئة الصحو، بس وأنت جوة الحلم معندكش أى وسيلة تمييز، بالعكس بتعيش الحلم كواقع وأنت مش عارف، فإيه اللي يمنع إن واقعك الحالي حلم؟

مثال تاني طرحه على ده، لنفترض إن الإله موجود وعرفنا نثبت وجوده (فرضًا يعني)، إيه اللي يضمن إنه إله خيِّر؟ عشان هو قالك كده عن نفسه (في كتبه بفرض إمكانية إثبات نسبها له)؟ طيب ما يمكن يكون إله مخادع بيكدب في وصف نفسه عشان يجمل قبيحه، ممكن حد يقول: ”بس الإله في تصوري بالضرورة خيِّر، فلو الإله ده مش خيِّر يبقى ده كيان تاني مخادع ومش هو الإله الحقيقي والإله الحقيقي المثبت وجوده مش شرط يكون الكيان ده“، كلام برضوه يبان منطقي بس مشكلته إن ايه اللي يضمن لك إن الإله اللي بطريقة ما تم إثبات وجوده مخلقلكش العقل بطريقة معينة تخليك دايمًا تتخيل الكيان الإلهي خَيِّر بالضرورة، ما يمكن ده جزء من برمجته لعقلك وهو بطبيعته شرير؟

هنا ديكارت مش بس هدم إمكانية الثقة بالواقع المادي الملموس، ولكنه كمان هدم إمكانية الثقة بالواقع غير المادي وغير الملموس (حتى لو أقرينا بوجوده)، يعني هدم الكل، ومبقاش فيه نقطة نقدر نبتدي نبحث عن الحقيقة منها، يعني ما قبل الحداثة كان نقطة الانطلاق والقاعدة في البحث عن الحقيقة بتبتدي من مُثُل عُليا لإله، وفي ما بعد الحداثة كانت نقطة الانطلاق والقاعدة في البحث عن الحقيقة بتبتدي من الكون المادي الحسي، ديكارت اثبت منطقيًا إن الاتنين لا يمكن الاعتماد عليهم، والاتنين خاضعين لمنهجية الشك، ده أفرغه تمامًا من أى مسلمات يبتدي منها، ومن هنا ابتدت رحلته في البحث عن نقط الانطلاق اللي يبني عليها فكرة من غير مادية حسية او لا مادية تأملية

المشكلة اللي قابلت ديكارت إن فيه دايما مسلمات عند أى إنسان مبيقدرش يفصلها عنه في عملية تفكيره، دايما بتحصل قفزة فكرية تبان منطقية وبيكون متغلغل فيها مسلمة تبدو منطقية وهى نفسها مخضعتش لمنهج الشك (لإن الشخص عمره ما فكر يشك فيها)، عشان كده ديكارت في رحلته للبحث عن الاساسات الفلسفية، قرر يفترض لعبة صغيرة، بتعتمد على تخيُّل وجود شيطان شرير مرافق له، شيطان عنده القدرة يوهمه بالأشكال والأفكار ويزرعها فيه، وكان دايما يسأل ”مش ممكن الشيطان بتاعي هو اللي خلاني افتكر إن ده صح وتلاعب بىَّ، رغم إنه غلط؟“، فكرة احتفاظه بشيطان مُتَنقِّل في جيبه يطلعه وقت ما يفكر فكرة هدفها تفصفص أى مسلمة منطقية عند طرحها ودايما تشكك فيها عشان يضمن مفيش فرضيات مخضعتش لمنهجية الشك

ديكارت كان محتاج لأى حاجة يقدر يقر بوجودها وصحتها، أى نقطة يبتدي منها، لإنه مكنش عنده أى شيء يقيني بمنهجيته ديه لا المادي ولا غير المادي، ممكن كل اللي حواليه يكون غير موجود سواء مادي أو لا مادي، ممكن كلها تخيلات، حلم، برمجة لفكره، أمال إيه اللي موجود؟... ديكارت لاحظ إنه دلوقتي بيفكر وتفكيره نفسه وصله لمنهج الشك، يبقى الفكر موجود، لو فكره موجود، وهو منبع فكره يبقى هو كمان بالضرورة موجود وإلا فكره نفسه مكنش هيتوجد ويخليه يشكك في المنظومة كلها، ومن التسلسل ده جت عبارته الشهيرة ”أنا أفكر، لذلك/إذن أنا موجود“، ديه كانت أول يقينية لديكارت (الـ cogito، من العبارة اللاتينية cogito ergo sum)

هنا ديكارت استخدم شيطانه، طلعه من جيبه تاني، وسأل مين قال إني أصلا بفكر، ما يمكن شيطاني خادعني بده ومخيلي إني بفكر، ولكن رجع تساءل لو هو شاكك إنه بيفكر يبقى عملية الشك نفسها موجودة، وعملية الشك نفسها عملية تفكير، يبقى حتى لو شك في خطأ وجود تفكيره شكه في ذاته هيثبت وجود التفكير، يقينيته الأولى عدت مرحلة الاختبار ونجحت فيه، التفكير موجود كشيء يقيني! واتنقل بعدها ديكارت لنقطة هل وجود التفكير يؤدي فعلًا لوجوده هو؟ نطلع الشيطان تاني ونتسائل مش يمكن هو اللي أقنعنا بالقفزة الفكرية اللي تبان منطقية ديه؟

في الحقيقة اللي قام بكده معارضيه قبله، واستخدموا نفس منهجيته ضده، باستخدام لعبة شيطانه، وفعلًا مش شرط كون التفكير موجود إنه هو ككيان موجود، ليه افترضنا إن وجود تفكير يشترط بالضرورة وجود مفكر له كيان حقيقي، كمثال، الشخصيات اللي في القصص الروائية بتفكر وبتتفاعل ذهنيًا مع بعض ومع القارىء، رغم إنها ملهاش وجود واقعي! ممكن تقول ”أيوة بس ديه قصة خيالية ألفها حد وكتبها، غيرنا احنا“، وهنا نرجع تاني للنقطة الأولى، مين قالك إنك مش شخصية في مسرحية روائية، أو في عمل درامي، أو حلم أو character عنده AI؟ نفس المشكلة الأولى، حتى لو أثبتنا وجود التفكير مفيش اثبات لوجود المُفَكِّر! (بالمناسبة ديكارت تراجع عن جزئية "لذلك انا موجود“ في كتاباته التالية وخلالها انا افكر انا موجود، حذف ”لذلك/إذن“، لإن فعلا القفزة مش سليمة منطقيًا)

نقطة كمان طرحها مناقضيه، كانت على الأنا في العبارة، ديكارت افترض وجود أناه الخاصة لوجود تفكيره، بس مين قال إنه ”تفكيره“؟ مين قال التفكير الذهني ده منفصل عن اللي حواليه؟ نطلع الشيطان من جيبنا تاني، مش ممكن يكون فيه ذهن كلي فيه كل الأفكار متواجدة، وديكارت شيطانه كان خادعه إن استقباله للفكر ده من خلال الفكر الأوحد ده هو فكره الخاص اللي أنتج أناه في عبارته؟ مش يمكن الأفكار مش منفصلة ولا متقطعة وموجودة في كيان أسمَى وأعلى موحَّد وإحنا في الهلاوس التخيلية بتاعتنا عندنا وهم إنها ملكيات خاصة منفصلة، إيه اللي يثبت العكس ويثبت انفصاليتها، مفيش، وهنا تسقط مقدمة عبارته ”أنا“! بالمناسبة بعض أديان الـ new age حاليًا بتؤمن إن الكل مجرد تصويرات وهمية وتخيلية مبنية على وجود ذهن واحد أسمى فيه كل الأفكار ديه وبسبب ده الكل واحد فعليًا والتمايزات هى أوهام الوجود غير الواقعي (ده موضوع شيق أكتر بس يطول الكلام فيه، هيجيله وقته)

هل ديكارت فكره كان سليم ولا خاطىء؟ متفرقش! عظمة ديكارت إنه فتح الباب لنقط مهمة جدًا في البحث، منهجية التشكيك خلتنا نعيد التفكير تاني في المسلمات، نتخلص من سلطوية اليقينية المادية والميتافيزيقية اللي كان بينتهجها الماديين والربوبيين، صفحة جديدة في تاريخ البشرية مش معتمدة على أى سلطة عُليا للحقيقة، ولكنها معتمدة على وجود كيان واحد بس حقيقي: ”عملية التفكير“، واللي لازم ينبع منها بشكل منطقي وسليم أى تسليم تاني بأى فرضيات من غير تغييب لدُنِّي/رباني أو تشيىء مادي/علمي

الصفحة البيضا اللي خلقها ديكارت سمحت لكل اللي جه وراه زىّ توماس هوبز، وسبينوزا، وغيرهم إنهم يقدروا يبنوا منهجياتهم من غير مسلمات دارجة اتدجن عليها الأغلبية، فحتى لو عارضوه فكريًا إلا إنهم ممنونين له ولفكره اللي بنوا عليه، وهنا بتكمن عظمة الفلسفة إن الاختلاف فيها عند المختلفين مدعاة للامتنان والتقدير مش مدعاة للشيطنة والتحقير (زىّ ما بيحصل في المنهج الديني مثلًا من هرطقة وتكفير المخالف). ديكارت نجح يوضح إن لا المنهج المادي يصلُح ولا المنهج الماورائي يصلح في الابستمولوجيا، ووضع الفلسفة في نقطة الصفر من جديد في البحث عن طرق ابستمولوجية سليمة، وهنا تكمن عظمة إنجازاته!

أنا حاولت الخص وأبسط أفكار كتير لـ٥٠ سنة عاشها ديكارت وفكره اتطور فيها، مبدعيش دقتي في تلخيص جزء من فكر حد بحجم رينيه ديكارت، شخص مؤلفاته بتدرس في أكبر جامعات عالمية، ومازال عليها جدل فكري لغاية يومنا ده، فأنا متقبل أى تصويب أو تدقيق، بل كمان أنا داعي لده، روح ادرس وأرجع صحح لي وأنا هكون ممتن لك، حبيت بس اديك بذرة تبتدي بحثك منها، فلو مهتم أنصحك تقرا لرينيه ديكارت الكتب ديه:
1. Meditations on First Philosophy
2. Principles of Philosophy
3. Rules for the Direction of the Mind
أحدث أقدم