تيه مصطلح الطبيعة


مصطلح ”طبيعة“ أخد معاني كتيرة في المسيحية عبر عصور مختلفة، معاني توارثها من الفلسفة اليونانية العريقة، وملهوش تفسير ثابت مُستَلم لا آبائيًا ولا كتابيًا ولا حتى فلسفيًا، وفيه أبحاث كتير حاولت تتبع تطور معناه، لكننا حتى لو تتبعنا معناه، هنشوف كمية غموض مبالغ فيها في تفسيره، وجهل بالجهل... هحاول هنا اكتفي بالمصادر القبطية، لإن للأقباط حساسية واضحة من الروم، رغم الفرق الأكاديمي المهول بيننا وبينهم، بس أنا عاوز اكلم القارىء بلغته من كُتَّابه اللي بيتعلم منهم او على أقل تقدير، درج عليهم ...

لو بصينا مثلا للفكر القبطي المعاصر، هنلاقي:

١. الاب تادرس يعقوب حاول جاهدًا يلاقي تعريف للطبيعة، في كتابه عن الطبيعة والاقنوم، ولكنه دخل في دائرة مغلقة، فلما حاول يعرف الطبيعة بحسب العهد الجديد (اللي خلطه بالاستخدامات!)، قال: ”الطبيعة أى القوى الطبيعية“ !! تخيّل عشان تعمل توصيف لمصطلح تعيد استخدامه كنعت/توصيف!! وبعدها تدارك وقال عدة معاني بحسب استخدامات العهد الجديد زىّ ”الاحاسيس الفطرية بأصول السلوك والأخلاقيات“، ”أصل أو ميلاد“... وغيرها، يمكن أهم واحد في التعريفات اللي هذكره الفقرة بعد الجاية...

٢. كاتب آخر شهير قبطي، قداسة البابا شنودة، في كتابه ”طبيعة المسيح“، بدل ما يشرح في كتابه معنى الطبيعة، تغافل تمامًا التعريف، وأعطاه توصيفات : لاهوتية/ناسوتية كإنه مُدرَك بالضرورة، أو كإنه من المُسَلَّمات الأوليَّة! ”الطبيعة اللاهوتية (الله الكلمة) اتحدت بالطبيعة الناسوتية التي أخذها الكلمة (اللوجوس) من العذراء مريم بعمل الروح القدس“، وده تسلسل غير سليم في اى دراسة، لإن قبل استخدام مصطلح عليه خلاف، يجب تقنينه للمستمع، مفيش اى معنى أكلمك عن مصطلح واتخانق على تعداده، رغم اقرار الجهل -سواء ضمنيًا أو تصريحيًا- بمعناه الإصطلاحي!

من الواضح إن التعريف مشوش حتى الآن، هقتبس تعريف تاني مهم للقمص تادرس يعقوب ملطي : ”مجموعة سمات لصنف معين“ ... التعريف ده نفسه غير واضح المعالم ويجرنا لتساؤلات: إيه هو تعريف ”الصنف“ ؟ هل الطبيعة هى ”السمات“ (الصفات) ولا الطبيعة ”لها سمات“؟ ... لو فضلنا نتعمق هنلاقي مفيش اى معنى معروف متفق عليه لمصطلح ”الطبيعة“ ... طيب نتجاهل الطبيعة مؤقتًا. نعتبرها كيان مجهول بس هنعيد استخدامه اجتراريًا، ندخل. للشق للتاني ... ”ساقطة“ fallen...

يعني إيه كيان ما يكون ساقط؟ يعني إيه طبيعة تكون ساقطة؟ إيه هى حالة السقوط؟ هل حالة السقوط هى حالة اقتراف الخطية فعليًا؟ ولا حالة ”الميل“ إلى اقتراف الخطية؟ ولا هى الخطية ذاتها؟ ولا مجرد قدرة كامنة سواء اتفعلت او متفعلتش؟ ... طيب بلاش نتقصَّى حالة السقوط (حالة ما بعد السقوط)، إيه هى حالة ما قبل السقوط عشان نقدر نقارن قبل وبعد فنجيب معايير قياسية للمقارنة؟.. حالة مبهمة بدورها...

 طيب فرضًا، لو قلنا الساقطة يعنى الخاطئة يبقى هنا مزجنا بين الصفة والفعل! ولو قلنا هى الميل، فهل هو ميل إرادي؟ أو ميل لا إرادي؟ لو قلنا إرادي او لا إرادي فإيه تعريف الإرادة؟ هتلاقي عشرات التعريفات كلها بتلف وتدور على كونها ”شعور بالعزم على الفعل “، طيب إيه هو العزم، هيقولك تعريفات بتدور حوالين مصطلح النية، طيب إيه هى النية؟ هتلاقيها بتلف تاني ويعرفوها بكونها عزم أو إرادة في تعريف دائري تاني!! ... فمن الواضح إن حتى مفهوم الميل غير معروف...

 طيب نرجع تاني للسقوط؟ إيه هى حالة السقوط؟ لو اعتبرناها فعل الخطية، فهنا نسبها للطبيعة مش للشخص بيزيد غرابتها، لإن الشخص ممكن يكون بيفعل خطية، لكن الطبيعة من غير ما تتشخصن مفيش اى معنى لكونها بتقترف فعل، الطبيعة زى ما شفنا أقرب توصيف ليها ممكن نتلمسه ونمسك فيه -اعتباطًا عشان محيلتناش- إنها مجموعة صفات، بس مجموعة الصفات ملهاش افعال لكن حاملها ممكن يكون له افعال! ولا الطبائع بتفعِّل ذاتها ومش محتاج لمُفعِّل؟ طيب لو بتقدر تفعّل ذاتها بمعزل عن حاضنها، يبقى إيه الفرق بين الطبائع والشخوص، ثواني بس، إيه هو تعريف الشخص؟ دوامة تانية، مش هدخلك فيها متقلقش...  

ومش هدخلك في دوامة كيفية امتلاك طبائع متناقضة الملكات (بشرية والهية) ولا هدخلك في دوامة كيفية تمييز الطبيعة البشرية عن غيرها من الطبائع، ولا دوامة تغير السمات رغم امتلاك ذات الطبيعة، ولا دوامة العجز عن ايجاد سمة واحدة لكل المشتركين في ذات الطبيعة، ولا دوامة ازاى طبيعة تتركب من مكونات مماثلة النوع (زىّ الأقباط) وطبائع تانية تكون فقط متحدة في شخوص (زىّ الروم)، ولا إيه الفرق بين التركيب والاتحاد، والاختلاف بين الاتنين ومفهوم الامتزاج الطبائعي، وعلاقتهم بالتغيير!!!... هفترض كل ديه مشاكل ”هنتغاضَى“ عنها لإنها axioms/axiomata!!
 
طيب تعالوا نفترض إن فيه حالة ساقطة غير مفهومة للطبيعة غير المفهومة، ايه الفرق بين طبيعة ساقطة وطبيعة غير ساقطة؟ يعني امتا نشاور نقول ديه طبيعة ساقطة، انما التانية غير ساقطة؟ بتمييز تصنيفي للفعل؟ ولا تمييز تصنيفي للإرادة المجهولة؟ ولا تمييز تصنيفي للقدرة على الفعل حتى لو لم يتم اقترافه؟ ... ثواني، يعني إيه قدرة فلسفيًا؟ هتلاقي تعريفاتها بتدور حول ”التمكن“ طيب هو التمكن؟ هتلاقي تعريفه بيدور حوالين إنه ”الاستطاعة“، طيب ايه هى الاستطاعة؟ ... مفاجأة (لو كنت لسه مفهمتش اللعبة)، تعريفها بيدور حوالين إنها القدرة (دايرة جديدة) ... فواضح إننا كمان منملكش معنى للقدرة متفق عليه، ولا نمتلك معنى للميل، ولا لاى حاجة! ... 

لو لقيت -في مسعاك- اى تعريفات لكل ما سبق، وأكيد هتلاقي محاولات كتير لإننا كائنات بتعشق خداع ذاتها (لأغراض سيكولوجية)، اجري ورا مفردات الـcomposition بتاعتها، هتلاقي يا إما هتوصلك لمصطلح غير متفق على تعريفه بدوره، أو هتدخلك في إصطلاحات circular في اعتمادياتها المتبادلة وترجعك للمربع صفر! الشيطان بيكمن في التفاصيل، متاخدش اى كلمة في تعريف إصطلاحي كمُسلَّمَة، لإن الخدعة كلها في النقطة ديه، ومعظم الخلافات الفلسفية مفتاح حلها في الاتفاق على إصطلاحاتها!! ... أو ممكن تتغاضى عن المعاني وتشارك في خناقات العميان باجترار العبارات مع الجهل بمدلولاتها...

الخلاصة إيه؟ لما تلاقي ناس بتتخانق إذا كان كيان لا يمكن إدراكه، له ملكية لكينونة لا يمكن توصيفها، في حالة لا يمكن تقنينها ولا لأ، باستخدام أدوات لا تملكها. اعرف إن ده الخبل بعينه، وإن المتصارعين جهلاء بجهلهم... احنا لا نعرف الكيان الالهي ولا نملك أدوات ادراكه، ولا نعرف الطبيعة ولا نملك ادوات تمييزها، ولا نعرف إصطلاح السقوط ولا نملك ادوات توصيفه وتقنينه... وكمان منملكش اى معنى للتوارث (وديه قصة طويلة) عشان نحدد mechanism الانتقال توارثيًا من عدمه .... يعني ابستمولوجيًا، إحنا بنهذي، وإحنا عارفين إننا بنهذي، او على اقل تقدير تنزيهًا لنوايا اللي بيهذوا، هفترض إنهم جاهلين بهذيانهم مش قاصدينه، وإن كان ده ميبررش قبح اللي بيحصل، لكنه بيزيده قبح! ...

نصيحة للقارئ، حاول تعرف اكتر، تقرا أكتر، تتعرف على مساحات معرفية اكبر توسع بِها مساحتك المعرفية المتصارع عليها من رويبضة الفيسبوك، كل ما هتعرف اكتر، هتعرف إنك جاهل بالأكثر، كل جزء من المعرفة بيقدملك كـ side effect مساحة أكبر من المجهولات بأضعاف المساحة اللي تعرَّفت عليها، فالزيادة الـlinear في معرفتك، هتقابلها زيادة exponential في جهلك، لإن تأثير المعرفة شجري/هرمي، بمعنى إن كل معرفة جديدة هتفتحلك مسارات لعشارات الأبواب المغلقة، اللي بتخفي معارف جديدة بالعشرات ورا كل باب مستنياك تبحث فيهم. وعلى رأى الجملة الحكيمة جدًا للإمام الشافعي: ”كلما ازددت علما زادني علما بجهلي“، اتمنَى كتير يهضموا العبارة ديه، قبل الولوج في الجهليات...
أحدث أقدم