« مأساة علم اللاهوت اليوم أنه معلوماتي الطابع، تثقيفي النزعة بالمعنى الإطلاعي للكلمة، قلما يحرك فيك الشوق إلى الله، وقلما يدلك على الطريق ويبيّن لك تعاريج المسرَى ويقتادك إلى منابع الحياة الأبدية. معلمك المرجو -بهذا المعنى- قد يكون إنسانًا بسيطًا لا يعرف من علوم الدنيا إلا أقلها، وقد يكون إنسانًا سمحت له مشيئة الله وقابليته وظروفه أن يكون له نصيب أوفر من علوم الناس، سيان، فإنه في كلتا الحالتين يعلمك في العمق ما استمده من خبرته مع الله مصاغًا بلغة علوم الدنيا...
صادرت نخبة المثقفين -الأنتليجنسيا بحسب هذا الدهر- اللاهوت، ”هذا الشعب يعبدني بشفتيه أما قلبه فمبتعد عني“. لذا نحسب أن اللاهوت اليوم، بات أو يكاد في وضع السبى إلى بابل هذا العالم وفكره وروحه... ليس سبى اللاهوت إلى بابل حكمة هذا الدهر أمرًا جديدًا. دائمًا ما كانت التجربة الكبرى أن يتعاطَى الناس الإلهيات صنميًا، أى أن يعبدوا الله في الشكل وأنفسهم في المضمون؛ أهواءهم وأفكارهم ومراميهم. كل الأصنام في التاريخ هذا جذرها: طلب الإنسان عبادة نفسه من دون الله، فقط باتخاذ شكل الله...
أعظم قوى الإنسان عقله، عقلن اللاهوت، أى جعله مادة صماء لأفكاره. وادعُ الناس إليه، باسم الحداثة، يأتونك عدوًا، وتُفسد اللاهوت، تقتل مواطن الحياة فيه، فتصير مسيحية القوم بلا مسيح؛ ما هو عقلي بحت من دون الله يصير أخيرًا في مصب أمير هذا الدهر -إبليس- هذا هو أمير اللاهوت الأجوف... ثمة حُمَّى أصابت البشرية اليوم على نحو جامح، جعلت الناس يدمنون العقل ومسائل العقل ولو في مستوى مبتذل أحيانًا... فيما تنمو في النفوس حركة إعراض كياني عن الله! إنسان اليوم، بمن فيه إنسان الكنيسة، إلى حد بعيد يمتلئ من نفسه، يستجيب للنداء الكياني العميق لضد المسيح »
— الأرشمندريت توما بيطار، كتاب ”لاهوت الكنيسة واللاهوت المَسْبي إلى بابل“، من اصدارات دير القديس سلوان الآثوسي ٢٠٠٣، صـ ٧-١١