الخطية ‏الجدية ‏في ‏مواجهة ‏الخطية ‏الأصلية ‏(٢) ‏- ‏انطوني ‏هيوغس


[ ترجمة الخطية الجدية في مقابل الخطية الأصلية، أنطوني هيوغس - جزء ٥/٢]

« في الفكر الأرثوذكسي، لم يهدد الله آدم وحواء بعقوبة، ولا كان غاضبًا وشاعرًا بالإهانة بسبب خطيتهما، بل تحرك الله من منطلق إشفاقه [على البشر]. الطرد من الفردوس ومن شجرة الحياة كان فعل حب وليس فعل نقمة؛ لكى لا تصبح الإنسانية خالدة في الخطية، ومن هنا كان تدبير تجسد ابن الله، كالحل الأوحد الذي يقدر أن يعدل الوضع [يعيده إلى استقامته] بتدمير أعداء البشرية والله أى الموت (١ كو ١٥: ٢٦، ٥٦) والخطية والفساد والشرير. 

من المهم ملاحظة أن الخلاص كتأله θέωσις ليس هو معتقد وحدة الوجود πανθεϊσμός، لأن الآباء الأرثوذكسيين أكدوا على عقيدة الخلق من العدم ex-nihilo، مثل ق. اثناسيوس، فالبشر مع  كل المخلوقات جاءوا إلى الوجود من العدم، والمخلوقات ستظل دائمًا مخلوقات، وسيظل الله دائمًا غير مخلوق. ابن الله في التجسد عَبَرَ الهوة التي لم تكن متصلة بينهما [بين المخلوق وغير المخلوق]، التسبحة الأرثوذكسية كثيرًا ما تتكلم عن مفارقة غير المخلوق والمخلوق واتحادهما بدون اختلاط ولا امتزاج في الاتحاد الأقنومي العجيب.

ميلاد المسيح، على سبيل المثال، يُشْرَح كسر إعادة خلقة، بواسطته الطبيعة البشرية اتُّخِذَت واستُعيدَت لحالتها الأولى. الله والطبيعة البشرية اللذان فُصِلوا بالسقوط، اتحدوا من جديد في شخص المسيح المتجسد، وتم العتق بإنتصاره على الصليب وبقيامته التي بها دُمِّرَ الموت (١ كو ١٥: ٥٤-٥٥)، وبهذه الوسيلة أتم آدم الثاني الدعوة الأصلية [التي كانت لآدم الأول أن يتأله]، ونقض مأساة آدم الأول الساقط، فاتحًا طريق الخلاص للجميع. 

السقوط لا يقدر أن يدمر صورة الله، تلك الهبة العظيمة المُعطاة للإنسانية والتي بَقِيَت قائمة [حتى بعد السقوط] وإن كانت تلفت [بالسقوط]، يتحدث أوريجانوس عن الصورة المدفونة في بئر والمخنوقة بالأنقاض، ففي حين أن العمل الخلاصي قام به الله من خلال يسوع المسيح، فإن ازالة الأنقاض التي تخفي الصورة فينا تتطلب مشاركة حرة وإرادية [غير اجبارية]، لذا يستخدم ق. بولس مصطلح συνεργία [سينرجيا] والشراكة العملية (١ كو ٣: ٩) ليشرح التشارك بين النعمة الإلهية والحرية الإنسانية...

 الخلاص عملية تتضمن الإيمان والحرية والجهد الشخصي لتحقيق وصية المسيح أن "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ" ، والتسبحة الأرثوذكسية العظيمة للبصخة المقدسة تحتوي في كلمات قليلة جوهر الفهم الأرثوذكسي للكفارة: ”المسيح قام من بين الأموات، ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور“. وبفضل نصرة المسيح على الصليب وفي القبر، حُرِرَت البشرية، وكُسِرَت لعنة الناموس، وذُبِحَ الموت، وأشرقت الحياة للكل.

ق. مكسيموس المعترف يكتب أن ”موت المسيح على الصليب هو إدانة للدينونة“ (أسس المستيكية المسيحية، أوليفيه كليمنت، ص٤٩)، ولهذا يمكننا أن نبتهج بالنتيجة التي وضَّحَهَا [اوليفيه] كليمنت قائلًا بجمالٍ: ”في المسيح المصلوب وُهِبَت المغفرة وأُعطِيَت الحياة، فلم يعد الأمر للبشرية خوفًا من دينونة ولا استحقاقًا لخلاص، بل استقبالًا للحب بثقة واتضاع“ (المرجع السابق) »
  
... يُتبَع

— ترجمة جزء ٥/٢ من ورقة بحثية بعنوان ”الخطية الجدية في مقابل الخطية الأصلية: نظرة على الآثار المترتبة في العلاج النفسي“، للأب أنطوني هيوغس، الحاصل على ماجستير في اللاهوت، وراعي كنيسة ق. مريم، كنيسة أنطاكية الأرثوذكسية، بكامبريدج ماساتشوسِتْسْ
أحدث أقدم