« النمو الروحي معتمد اعتماد أساسي على إدراكك لحاجتين مهمين: أولًا: إنك محتاج لوجود أكبر برا وجودك المحدود الصغير ده، خروج من سجنك الذاتي، وثانيًا: إحساسك بالعطش لشىء أعلى وأسمى من ماءك الحالي اللي التجربة اثبتت لك إنه مبيرويش. أنت محتاج يكون عندك الاحساسين والقناعتين دول، احساس وقناعة إنك محتاج لكيان أكبر من مجرد كيانك الداخلي، كيان تمتزج فيه ويكسر حدودك المنغلقة على نفسها، كيان يتيح لك تخرج برة حدود طبيعتك، برة حدود اهتماماتك، وبرة حدود ذاتك، كيان بامتزاجك بيه يخليك بتشمل كل الكيانات الحيّة وغير الحيّة اللي حواليك، وكإنك في لحظة من الزمن في الكل والكل فيك، ووقتها هتشوف فردوسك عملي جواك. انت مش بس محتاج للاحساس والقناعة ديه، أنت هتحتاج كمان إنك تكون عطشان للوجود ده، أنت ممكن تدرك الحالة ديه من الوجود بس متعطشلهاش، فلازم تجمع مع المعرفة اشتياق، اشتياق يتحول فيك لهَوَس وعشق بلوغ هَوَسك!
كلامي صعب عليك؟ خلاص بلاش، تعالى يابني ننزل درجة لتحت، تعالي نعمل تدريب، افحص نفسك ومشتهياتك، جمّع اللي نفسك بتشتهيه، وخليك أمين في تجميعتك من غير مجاملات لذاتك، حط كل مشتهياتك في لستة، جمع أى مشتهى ليك، لف على اللستة تاني وحاول تلاقي ورا كل مُشتَهَى مُشتَهَى تاني مشتهاك الأول بيتولد منه، يعني مثلا لو بتشتهي المديح، فكر بعمق ايه الدافع ورا اشتهاء المديح: كرامة؟ مكانة ذات؟ احساس بالمجد؟ دوٌر ورا كل شىء بتشتهيه عن الشهوة الأولية، وبدّل مشتهياتك بأمهاتها، ولف على أمهاتها بدلها بأمهاتها، وعيد لف تاني على اللستة وتالت وبدِّل أمهاتها بأمهات أمهاتها، و اوصل في الآخر للستة الأمهات الأولية لمشتهياتك، هتتصدم إنك هتلاقيها حاجتين أو تلاتة بس تلخص كل لستتك! هتصفي معاك اللستة على مجموعة قيمك، ممكن تكون مجموعة قيمك ملخصها: الأنا، أو الأمان، أو الراحة، أو المتعة، او أى شىء تاني توصله، بص للستة كويس، ميّز إيه اللي بيحركك، واحكم بنفسك على نفسك: "يا ترى ديه لستة القيم اللي أنا عايزها تسوقني؟"
كرر التدريب ده دوريًا مرة كل شهرين أو تلاتة، التدريب ده يا بني هينمّي فيك الافراز، وهتشوف تطور مجموعة قيمك مع كل تكرار للتدريب، هتقدر تقيس بطريقة عملية أنت بتنمو ولا لأ، بس خليك صريح مع نفسك، وشوف التغيُّر بيكون لقيم أسمى ولا قيم أقل؟ قيم بتربطك بالوجود الشخصي بتاعك أنت لوحدك ولا بوجود كياني يشمل الكل؟ هل القيم بتتحرك وتضم ناحية قيمة واحدة اسمها الحب ولا بتتفرع مع الوقت لقيم أكتر بعيد عن الحب؟ الحب بوصلة يابني تقدر تدلك وتدل أى انسان بسيط هو بينمو ولا بينحدر، لو وصلت ان أمهات أمهات أمهات قيمك بعد كل لفة وبعد كل تدريب صارت فقط واحدة "حب" بدون أى منازع دخيل بيصارع في منظومة قيمك، تبقى وصلت لربنا، وأدركت غير المدرك، تبقى حويت الكل والكل حواك. فاكر الكلام ده سهل صح؟ أصل اللسان شاطر! ده أنت يا بني هتقعد سنين كتير أوي عشان بس تخلي الحب قيمة من وسط لستة قيمك! مش إنك تخليه الأم الاولية لكل قيمك!! أنت لو بس نجحت تخليه قيمة من قيمك ده لوحده نمو روحي عظيم مليارات البشر عجزوا يكون هو قيمة محركة لوجهة رحلتهم، متتخيلش الموضوع سهل، أبدًا!
الروحانية يا بني مش تغميض العينين وسهوكة الكلام في صلاة جماعية، ولا هي استخدام مفردات دينية تحشرها بين كل جملة، ولا هى انعزال عن الكل وسكنى قبور وصحاري، ولا هى تنفيذ وصايا نزلتلك من السما واتجمعت في كتاب، ولا هى حتى طقوس تحاول تنفذها بحذافيرها وتركز فيها، ولا هى اذلال جسدي وقمعي زهدي، متخليش حد يخدعك ويفهمك إن الروحانية عمل تقوم بيه، مهما كان تقييمك العقلي اللي اتربيت عليه لقداسة الفعل ده! الروحانية بوصلة بتشير لنقطة بعيدة بتشدك، بوصلة مسببالك هَوَس اشتياقي في محاولة بلوغها، بوصلة كل خطوة بتاخدها عشان تمشي في اتجاهها بتديك نمو وخروج من حدودك لحدود أكبر، من قيمك السابقة لقيم أسمى تالية. مع كل خطوة نمو هتلاقي قيمك بتتجه ناحية الجمال، الجمال في كل شىء حواليك، مهما كانت تفاهة أو قبح اللي حواليك هتلاقي سعيك للجمال بيحصر خطواتك، هتقدر تشوف الجمال في كل شىء حتى في أسوأ وأبشع اللي حواليك سواء من بشاعة الكيانات أو الأفعال، هتشوف الجمال في كل حاجة حواليك وهتلاقي مبررات لكل شىء وكإنك اتحولت لمحامي كوّني عن الكل دوره يبرر جمال قبحهم وجمال قبح تصرفاتهم، وهتكتشف ساعتها إن الجمال صار في عينك إنت مش في كل اللي حواليك، صار جزء منك! ووقتها الجمال هياخدك من ايدك زاى العيّل التايه ويوديك لوالدتك، لإنه هيكون مرشدك في رحلتك للحب: "الأم الأولى لكل القيم السامية" !
أنت متخيل ايه هى الأبدية يا بني؟ مكان جميل فيه كل شىء تتمناه؟ حالة من السعادة والاكتفاء؟ احساس بالنشوة؟ لو ديه نظرتك اعرف انها نظرة واحد لسه بيحبي في رحلته، هقولك النظرة اللي لازم تكون عندك للأبدية حسب مستواك الحالي، بس خللي بالك لسه هتنمو وساعتها هدلك نظرتك للأبدية لازم تكون ازاى، حاليا نظرتك للأبدية لازم تكون إن الحياة الأبدية هى مغامرة، زاى مغامرات الأفلام والروايات اللي واكلة دماغك، مغامرة انت بطلها وليها هدف، هدفها اقتناء قيم أسمى وأعلى بشكل دوري، اطبع ده في دماغك، الحياة الأبدية عندك لازم تكون مغامرة لاقتناء قيم لا نهائية تكسر حدود نهائيتك وأسوار حدودك، في رحلتك ديه للقيم اللا نهائية في كيفيتها، هتتشكل واحدة واحدة، وهتتغير من صورة للتانية، هيحصلك تطور زاى بتاع داروين، بس تطور من نوع تاني: تطور روحي، هينميك بحجم وسمو قيمك، هيزرع فيك شهوات ويقتل شهوات تانية، هيوصلك لحالة رضى على اللي كنت ناقم عليه ونقمة على اللي كنت راضي عنه، وهتفضل كده يا بني تتنطط وتتدرج، تعرج وتجري، تقع وتقوم، وفي الرحلة ديه حاجات فيك كتير هتتغير، انتماءات هتشيخ وتدفن وانتماءات هتولد وتنمو، توافه هتتحول لأولويات وأولويات هتتحول لتوافه، فيه حاجات كانت أمانك هتلاقي فيها عدوك وأشباحك، وحاجات تانية هتستبدل مكانتها وتصير ملاذك! هتحس إن جلدك بيتغير كله، وده هيكون مؤلم، بس هتحس بلذة عجيبة في الألم الانسلاخي ده! وكإن يا بني المتع الحقيقية المطلقة مبتتوجدش في عالمنا إلا من خلال آثار وندبات جروح بلوغنا!
هتقابل يا بني نوعين من النمو والتطور، نوع ليّن وناعم ميتحسش بيه أوى وأحيانًا هتستلذه، تغير تدريجي مش هتشوفه ولا هتحس بيه، لكنك بمقارنة أمهات قيمك السابقة بأمهات قيمك الحالية هتشوف التغير. ونوع تاني هيبقى قسوته شديدة، هينتج عن صدمات مؤلمة في حياتك، صدمات هتهزك كيانيًا من جوة، هتوقفك في صراع مباشر مع ربنا، هتبقى عايز تمسك في خناقه وهتسمع أصوات جاهلة تحذرك من غضبه لو صارعته، وتفاهة مكانتك جنبه، وغضبه لو نقمت على تدبيره، متسمعلهمش، صارعه! النمو ده يابني ناشف، مؤلم، هيسيب في روحك ألم لسنين، هيحصلك يا بني وحصل لمليارات غيرك، نوع مفيش منه مفر، لا بتكون بتستناه ولا بتسعاله، لكن هتجبر عليه، وهيكون قدامك خيارين، يا تاخد الصدمة والنتيجة منها تكون انكسار كبير وانزواء على ذاتك في وضع جنيني، يا هتاخدها وتدخل في صراع يعقوبي مباشر تخرج منه اسرائيلي بجد، تخرج بلقب جديد كمحارب إلهي، تخرج بعلاقة أمتن تقدر تمتص صدمات الرحلة الارتقائية، العلاقات يا بني بين اى اتنين مبتتقواش باللحظات السعيدة الناعمة، بتتقوى بالمرور بشدائد سوا، بخناقات ومسك في بعض، انت مبتعرفش الآخر بجد إلا في اللحظات الصعبة ديه، ديه لحظات كاشفة ليك، وللي أنت قررت تكون في علاقة اتحادية معاه، خللي بالك انك تستغلها في صراع حقيقي أمين، صراع فيه كل واحد هيكشف ذاته للتاني زاى ما هو عليه مش زاى ما التاني متخيله عليه! أخرج من الصراع ده منتصر بانهزامك! في انهزامك هتدرك في ذاتك شىء مكنتش تعرفه، معرفتك ليه هتعيد تشكيل لستة قيمك، وتشكيل لستة قيمك هيكون انتصار جديد ليك رغم هزيمتك، انتصار بالخروج من سجن وأسر قيمة مُحرِّكة مكنش فيه وسيلة تانية تتخلص منها إلا بتجربة اختبارية مؤلمة تغرز في لحمك، حياتك الروحية يا بني ما هى إلا سلسلة تجارب واختبارات ارتقائية تصعيدية »
من نقاشاتي مع الأب الروحي