الإرادة الإلهية كطاقة كامنة وكقوة مُفعَّلة


الإرادة الإلهية مُقَيَّدة، مُقَيَّدة بحسب تطبيقنا ليها... الإله المتجسد كان تشخيص للإرادة الإلهية في صورة حيّة ملموسة مرئية، حولت الإرادة من فكرة تجريدية كامنة، ومن قدرة منغلقة وجودها ذهني/معقولي، لواقع فعال وحىّ وملموس عملي، وده رسم طريق بشري يمكن اجتيازه لتطبيق صورة الإرادة الإلهية المُفعَّلَة كحركة مش كقدرة، وعلى الجانب التاني الروح الإلهي بيدي الطبيعة المخلوقة إمكانية حركة في اتجاه الإرادة الإلهية الكامنة ديه، حركة تطورية للطبيعة عشان تبلغ مكانتها النهائية، سواء الطبيعة ديه كانت بشرية من ارتقاء لألوهة أو مادية من ارتقاء تطوري، يعني اتحط من الإله المتجسد النموذج واتوجد من الروح الإلهي القوة الدافعة للتطبيق بالاندماج والالتصاق بينا في تدبير/تخطيط كبير أبوي بإيجاد حر على صورته.

الإرادة الإلهية بحسب جوهرها وطبيعتها (مش بحسب المُدرَك منها وعنها) هى قدرة كامنة في الثالوث، وده بيجبرها تكون لا نهائية بلا نهائية الكيان الثالوثي ده، وبيجبرها تكون غير مُدرَكة ولا مبلُوغة في لا نهائيتها، واللا نهائي لا يمكن استعلانه في النهائي المحدود زاى عالمنا المسكون إلا ان خضع لعملية توازي عملية التجسد، عملية انضغاط وتصوّر جزئي، وإلا هيكون بالضرورة أسير لا محدوديته  لو اتنقل من حالته لحالة كيانية محدودة، عشان كده الإرادة الإلهية هتظل كامنة متستعلنش ولا حتى توجد في عالمنا المسكون وتكون فعالة إلا من خلال تطبيقنا احنا ليها، تطبيقنا ليها هيحولها لكيان موجود في واقعنا المحدود، كيان حىّ فعال مؤثر ومتأثر كمان، ونسبة استعلانها الجزئي الممكن هتعادل نسبة تطبيقنا للإرادة الكامنة في اللاهوت. 

الإرادة الإلهية بتعيد تشكيل الواقع على صورة ونمط فردوسي، وده بيمثل غرض تدبير/ايكونوميا الخلق، بتحويل الارادة من قوة كامنة لقوة مفعلة من خلال اتحادها بإرادات بشرية حرة بطبيعتها، ومن خلال مزج الإرادات. الصورة والنمط الفردوسي ده هو النموذج الأبدي والأزلي اللي مش متغير ولا متأثر بتطبيقنا ليه وبالتفاعلات المتبادلة عند تطبيقه، ولكنه موجود بذاته بمعزل عن استعلانه وتطبيقه، وجود النمط والنموذج الفردوسي ده هو وجود المجرد في حالة مُثلَى (اربط ده بنظرية افلاطون عن الوجود الحقيقي في عالم الصور والمُثل المعقولة، وبين أوهام عالم التصورات للمثل التصويرية ديه)

استعلان الإرادة الإلهية من خلالنا هو محاكاة ومسعى تدريجي لمطابقة النمط والنموذج الفردوسي ده بالانتقال من الصورة للأصل، استعلان الإرادة ديه هو استعلان لله ذاته بشكل محدود تصوري لينا، لأننا في حين إننا لا يمكن ندرك صفاته الإيجابية (الكاتافاتية) لكن بنحقق إرادته عمليًا ومنها بندركه وبنخلق وجوده: من مجرد تصوٌُر ذهني عندنا، لوجود حىّ واقعي، يسمح بإيجاد ما لا يمكن إيجاده في المحدودية الكونية، يسمح بإيجاده كغير محدود في محدود دون حاجة لإعادة تجسدات متعددة تدمج غير المحدود بالمحدود وتعلن الإرادة الإلهية من ناتج الدمج، ودون حاجة لافقاده لا محدوديته، اللي كانت لتفقده وجوده بلا معقولية تضاد صفات طبيعته.

 ده بدوره بيحوِّل عملية المحاكاة الفردوسية ديه من مجرد محاكاة بالتقليد، لإعادة تشكيل الكون من طبيعة أرضية لطبيعة فردوسية، وكإننا بنعيد خلق الكون وهندسته من خلال الاتحاد الإرادي، وده بدوره بيحول الكون المحدود لغير محدود بضمه في الله اللي الهدف يجتمع فيه الكل، وبالأكثر والأهم بيفك أسر الإله من لا محدوديته عشان يكون له وجود فعّال في محدوديتنا، لإن الوجود غير الفعّال لا يفرق عن العدم في التصور الذهني. وكإن البشرية (بتدبير إلهي) بجانب مشاركتها في التدرج الخلقي التطوري بترد جميل ايجادها الكينوني في الله منه، بايجاده التصوّري فينا منّا!!
أحدث أقدم