ما بين الإضطراب الكوني (الـchaos) ومساعي البقاء والاستمرارية (الـsurvival)


الكون بطبيعته الخاصة، كمخلوق، مُلزَم يكون في حالة chaos، ومُلزَم يسير في اتجاه تحلله لعناصر أوليَّة غير عاقلة وغير واعية، ومن ثم زواله. الكون بطبيعته الخاصة فاقد للهارموني وللتناغم اللي يضمن ثباته واستمراريته وبقاءه، وعشان كده بيكون دايمًا في احتياج لتطعيم كياني خارجي يرجع له التناغم المفقود ويضمن تلاحم عناصره في كيان مستمر الوجود، ده مش بس على المستوى الفيزيائي ولكن حتى على المستوى القيمي.

كائنات الكون مُلزَمة بمجموعة من القيم بتحدد توجهها ومسيرتها وكمان قيودها، أهمها على الإطلاق هو "الوجود" كقيمة في ذاتها، وده نتج عنه مسعى "البقاء" (survival)، مسعى واعى من كياناته العاقلة والشبه عاقلة للاستمرارية في الوجود والبقاء والاستمرار بأى طريقة ممكنة، حتى ولو بخلق مجموعة قيم أدنى مؤازرة ينتج عنها أفعال عنفية زاى العدالة والقصاص والمغالاة في قيمة الحياة المادية، وبينتج عنه كمان قيم خالية من العامل الأخلاقي زاى تحليل القتل الحربي، أو العنف الدفاعي لضمان الاستمرارية، أو اعتبار المعاناة ذاتها قيمة، والمتعة قيمة! ومع الوقت فُقِدَت القيم اللي هى بالحق ”صلاحية“، لإنها مبقتش مفيدة في رحلة الsurvival الملزمة للموجودات.

ولإن مجموعة القيم اتشوهت، واتبدلت، المسعى اتغير، ومفهوم بلوغ المسعى كمان اتغير، مفهوم النجاح اتحول لامتلاك وبلوغ بهدف استمرارية، واتحول من رحلة مختبرة لكيان مُمتَلَك، ولإن الكيانات المُمتَلكة محدودة كَميًا اتحول الكيان المُمتَلَك لكيان ”نزاعي“، ولان أى امتلاك محدود، واحنا كائنات جاية من أصل غير محدود بتحن لتوصيف أصلها غريزيًا فبقى الهدف نفسه متحرك، قابل دائما للازدياد، غير مشبع لمحدوديته ولقابليته للتزايد، وصار الكيان العاقل دائم في مسعاه، وده افقد الكيانات العاقلة متعة النجاح، لان النجاح صار غير مبلوغ، لان كل نجاح بيؤدي لحالة مسعى جديد لنجاح تالي، وهتستمر المساعي لا نهائيا بسبب اشتياقنا للانهائية لإن اصلنا لانهائي.

 طبيعة البشرية جزء من الـchaos الكوني، وعشان كده هى مُلزَمة انها كمان مع الوقت تتحول لجزء منه وتتحلل وتزول، وفي رحلتها التحللية -اللي دايما بتؤول للأسوأ- لسه فيها الاشتياق للأصل اللي أوجدها، اشتياق لوجود مثالي كامل غير متحلل ولا متفكك ولكن دائم، اشتياق داخلي للعودة للأصل اللي لا هو خاضع لا لزمان ولا لمكان. نوع من القيود، قيود محدودية الكيان، لابد كسره للخروج من اغلال المحدودية الفانية، وعشان كدا الدراما الدينية بتشوف في الإله المتأنس صورة خلاصية من فساد الطبيعة، كيان من واقع لازمني لا مكاني يتحد بيها ويكسر قيود زمنيتها ومكانيتها ويغير المسعى بتغيير منظومة القيم ويدخلها في كيان أسمى.

الدراما الدينية المسيحية الأرثوذكسية على وجه الخصوص، بتصوّر عملية كسر الأغلال الخلاصية ديه في تبادلية تأنسية تأليهية، كيان أعلى يتأنس وكيان أدنى يتأله، وفي العملية التبادلية ديه بيختبر الإله الإنسانية وبتختبر البشرية الألوهية، وفي امتزاج الخبرات ديه بينتج وعى جديد للكيان الجديد، وبتنتج منظومة قيمية جديدة، لا هى قايمة على العدالة ولا البقاء ولا القصاص ولا أى قيمة ناتجة عن خوف الفناء والانحلال وشبح احتمالية فقدان الوجود، ولكن منظومة قيمية جديدة محركها وموجودها متحرر هو نفسه من القيود ومن المصالح الذاتية

القصة الملحمية المسيانية التأنسية مبتقفش بس عند تغيير القيم، وتغيير المساعي وتبادل الخبرات وتكوين وعى متبادل جديد بالآخر بين الطرفين، ولكن بتاخد بُعد أكبر، بُعد توحيدي، بُعد مزجي، وده لان الكيانات المخلوقة اتوجدت من مصدر لا نهائي احادي رغم ثالوثيته، ورحلتها للعودة للأصل هى رحلة توحيدية في مسعى لبلوغ اتحاد كلي متضمن الكل فيه، الكل حرفيًا، سواء كان كل المُدرَك ليها أو كل غير المُدرَك اللي بيُستَعلن في رحلة ارتقاءها. 

وفي ملحمة بلوغ الـ”هارموني“ المرجو، الكيانات المرتقية، أو بالأدق: الساعية للارتقاء، في انطلاقها من ذاتها لوحدة الكل، بتتكسر تدريجيا فيها محدوديتها، وبتاخد علاقة جديدة بيوصفها التراث المسيحي  بالبنوية مع الكيان الأعلى (الآب) والأخوية مع الكيانات الموازية (البشر) وبالاتحاد مع النموذج الأوَّلِي (المسيح)، مش على مستوى تشريفي ولكن على مستوى وجودي علاقي كياني. وفي العلاقة ديه، وفي التغيير الكياني ده، وفي الرحلة ديه بيُعتَق الكون كله من خلال كائناته المرتقية (احنا كبشر) من قيود محدوديته ومن سلطة الـchaos الطبيعية بادماجنا للكل فينا وسعيّنا للمصدر الكلي الأوّلي!
أحدث أقدم