أيّقَنِة الألوهة واقعيًا وتجريديًا وسرياليًا

المحرك الأساسي لارتقاء إنسانية أى كائن بشري هو سعيه المتواصل لتحقيق مجموعة القيم والمُثُل اللي بيتبناها، مجموعة القيم والمُثل ديه هى المقياس الذاتي العملي اللي يقدر يقيس بيه نموه، لإنها بتتغيّر وبتتبدل بالتجارب والاختبارات والمعرفة (من المفترض للأفضل لو كان المسار سليم). ولإن الإنسان المهتم بالميتافيزيقا بيؤمن بوجود كيان أسمى، فبيضخم كيفية وكمية مُثُله وقيمه في الكيان ده، وبيشوف كيان الإله مُمثّلها في أسمى وأنقى صورها. تصوُّر الإنسان للكيان الأسمى إنه النموذج المثالي والأوّلي كـprototype لقيمه ومُثُله، بيخلق تلات مشاكل:

١. المشكلة الأولى إن قيم الإنسان ومثله بتصير نتيجة مباشرة من الواقع المخلوق، مربوطة بالواقع ومولودة منه ولا يمكن فصلها عنه، وعشان كده الإنسان بيُجبر على تشخيص الألوهة، وتصوّرها بشكل بشري مشخصن، مش كخطأ منه ولكن لإنه حد مفهوم من واقع أسمى بمعايير قياسية لواقع أدنى. شخصنة الألوهة كمنطق سليم المفروض متتخطاش مجرد وسيلة إدراكية، متتخطاش كونها جرح في الحقيقة ملزمين بيه عشان ابستمولوجيا نسيجنا العقلي مبني على واقع اتوجدنا فيه مش بس شكِّل معارفنا ولكن شكِّل طُرُق تحصيل معارفنا كمان، المشكلة الحقيقية لما التصوُّر العقلي بيتحول من ”وسيلة“ إدراكية إلى واقع حقيقي مطلق، فبتتحوِّل وسيلة الإدراك من ”وسيلة انتقالية“ إلى ”غاية مبلوغة“، ومن إدراك نسبي إلى إدراك مطلق، من وسيلة تصوّرية إلى حقيقة كوزمولوجية، وهنا بيبهت تدريجيًا الحد الفاصل بين الحقيقة وتصورنا عنها لغاية لما يختفي الخط الفاصل تمامًا ويبقى فيه امتزاج كلى للمفهومين، وديه معضلة من أصعب المعضلات لإنك بتحتاج تغيَّر منظومتك التحصيلية للمعرفة كلها عشان تحلّها!

٢. تاني مشكلة هى إن تصور الإنسان للكيان الأعلى كحاوي نقي للقيم والمثل في أنقى صورها، بيعيق الإنسان في نموه في تبني القيم والمثل، القيم بطبيعتها بيتم تبنيها وهجرها وتبني الأسمى منها بشكل تدرجي هى كائن حى بينمو بنمو حاضنه، وده شىء صحي، وبيمثل النمو الطبيعي لأى كيان عاقل ساعي للارتقاء، لما الإنسان بيكوِّن منظومة قيمية وبعدين يربطها بتصوُّرُه عن الكيان الإلهي بيحصل خلط ومزج يصعب فصله بين المُسبِّب والمُسبَّب، في الحقيقة الإنسان تصوره للكينونة الإلهية نتج عن القيم اللي سبق تبناها مش العكس، ولكنه بيظن بسوء فهم إن تصوّره عن الكينونة الإلهية هو اللي أنتج منظومة قيمه ومُثُلُه، مع إن الواقع مش كده! المشكلة اللي بتنتج من الخلط السببي ده، أنه بيحصر منظومة القيم والمُثُل اللي يقدر يتبناها في حالة ستاتيكية، لإن تغييرها عنده بيوازي أما تغيير منه لإلهه أو على أقل تقدير تغيُّر إلهه، وفي الحالتين ده بمثابة ”قتل الإله“ عنده! فبيضطر الإنسان يبلغ حالة من الجمود، لا يغير ولا يتغير، بل والأسوء إنه ممكن يدرك إن قيمه الحالية ليست الأسمى ولكنه لإن الإله المُفَصَّل على قيمه مَثّلها فيضطر الإنسان يناقض ذاته ويدافع عن الأدنى رغم إدراكه إنه أدنى، ويحاول جاهدًا في صراع نفسي عظيم يبرر إن الأدنى أسمى والأسمى أدنى، ويتحول الامتناع عن قتل الإله، لقتل ملكات ذهنية نقدية، وقتل ذاته الحيّة -اللي حياتها في ارتقاءها- بحبسها الدائم في سجن مصنوع من التصور الذاتي اللي ملهوش وجود خارجي حقيقي.

٣. تالت مشكلة هى الأيّقَنَة (وهى تاج المشاكل السابقة)، وهى احتياج بشري لعملية Symbolism. طبيعة وسائل الإدراك عند الإنسان مُلزمة بتصوُّر أيقوني للمُعبَّر عنه، صعب جدًا على الإنسان يدرك قيم غير مُأيقَنة، صعب يدرك مُثُل مجردة، صعب يتخيل كيانات مجردة غير مأيقنة، دايما بيحتاج لمثال عملي، بيحتاج لتصوّر وتماثُل من واقعه، لتشبيه تبسيطي اسقاطي، بيحتاج لتصوّر عقلي مُصغَّر غير مجرد للتعبير عن الكيان المجرد، ومن خلاله بيتلامس مع الفكرة ويوثقها فيورثها، الإنسان على مر تاريخه أدرك ده في مفهومه عن الكيان الإلهي، ومواجهش صعوبة يأيقنه في صورة مادية، أما بكيانات عاقلة كتراث الآلهة المتأنسة أو في كيانات غير عاقلة مرئية ومحسوسة من قوى الطبيعة، لغاية هنا مفيش مشكلة، المشكلة إنه لما بيحاول يأيقن المُثل والقيم في إلهه، بيضطر يلزم إلهه بما للكون المادي، لإنه في أيقنته للقيم والمثل اللي بيشوف إلهه ممثلها، بيستخدم الوعاء الإنساني اللي ميدركش ولا يملك غيره، فبيفهم قيم زاى العدل والحق والقوة والإرادة والبر والحزم من اسقاطات البشرية عن الإله مش العكس، برغم إن الأصح يعتبر إن قيم البشرية هى ظلال مشوهة من انعكاسات ضوء القيم الإلهية لإنه سبق وأقر الإله كأسمى وأنقى صورة للقيم والمثل اللي تبناها، وبيضطر يشوه الحقيقة اختياريًا لصعوبة أيقنة السمو والنقاء بعكس التصورات والإسقاطات 

الحل بسيط في تحليله وتحديده، لكنه في قمة الصعوبة في تنفيذه: الإله لازم يدرك على تلات مستويات متوازية:
أ. مستوى واقعي (مشخصن)
ب. مستوى تجريدي (غير مشخصن)
ج. مستوى سريالي (فائق للشخصنة)

أ. المستوى الواقعي المشخصن وده المستوى العمومي اللي بيتوارث دينيًا في ديانات العلاقة الشخصية، وصفاته وأفعاله ككيان بتتنوع بتغيُّر الأديان، ده المستوى الاتحادي والامتزاجي اللي من خلاله نقدر نتلامس ونتعايش مع الكيان الأسمى ده، بتصوّره ككيان شخصي علاقي تفاعلي مؤثر ومتأثر، هنا ممكن نتخيل الإله على الخط الزمني والبعد المكاني كجزء من الدراما الحياتية المعاشة لكل فرد منفصل أو للجماعات المختلفة أو للبشرية مجتمعة ككيان موحَّد، هنا بيظهر الاحتياج للمنهج الكاتافاتي

ب. المستوى التجريدي غير المشخصن لازم ندرك فيه الإله ككيان مطلق غير مربوط ولا محكوم بأى تصور عندنا عن الكيانات المشخصنة، غير محكوم بأى تصور عقلي عن معنى الكيان بحسب مفاهيمنا عن الكيانات الموجودة، وبشكل غير مأيقن إطلاقا لأى تصور عقلي، فلا يدرك بصفاته ولكن يدرك بوجوده، وده بيلزم بتخيُّل وتصوُّر وجود غير موصَّف، هنا الإله في التصور ده غير خاضع لأى مفهوم زمكاني أو أى مفهوم متأقنم أو حتى أى مفهوم اسقاطي من معارفنا، هنا فيه إلزام بالأبوفاتية

ج. المستوى السريالي الفائق للشخصنة وده صمام الأمان للمستوى المشخصن سابق الذكر، وحلقة الربط بين المستوى المشخصَن والمستوى غير المشخصَن، بتصور الكيان المشخصَن في حالات تفوق مفاهيمنا عن الكيانات المشخصنة، والمهم إنه لازم ميتمش بتصور الفائقية بشكل كمي ولكن بشكل كيفي، الشكل الكيفي ده هو اللي هيضمن عدم حبس الإله في منظومة قيمية وعدم تقييد تبني القيم في المستوى المشخصن وعدم الجهل بالكيان في المستوى غير المشخصن، وده بيحفظ مزيج معتدل من الأبوفاتية والكاتافاتية

المشكلة اللي بتمثل صعوبة تقبُّل الكيان الإلهي وصعوبة تفهُّم المتوارثات عنه، لو جردناها من عواملها المؤثرة المختلفة من ثقافة للتانية ومن ايديولوجية للتانية، هنلاقي جوهرها هو صعوبة تفهُّم وتقبُّل جمع التلات مستويات السابقة في نفس الوقت في نفس الذهن برغم تنافر التلات مستويات والتعارض المنطقي في إمكانية وجودهم في كيان واحد. حل المعضلة ديه لو نجح الإنسان فيه هيمثل له سبر غور فهم الذهن البشري لتقاطع الكيان الإلهي مع الوجود (وجودنا) بدون إلزام الكيان الإلهي بالتوصيف المخل ”المخلوقي“ بكونه ”موجود“، ولكن التَرقِّي لتَفَهُّمه كأساس وقاعدة الوجود ذاته!
أحدث أقدم