الأبعاد المتوازية لمجالات الطاقة الجذبية للموجودات ونماذجها الاستنارية الأوَّلية


لو ركزنا في الدوافع والمحركات في الكون وكياناته سواء كانت كياناته الحية أو غير الحية، هنلاقي في مجالات مختلفة بتتحكم في دوافع ونزعات الموجودات لبلوغ حالتها النهائية (النهائية هنا بمعني الاستقرارية اللي بعدها مفيش دوافع ومحركات ونزعات تدعو لا للنمو ولا للتغيُّر). ممكن نسميها مجالات "طاقة" ليس إلا لكونها مسبب حركة سواء للكيانات العاقلة أو غير العاقلة، كقوة مؤثرة على أى كيان في نطاقها بمستويات تأثير مختلفة حسب مكانته في حقل مجالها، فتعبير "طاقة" وتعبير "مجال" اختيار فوق الممتاز لشرح المؤثرات ديه باختلاف قوتها على المتأثر بيها

فيه أربع مجالات ممكن نتخيلها وندركها جزئيًا:

 ١. المجال الأول من الطاقة هو مجال وجودي (ستاتيكي) ممكن نسميه المجال الشخصي، ده المجال الأقنومي بحسب التوصيف الكلاسيكي المسيحي (الأقنوم مسيحيّا مش مقتصر فقط على الكيان الثالوثي زاى الاعتقاد الدارج الشعبي، أنت مثلًا كإنسان ”أقنوم“ بشري)، وهو المجال اللي بيوجد فيه الكيان وبيقوم عليه كشخص متفرد ليه صفات خاصة وملكات خاصة، المجال اللي بياخد منه الكيان ذاتيته وأقنوميته، وهو المجال الستاتيكي الوحيد كحاوي للصفات ومفرِّد ومميِّز للطبائع المشتركة بين المتمايزين، اما بقية المجالات التالية فكلها ديناميكية

٢. المجال الثاني هو المجال المادي، وده سهل التخيل ومُعاصَر ومُعايَش في الحياة المادية اليومية ، وبيمثل الواقع المادي المعاش، وبنشوفه على أصغر وأكثر الكيانات البدائية سواء كانت تفاعلات وقوى بين ذرات مترابطة، أو تفاعلات  متبادلة بين خلايا بيولوجية في أوساط كيميائية، بهدف اما ضمان الثبات الوجودي أو التغير بمعدلات منتظمة ومحكومة، أو حتى الاضطراد العشوائي، وده اللي بنشوفه في نماذج مختلفة في المجال زاى مجالات القوى الفيزيائية (كهرومغناطيسية وغيرها) والبيولوجية/الكيميائية وغيرها

٣. المجال التالت هو المجال الذهني اللي بيتمثل في الملكات العقلية والمعرفية المختلفة، وبتكون المسارات النموية فيه باكتساب قدرات ذهنية مختلفة، ونمو وعى، وتزايد معرفي، وقدرات على الاستنباط والاستنتاج والربط والنقد والتحليل والتعليل والاستثناء وغيرها من بقية القدرات الذهنية، المجال ده ليه قوته الخاصة، وليه قدرته الجذبية الديناميكية المميزة، ومسارات النمو في شدته او التراجع في قوته بتكون ناتجة عن تحركات الأقانيم الكيانية المذكورة في أول مجال بعوامل فردية أو بتغيرات وعى جمعية، أو بالتمرن عليه والسعي المقصود المدبر لتنميته، والمجال الذهني ممكن تقسيمه لمستويين، الأول تأملي فلسفي ذاتي التدرج، والتاني علمي تجريبي تراكمي جمعي

٤. المجال الرابع والأخير هو المجال الروحي، وهو المجال اللي الأديان بتهتم بدراسته وتحليله، ومحاولة قولبته وقوننته في أيقونات بشرية مُدركة تتلامس معاه كحقيقة استعلانية لا عقلانية، بمحاولة وضع وسائل نمو فيه طردية للحفاظ على مسيرة ارتقائية مستمرة لأى كيان واقع فيه، وهنا بيظهر التيار الكلاسيكي الغربي المسيحي في تضاد مع التيار الكلاسيكي الشرقي المسيحي، التيار الغربي بيخلط بين المجال التالت والرابع وبيؤمن بوجود وسيلة لتحويل (mapping) بين المجال الرابع والمجال الثالث بوضع قوالب فكرية تحكم المجال الروحي (في التوصيف الكلاسيكي بيُسَمَّى سوكولاستية)، بينما التيار الشرقي بيشوف في المجال الرابع مجال قائم بذاته منفصل عن المجال الذهني (في التوصيف الكلاسيكي بيُسَمَّى مستيكية)

الكيانات الموجودة محكومة إلزاميا إنها تعيش على الأربع مجالات ديه سوا، فى أربع أبعاد متوازية الوجود، بياخد الكيان الموجود مكانته المختلفة في كل واحدة منها بدرجة نمو مختلفة، ودرجة انجذاب مختلفة، وشدة مكانية مختلفة، وبقوة دفع مختلفة، حسب نموه ومكانه من مركز قوة كل مجال، وهو مبيبلغش المركز لإن المركز ده لا نهائية قوة المجال، المركز فقط بيكون نقطة جذب تحدد المسار مجرد بوصلة مسارية بنمو طردي بين قوة الجذب وبين قصر المسافة مع المركز (كمثال في المجال الروحي بتسمي  الأرثوذكسية مجال المركز الألوهي اصطلاحيًا "الطاقة الإلهية" في تمييز ليها عن الجوهر غير المبلوغ وغير المُدرَك، وبتعتبر رحلة بلوغها هى التأله)، الكيانات الموجودة اللي احنا منها، بيكون ليها موقع مختلف من كل مجال في تعايش على أبعاد مختلفة

المميز في المجال الذهني على وجه الخصوص هو إنه حلقة الربط بين كل المجالات الطاقية الديناميكية (بين المادية وبين الروحية)، هو نقطة التلاقي والتقاطع الوحيدة بين البعدين الروحي والمادي لنفس الكيان، هو اللي النمو فيه بيساعد ك catalyst على قدرة النمو في المجالين الديناميكيين التانيين، وده بيؤدي لتأثير غير مباشر على الكيان الستاتيكي بأقنمة بتجمع خواص متمايزة، وعشان كده الاهتمام بيه ليه مردود على أى نمو في أى مجال تاني، بعكس النظرية الساذجة لبعض الأديان إن كلما زادت البساطة وقلة المعرفة ”يتسلل البسطاء للملكوت“ وده اللي سبب هاجس لكثير من الأديان عن المجال الذهني بمستوييه (الفلسفي والعلمي) ودخلوا في صراع مباشر معاه كعدو، مع إنه بتحليل بسيط أهم صديق معضد للنمو في أبعاد وجود الكينونة التانية.

هنا بيجي لفظ كلاسيكي مهم جدًا، وهو الاستنارة، الاستنارة ممكن تُفهَم على المستويات الأربعة، ففي المستوي الكينوني المتأقنم، الاستنارة هى استعادة الصورة والأصل الإلهي، وعلى المستوى الروحي الاستنارة هى علاقة اتحادية امتزاجية بهدف ارتقائي، وعلى المستوى الذهني الاستنارة هى تدرج وعى وتسامي الملكات النقدية والتحليلية بالانفتاح على مستجدات معرفية دون وجود هواجس مخاوفية، أما على المستوى المادي فالاستنارة لا تتعدى استنارة مادية كقوة طاقية محركة للصور الأولية من الوجود زاى الخلايا والذرات لضمان وجود الكيانات المادية وتحركها الترابطي. في الأربع مستويات الاستنارة هى الهدف وغاية الوجود وأصله، وبدونها يفقد الكيان الوجودي وجوده!  

وسبل الاستنارة مختلفة، وبتتمثل في نماذج استرشادية، فيه نماذج استرشادية متعددة بتتفاوت في نقائها واقترابها من مركز طاقة كل مجال مذكور، وعشان فيها نماذج مختلفة فلازم يكون فيه نموذج أوَّلي نتجت منه تفاوتات النماذج الاسترشادية المختلفة، نموذج archetype، الفكر المسيحي شاف النماذج الأولية في الأقانيم الثالوثية، فمثلا فى المجال الوجودي الكينوني النموذج اللي بيمثل الأصل هو الآب الإلهي كأصل الألوهة ومركزها، وفى المجال الروحي النموذج الأمثل هو الابن الإلهي اللي يعد طريق وغاية وحياة (خاصة بتمهيده السبيل تأنسيًا)، وفي المجال الذهني النموذج الأمثل هو الروح كمشكل للفكر وقائد ليه في التوجه الأمثل للنمو. أما في المجال المادي فالنموذج الأوَّلي ميتخطاش كونه ”حلم-أينشتايني“، عاش يحلم بيه علما كتير، كانوا بيأملوا يلاقوه في معادلة موحدة تجمع كل مستويات حقول الطاقة المادية وتربط ما بينها، ولم تُكتَشف بعد!
أحدث أقدم