البشرية متقدرش تدرك الوجود الحى (أى وجود حى!) إلا من خلال تجربتها الوحيدة لايجاد الكيانات البشرية الحية المماثلة، وهى التجربة الجنسية/التناسلية، إيجاد من [شبه-]العدم بفعل إرادي حر. التجربة الاختبارية التناسلية طبعت في الوعى الجمعي التراكمي للبشر التصور عن الألوهة بكونه كيان ”والد“، كيان مُوجِد للكيانات الأخرى بطريقة مشابهة لطريقة إيجادها الخاصة للمخلوقات، بكونه ”والد“، ولإن البشرية لمئات القرون -لأسباب سوسيولوجية- كانت بتحكمها الثقافة الذكورية استخدمت لفظ ”الأب“ للتعبير عنه، لإنها شافت بتجربتها الجنسية التناسلية في الايجاد الأبوي نوع خَيِّر من الرعاية والمحبة والعطف للمستويات العاقلة وغير العاقلة، فكان التصور الأبوي أكتر تصور متوافق مع رغباتها واحتياجاتها النفسية
في نفس الوقت، التحدي الأكبر للبشرية، كان فهم الكيان الوالدي ده، من خلال منظورها المحدود، محاولة اكتشاف الأصل من الظل (احنا البشر بنمثل ظلال الوجود الأسمَى!)، محاولة استنتاج الحقيقة اللامحدودة، من خلال انعكاس خيالها في وجودنا المحدود، ومن هنا اتوجدت النظريات المستيكية، كمحاولة لعكس الخطوات المنطقية، في محاولة لتَقَصِّي نقاء الأصل من خلال تشوهات الصورة (مش العكس برغم إن العكس هو التسلسل المنطقي!)، وده أصعب تحدي واجهته العقلية البشرية في مسعاها لسبر أغوار الألوهة، ولإن دراسة وتحليل الظلال مستحيل يوضّح ويحدد الكيان الأصلي منطقيًا استدلاليًا، كان لازم البشرية تدوّر على وسيلة معرفية ملائمة
الطرق المعرفية التقليدية الذهنية العقلية الاستنتاجية متصلحش، لانها بتحلل الظلال وبتنحصر فيها وبتسقط صفات الظل على الأصل مش العكس، وفي نفس الوقت التخلي عن المنهج العقلي في البحث هيسمح بمساحة مهولة من الشطط وملايين التخيلات الخاصة غير المحكومة، فكان لازم يكون فيه معيار لمنع الشطط والخيال، ومن هنا اتوجد اتفاق ضمني بالالتزام بالمنهج التجريبي، اللي يضمن إمكانية إعادة الاختبار بنفس النتيجة، المنهج التجريبي الشبه-معملي لازم يسمح باختبار المغامرة وبلوغ نفس النتيجة في مختلف الازمان والاماكن بمختلف المختبرين وخلفياتهم الثقافية والدينية في رحلتهم المستيكية، ومن هنا نشأت فكرة المعرفة الاختبارية، المعرفة التجريبية، والمعرفة الاختبارية اشترطت ايجاد العلاقة، وايجاد العلاقة اشترط التصور التماثلي، تفهُّم الله كشخص عشان نقدر نختبره كشخص موازي لأشخاصنا اصطلاحيًا ومخالف توصيفيًا، لإن المعرفة العلاقية بتلزم بتوافق المتعلقين في التجربة الاختبارية، ومن هنا كان لازم الوعى الديني يشوف الله كشخص!
التصور الشخصي للألوهة موصلش لقمة رقيُّه الحالي في يوم وليلة، ولكن عدا بمراحل تطورية كتيرة، بدءًا من الشخصنة في صورة جمادية غير حيَّة، مرورًا بقائمة طويلة من الشخصنة في صورة قُوَى غير عاقلة مدمرة، للشخصنة في صورة قُوَى غير عاقلة يمكن تهدئتها، للشخصنة في صورة كائنات غير عاقلة ”تايتانية“ يلزم استرضائها، للشخصنة في صورة كيانات عاقلة موازية للكيانات البشرية في كل قصورها الأخلاقية الغضبية النقمية الثورية، للشخصنة في صورة عاقلة متسامية على الكيانات البشرية بمنهج تنزيهي. وعشان كده بيتقاس رُقىّ الأديان برُقىّ تصورها عن الشخصية الألوهية والمرحلة اللي وصلتلها تصوريًا، في حين الأديان اللي تهرَّبت كليًا من توصيف الشخصية الإلهية (بمختلف تعليلاتها للهروب) وسكتت عن شرح الكينونة الإلهية أثبتت فشلها و ”وضعيتها“ بكونها محاولات تصورات بشرية صبيانية غير مكتملة في مهدها لا تستحق الوقوف على عتبتها مهما كان عدد أتباعها، لإن من غير سعى مستمر دؤوب لتفهُّم الكيان الإلهي وتوصيفه هيبقَى المَسعَى مجرد حلم طفولي مَوؤُود في مهده مش مغامرة ناضجة واقعية
كمان الأديان كانت حذرة جدًا في تفهم الشخصانية، بفصل مفهومها للشخصانية عن مفهومها عن الجسمانية، لانها بالتجربة والخطأ أدركت ان اشتراط الجسمانية لوجود كيان مشخصن خطر جدا على المسعَى كله ومُفسِد للرحلة قبل بدءها، لانها اكتشفت ان ربط التصور الشخصاني بالتصور الجسماني بيؤدي لمسار من اتنين:
١. إما الايمان بعدمية ما بعد الموت بفقدان الشخص البشري لجسده بالموت، ولإن طبيعة الأديان طبيعة رجائية ما ورائية، فكان لازم تفادي الاحتمال ده، والا فقدت أهم أركانها: ”الرجاء الأخروي“
٢. أو الايمان بألوهية الطبيعة، لأن الإله يشترط فيه في المنظومة الفكرية ديه جسمانية، ولانه غير منظور فلازم نربطه بكيان مجسَّم منظور يحوي الكل كميًا وكيفيًا، توصيف يناسب الطبيعة-الأم مثلًا بكونها الموجدة للحيوات والمستقبلة للأموات والحاوية لكل الموجودات، ولكن ده ينتج عنه العودة لمفهوم القوى غير العاقلة المدمرة، وديه خطوة تراجعية في نمو الوعى الديني
فكان لازم لتفادي الاحتمالين دول فصل الشخصانية عن الجسمانية فصل كلّي الزامي!
حاليًا بقىَ مفهوم العلاقة الشخصية ضروري في أغلب الديانات، وبقَى بيُنظَر للأديان الفاقدة للعلاقات الشخصية نظرة رجعية، وعشان الأديان المُوَصَّفة بالرجعية ديه تتخلص من نظرة الوعى الجمعي بدونية ليها، بدأ بعض أتباعها يخلقوا نسخة معدلة ”مودرن“ بتركز على العلاقات الشخصية الإنسالهية في محاولة لملأ فراغ المفقود فيها بالاقتباس عن نُسخ منافسيها (بمنطقها الصبياني للمَسعَى كتنافسي لا كتضافري)، وده نشأ عنه مسخ مهجن من أصلها المتوارث، بإضافة التهجين التطعيمي الإلزامي ده، وما زاد قباحة المسخ التهجيني إن نصوصها منعتها تفهم العلاقة الشخصانية المستجدة من المنظور الوالدي الأبوي فاتحولت نسختها العلاقية لعلاقة استعبادية مازوخية لا أبوية-بنوية. أما الأديان اللي نشأت في بيئة هيلينية (أو هيلنستية) ناضجة فكريًا وفلسفيًا (زاى المسيحية)، فكانت محظوظة -بدون فضل منها- لإنها بدأت من نسختها الأولى في بيئة أجبرتها على تبني المفهوم الشخصاني للألوهة (لأسباب يطول شرحها)، مفهوم مربوط بالمفهوم الوالدي، وكان (واستمر) صراعها الوحيد بيتمثل في نقطتين متصلتين:
١. فصل الشخصانية عن الجسمانية، وده صعوبته كانت ناتجة عن توارثها لكتب ديانات سابقة عنها كانت بتعيق الفصل الذهني، خاصة لانها توارثت عن سلفها المقدس خطأ ضرورة المبالغة الاستعبادية للنص مع تجاهل الخلفية الثقافية-الحضارية لتكوينه (زاى توارث المسيحية لكتب اليهودية)
٢. فهم الظل من خلال دراسة الأصل (الأصح الأصعب)، بدلًا من فهم الأصل من خلال دراسة الظل (الخطأ الأسهل)، وده مستنقع كبير طوائف مسيحية كتير مخرجتش منه (زاى أهم طوائف البروتستانتية، والقبطية المستحدثة في آخر نصف قرن، وكاثوليكية العصر الوسيط)، في حين إن بعض الطوائف أو تطورات الطوائف كانت أنضج في مواجهة التحدي في النقطة ديه (زاى الأرثوذكسية والإنجليكانية وكاثوليكية فاتيكان٢)
هل الرحلة هتنتهي هنا عند المستوى ده؟ وهل النظرة المذكورة والمساعِى الاحتراسية سابقة الذكر كافية؟ لا، إطلاقا!... التجربة العملية في المَسعَى أثبتت إن الصراع البحثي مش خطي، ولكنه حلزوني! بيبدو للناظر ليه من بعدين فقط بمنظور أفقي كدوران وعودة لنفس نقطة البداية من حيرة جديدة وصراع جديد يتطلب تطوير تصوري عن الإله، وكإن كل دوران مجهود مهدر بيرجع بالساعي لنفس نقطة البداية، ولكن ديه نظرة قاصرة، لإن بمنظور ثلاثي (كلّي)، لو أضفنا البعد الثالث (العمق/الارتفاع) هنلاقي حركة الدوران المزعومة في المسقط الأفقي ما هى إلا حركة حلزونية ارتقائية تصاعدية، لإن البعد التالت المُتَجَاهَل من الناظر في المسقط الأفقي الثنائي الأبعاد هو بُعد تصاعدي ارتقائي في حركة لولبية مستمرة لمستوى أعلى مع كل صراع جديد ومع كل مغامرة جديدة ومع كل انتصار بشري جديد في ملء فراغات التصور السابق له، عشان كده اللي بيتصور الأديان ستاتيكية حكم على معتنقه بالموت الإجباري، ديناميكية الأديان وسيلتها الوحيد للبقاء!