الألوهة في الفكر الأرثوذكسي ليها كينونة مُشَخصَنَة، يعني كبشر منقدرش نفهمها أو نتعامل معاها إلا من خلال علاقات شخصية بين أفراد متمايزين، علاقات تبادلية اختبارية اكتشافية، كل واحد مننا كشخص والله كشخص آخر، وتبادل العلاقات بين الأشخاص هى اللي بتخلق معرفة أعلى من المعرفة العقلية المجردة، والمعرفة المُشَخصَنَة ديه بتقود لمعرفة اتحادية وامتزاجية. لكن ده ميعنيش إن الكينونة الإلهية في حقيقتها مُشَخصَنَة في جوهرها، ده انعكاس تصورنا العقلي عنها ليس إلا، إنما هى في طبيعتها وبمعزل عن إدراكنا الاختباري ليها واتحادنا بيها هى كيان غير مشخصن ولا يمكن وجوده وتوصيفه يقترن بديناميكية علاقاته سواء المستحدثة (لينا) أو الأزلية (بجوهرها)، بمعنى إنه كيان مبيتخذش كينونته وهويته من تبادل العلاقات مع آخر، تصورنا عن ”الشخص“ تصور نابع من معايشتنا للآخر في صورة كيانات موازية لأشخاصنا في واقعنا الحالي وادراكنا للمعايشة ديه كأعلى صور التواصل والاكتشاف.
لكن لو دققنا النظر شوية في طرق استيعابنا للكيان الإلهي هنكتشف إنه ممكن يُدرَك على مستويات مختلفة مش شرط المستوى المشخصن فقط، على مستوى ستاتيكي وجودي مثلًا ككيان قائم بذاته خالي من الاعتمادية كمصدر أوَّلي لا يحتاج لاكتمال ولا يملك أى دوافع احتياجية وحول ستاتيكيته لديناميكية، أو ككيان ستاتيكي كامن الديناميكية -أى بقدرة كامنة غير مُفعّلة- ولكن يمكن تفعليها وتحويل ستاتيكيتها لديناميكية في علاقة تبادلية وده بنشوفه في مفهوم الإرادة غير المُفعَّلة المُقيَّدة بتجاوب الارادة الإنسانية (اللي بنحطها في اللاهوت في اطار ايكونومي أكبر وبتعبر عنها الأرثوذكسية بالسينيرجيا)، أو ككيان ديناميكي تفاعلي مُشَارِك ومُشَارَك فيه وبدونه لا يمكن إدراكه وده اللي بتظهر فيه أهمية الاختبار المشخصن وأشهر مثال على ده مفهوم الأرثوذكسية عن الحياة الإنسانية كشركة في الحياة الإلهية ذاتها وتأله، أو يُدرَك في صورة ابوفاتية ارتقائية متسامية عننا رغم الشركة وده بنشوفه لما بتتكسر محدودية الزمان والمكان ونبدأ نتصوَّر الألوهة بمعزل عن أى وجود مشخصن زمني ومكاني، أو على أعلى مستوى مُتَاح كصورة مطلقة للألوهة بسيطة لا يمكن تحليلها أو توصيفها بالتوصيف التجزيئي (والآباء كانوا بيستخدموا لفظ الجوهر البسيط للدلالة على البعد الاستيعابي ده)
العقل البشري على مر الأزمان والعصور لما حاول يحلل الكينونة الإلهية ممكن نلاحظ إنه باختلاف توجهاته قسمها في مختلف معتقداته لفئتين أما كقيم مجردة مُثلَى، أو ككيانات حيّة متفاعلة بتتمثل فيها قيم مُثلى، والكيانات لما بيوصَّفها إنها حيّة مش معنى كدا إنه بيتخيَّلها في صورة الحياة البيولوجية، ولكن الحيوية هنا يُقصَد بيها ديناميكية التفاعل المتبادل بين الكيانات المختلفة، فعلى المستوى القيمي نلاقي إن الإنسان شاف الألوهة في الجمال والصلاح والحق، لدرجة إن المستيكية الشرقية استبدلت لفظ توصيف الألوهة بالصلاح أو الحق أو الجمال كمترادفات للتعبير عن الإله (المفهوم الأستاطيقي)، أو لو مقدرتش العقلية تتخيل قيم مجردة بمعزل عن تأثيرها كانت بتحط الألوهة في قالب تفاعلي إما على مستوى مشخصن في صورة كيان حبي رحموي خدمي (المفهوم الفيلانثروبي)، أو في صورة غير مشخصنة ولكن مربوطة بضبط الكل في صورة عدل وسيادة كقوة عاقلة منتشرة متوغلة موجّهة متفاعلة مؤثرة تأثير مباشر وحافظة للإطار الحيوي للبشر وبقية المخلوقات (المفهوم البنطوكراطوري)، ثم اتنقل لجمع المفاهيم الثلاثة وتبديلهم وتوفيقهم للحصول على صورة مكتملة.
لكننا لو حللنا مفهوم إدراك الألوهية تحليل منطقي غير متحيز (كتحليل ابستمولوجي)، وأخدنا كل الجوانب الاستيعابية السابقة ديه في الإعتبار، هنلاقي إن فيه سبع تباديل/توافيق ممكن تنتج من حالات ادراك الله من خلال التفاعل العلاقي وغير العلاقي معاه سواء كان مشخصن او غير مشخصن. التوافيق ديه بتنتج عن تلات احتمالات، اما هو مطلق او محدود او نسبي، وبكده ممكن يكون للتلات حالات ديه سبع توافيق: اما ادراكه كمطلق في الكل، او كنسبي في الكل، او كمحدود في الكل، او مطلق في البعض ونسبي في البعض، او مطلق في البعض ومحدود في البعض، او كنسبي في البعض ومحدود في البعض، او كمطلق في البعض ونسبي في البعض ومحدود في البعض. العقل المتدروش غير الفاحص هيشوفه مطلق في الكل، وهنا هو بيخدع ذاته لرغبته في بلوغ حقيقة متوارثة (وحتى لو كانت النتيجة حقيقة، لكن مخالفتها للرحلة البحثية الأمينة هتحولها لأكذوبة تغيبية وتفقدها حقيقتها!)، وده مستوى تسليمي أكتر منه عقلاني، وعلى جانب تاني العقل المادي هيشوفه محدود في الكل لإنه ميمكنهوش يدرك بمحدوديته مفهوم اللامحدودية، ولكن العقل الباحث غير المدقق هيشوفه نسبي الإدراك في الكل، وديه مرحلة انتقالية منها يتنقل لحالة من بقية الثلاث حالات الثنائية-التوفيقية المذكورة (لو استثنينا الحالة الثلاثية-التوفيقية النهائية انه مطلق في البعض، نسبي في البعض، ومحدود في البعض )
قمة الرحلة الارتقائية بتبلغ ذروتها لما يمر الإنسان من الإدراك الأحادي لكون الكيان الإلهي محدود في الكل او مطلق في الكل او نسبي في الكل، إلى التقسيم الثنائي بتوافيق اثنين، للحالة النهائية وهى ادراكه الثلاثي ادراك منفصل في كل حالة، كمطلق في البعض ونسبي في البعض ومحدود في البعض، ففي حالات يشوفه بصورة غير مشخصنة ستاتيكية قائمة بذاتها زاى استيعابه عنه كجوهر بسيط مطلق لا محدود، أو لما يشوفه بصورة نسبية في البعض زاى ادراكه عن ارادته الكامنة حتى لو كانت غير مفعلة ونسبيتها هنا كونها لا محدودة ككامنة ومحدودة كمفعلة بالإرادة الإنسانية (وما ينطبق على الإرادة ينطبق على التدبير)، وأخيرًا يشوف المحدودية الإلهية في كونه مشخصن، وبحده للألوهة في صورة مشخصنة يقدر يخلق مجال تفاعلي ويتوقع الأفعال وردود الأفعال بتكوين خواص وصفات وميول. في إدراك الإنسان لجمع الكينونة الإلهية التلات حالات، بيوصل لمرحلة نضج ونمو إدراكي يؤهله لتَصوُّر إمكانية اجتماع المتضادات العقلية بلا تنافر في الكيان الإلهي!
كل أنواع الإدراك ديه مهياش حقيقة الكينونة، هى مجرد التعبير عن حقيقة الكينونة لو اسقطنا الكيان الإلهي في واقعنا العقلي المنطقي عشان نتعرف عليه ونفحصه، مجرد ظلال للحقيقة يعني، إنما هو خارج كل التصورات المنطقية ديه، لكن المهم إن كل المحاولات الابستمولوجية ديه، بتوضح إن فيه رغبة فينا كمحدودين للخروج من محدوديتنا والامتزاج بكيان غير محدود، رغبة في العودة للأصل، رغبة ملحة لمحاولة اسقاط الأصل على واقعنا، رغبة لعلاقة حميمية مع كيان أعلى، علاقة توحيدية امتزاجية، ومفيش أى تفسير للنزعة غير الطبيعية ديه وغير المبررة إلا إنها في الحقيقة ”طبيعية“ وجزء أصيل مننا، وتصورنا العقلي عن لاطبيعيتها بيؤكد وجود كون ساقط متغرِّب عن وجود أسمى، بيؤكد تغربنا عن كينونة أعلى، وتيهنا عن ”وطن“!