كل الكيانات بتاخد وجودها وتوصيف وجودها من قوة كامنة ستاتيكية، اللي هى الأديان بتشوفها في "الإرادة الإلهية" كمنبع وأصل وجودي للكل، اللي بيتم تفعيلها وتحويل ستاتيكيتها لديناميكية في صورة من اتنين، وتالتهم رابطهم:
١. إما في صورة كيانات مؤلَّهة وديه الكيانات اللي بتحصل على ألوهيتها من خلال وجود قناة اتصال مباشر مُشخصَن مع الكيان الإلهي الحقيقي المؤلَّه اللي بتشوفه بدورها بشكل مُشخصن (اللي بتصوَّر دينيًا في هيئة علاقة إنسالهية)، وديه الكيانات اللي بتاخد توصيفها ستاتيكيًا، بمعنى إنها بتُفهم كوجود بغض النظر عن تفعيلها
٢. أو من خلال قيم عُليا ومُثُل عُليا غير مُشخصنة وغير مؤلهة، وديه اللي العقلية البشرية بتعتبرها أسمى وأنقى صور متاحة للقيم والمُثُل، وهى غير مؤلهة ككيانات لإنها في الأذهان غير مشخصنة ولكن بتُنسَب أسمى صورها المُتخيّلة للألوهة كمرادفات للألوهة، وبنماذج صُغرَى متبناة لبقية المخلوقات، وديه الكيانات اللي بتاخد توصيفها وجوديا واحتضانيًا، بمعنى إنها بتحدد معالم الوجود بس ملهاش وجود بدون حاضن أو ساعي
٣. في صورة تالتة رابطة بين الحالتين السابقين، بين الشخصية المتفاعَل معاها سواء المؤلِّهة أو المؤلَّهة، وبين القيم والمُثل غير المشخصنة، وديه بتشوفها الأديان في الايكونوميا / التدبير الإلهي، اللي فيها الإله بيسعى كمؤلِّه بصلاحه لنشر القيم، أو بيسعى المتألهين من أشخاص لبلوغ القيم (اللي في وعيهم إلهية) دون فقدان تمايزهم الشخصي، وديه الكيانات اللي بتاخد توصيفها ديناميكية، بربط التوصيف الوجودي المُبتَغَى بالشخوص الساعية ليه، ومن هنا بتُخلَق الديناميكية والحياة!
وفي الحقيقة الواقع مبيُدرَكش فقط من كونه ستاتيكي وديناميكي ووجودي فقط، ولكن في مستويات مختلفة لإدراكه، يعني ممكن نبصله من بعد تاني، البعد الزمكاني ونشوف هل هو بلا بداية ولا نهاية زمكانية، ولا هو ببداية وبدون نهاية زمكانية، ولا هو محدود الطرفين زمكانيًا، وممكن يُدرك من خلال بعد تالت كونه موجود بذاته أو موجود باختباره، بمعنى يُدرَك تأمليًا ذهنيًا (موجود ذاتيًا) ولا بيحتاج لاختبار امتزاجي عشان يُدرَك فيوجد (موجود رصديًا)، وممكن يُنظر من بعد رابع وهو كونه مُشخصن ولا غير مُشخصَن ، بمعنى وجوده غير مُشخصَن غير معتمد على العلاقات التفاعلية، ولا وجوده قائم على تفاعل تبادلي يحوله من كامن نظريًا لمُفعَّل عمليًا، كل الأبعاد ديه لازم تكون هى مازورة نظرة الإنسان للواقع كأبعاد مختلفة لنفس المدروس المُحلَّل
وجود الأبعاد ديه وتوصيفات الوجود سابقة الذكر، خلّت العقلية البشرية على مدار بحثها الألوهي تدرك إن وضعها للكيانات على أبعاد مختلفة وتصنيف أقصي يمينها ويسارها من حيث التباين بين الأقصي والأدني في كل بُعد وجودي تصوُّري، بيؤكد إن فيه صورة مُثلَى، صورة عُليا، نموذج أمثل أوَّلى، ممكن تتوجد عليه الكيانات لو اتخلصت من كل محدودياتها الزمكانية والقيمية والوجودية، والعقلية البشرية إدتها توصيفات مختلفة في فلسفات مختلفة وإيديوليوجيات مختلفة، سواء اعتبرناه عالم الحقيقة الأفلاطوني في مقابل عالم الأشكال والخيالات، أو اعتبرناه الفردوس/الملكوت الكاثوبروتستانتي، أو اعتبرناه حالة التأله الأرثوذوكسية، أو حتى حالة النيرفانا البوذية والتخلص من الدورات التجسدية المتتالية / السامسارا، ففي كل الحالات فيه prototype مثالي و archetype كمسعَى لو اتخلصنا من كل الشوائب الحالية هو الحالة ”الخلاصية“
النموذج المثالي الأوّلي ده، بيمثل الواقع الأسمى، المصدر اللي جه منه الكل، والمسعى اللي بينتهي ليه الكل، والمسار السليم اللي لازم تسير فيه الكيانات المرتقية لو عايزة تتسامى من حالتها للحالة النهائية، وهو القيم في أسمى صورها والمُثل في أنقى تصوراتها، الستاتيكية المطلقة، والديناميكية في أقصى تفعيلها، ألوهية تامة، وتأله كلي، شخصنة غير مقيدة حدوديًا، ولا نهائية غير محدودة شخصانيًا، خلاص كلّي، وسعت البشرية بوعيها الفردي والجمعي إنها تلاقي النموذج اللي بيجمع كل التوصيفات ديه بتناقضاتها و بيضم كل التصورات ديه بتضارباتها في كيان واحد، وكمان بأسمى صورة ممكنة!!
المسيحية شافت النموذج ده في إلهها المتجسد، فنلاقي مسيحيًا بيوصف "الابن" نفسه تقليديًا إنه الألف (المصدر) واليه (الغاية) والطريق (وسيلة الربط والسعى)، لإن في المنظور المسيحي الارثوذوكسي هو والملكوت المُعاش مش كيانات منفضلة ولكنه بحياته في البشر بيصير الملكوت نفسه جواهم، بحالة من التأله! وبيوصف إنه الحق (كقيم ومُثل وجودية) والحياة (كوجود حقيقي ستاتيكي) والقيامة (كعملية ارتقائية ديناميكية) وهو ذاته ”الخلاص“ (كتفعيل للإرادة المصدرية). المسيحية شافت في الابن المتجسد prototype بل archetype للوجود كله وشافت فيه كيان كوزمولوجي للكون كله مش للبشر بس، مش بس ككيان مشخصن، ولكن كمصدر وقاعدة وجود تشخيصية للكينونة (كأقنوم) بمحدودية إنسانية مندمجة بلا محدودية لاهوتية ومنها منطلقة لصبغ الكل بذات المزج الإنسالهي، وكإنه بيجمع فيه كل أبعاد الوجود سابقة الذكر وكل كيانات الوجود المُدرَكة المشروحة في أول المقال كنموذج أوَّلى ومثالي للوجود ذاته ولكل الموجودات في صورة ”خلاصية“!