الكنيسة [الرحم الأرثوذكسي] مستشفي مش محكمة، عبارة قالها ق. يوحنا ذهبي الفم من قرون، وأرست مفاهيم كتيرة عن الألوهية في الفكر الشرقي، من غير المفهوم ده هتتشوه بالتبعية مفاهيم كتيرة... اتأمل فيه لثواني واستوعبه كويس أرجوك قبل ما تكمل قراية ...
عشان نفهم الفكر الأرثوذكسي ورؤية المنظومة الإيمانية الأرثوذكسية للإجهاض، لازم نفهم نقطتين كويس من المنظور الشرقي الأرثوذكسي: الإنسان، والحياة! لا يمكن فهم الإجهاض من منظور أرثوذوكسي من غير فهم سليم متأصل على النقطتين دول، فهوضحهم باختصار:
١. الإنسان في الأرثوذكسية مش مجرد مخلوق له حقوق وعليه واجبات سواء لبقية المخلوقات أو للإله، ولكنه كائن في حركة سعى متواصلة للتأله، مخلوق إلهي غرض وجوده كونيا إنه يعمل حركة تغيير في الكون ويرده لله متأله في دورة إفخارستيا، الإنسان في الأرثوذكسية امتداد للمسيح من خلال جسده المسياني، كل إنسان مدعو إنه يكون جزء في ذبيحة كونية افخارستية!
٢. الحياة في الأرثوذكسية مش مجرد تفاعل بيولوجي كيميائي، ولا هى قوة موظفة لأعضاء الجسد، ولكنها "حياة إلهية"، تيار متدفق من الله ذاته، بيشترك فيه الإنسان عشان يديه قدرة على غلب الفساد الكوني، والعدمية الإلزامية بحسب طبيعتنا اللي متحتويش أى قدرة حياة ذاتية، الحياة الإنسانية حياة إلهية في الكائنات البشرية، شركة في الله!
نرجع لنقطتنا الأصلية، إيه موقف الأرثوذكسية من الإجهاض ؟ الإجابة المختصرة: "ملهاش موقف حكمي، ولكن موقف إغاثي"! ... لو عندك طولة بال كمل قراية الإجابة المطولة ... الأرثوذكسية مش محكمة محللات ومحرمات، ولا هى مجموعة تشريعات زمكانية، الأرثوذكسية منارة مضيئة في وسط محيط كوني أمواجه عاصفة مغرقة في ليل سقوطي حالك! ... الكنيسة مهياش مجموعة عقائد، ولا مبنى اداري hierarchical، ولا حتى مزيج دوغمائي فكري، الكنيسة مجموعة لوغوى بشرية مجتمعة في مسعى لانقاذ كل ايد بشرية ممدودة بتطلب خلاص في وسط العاصفة ديه وبتشب فوق ضربات الموج عشان تتنفس قبل ما الموج يغمرها كليا وينزع حياتها في انتصار جديد للكون المشوه على البشرية المهزومة
مش ده الكون اللي اتوجدلنا اولا، ولا ديه الخليقة الابداعية الإلهية، احنا عايشين في كون ما بعد السقوط، كون متمرد على الإنسان، بيحطه يوميا في صراعات أكبر من قدرته على تخطيها واجتيازها، كون عاصي للإنسان، كون متسلط قوى مستعبد لكل ملكات الإنسان الأصلية، كون دايما في تحدي مع المخلوق المتأله إنه يدوس على راسه ويرجعه للعدمية العتيقة ... في وسط المعركة الحامية ديه الأرثوذكسية مش واقفة في برجها العاجي تنادي بيوتوبيا فضائلية وبمثل عليا اخلاقية تزيد صراع الإنسان الداخلي، ولكن شخص المسيح بيدخل في علاقة ازلية مع كل اقنوم انساني، بيجوز معاه أعمق صراعاته الداخلية بشخصه وبعلاقة مباشرة مش بتشريعات نصية وفواصل مازورية مازوخية للصواب والخطأ المجرد
موقف الإنسانية من كل حياة جنينية، موقف تقديس لكيان إنساني متحد بالإله، مش مجرد موقف احترام للحياة الإنسانية، لكن موقف "تقديس" لإن الحياة الإنسانية اللي بتبزغ للوجود ديه فيها انطولوجيا بعد الهي، وحياة الهية غير منفصلة عن وجودها ومسببه ... هل معنى ده ان الأرثوذكسية بتحرم الإجهاض؟ لأ! ... قصدك بتحلله؟ برضو لأ! ... الأرثوذكسية مش برج متعالي فضائلي لل cosmological norms ! ولكنها الإله ذاته في اجتيازه مع البشرية الصعوبات اليومية ... كل ده بدون تصالح مع الفساد الكوني ولكن في خوض صراع مخاضي متواصل بيعلن فيه يوميا ان الفساد الحالي والصراخ الحالي دلالة تشوه كوني وتغرب بشري في كون ساقط
صراع تفضيل حياة أم على حياة جنين للحفاظ على حياة الأم ينتهي بالاجهاض، أو صراع طفل هيتولد مشوه ينتهي بالإجهاض، او صراع طفلة هتتولد بقدرات ذهنية تمنعها من الحياة العاقلة ينتهي بالإجهاض، او صراع جنين هيتولد بألم دائم ينتهي بالإجهاض، أو حتى صراع مواجهة مجتمعية ... الخ، كلها صراعات الكون المتمرد ما بعد السقوط، الأرثوذكسية مش بتحط رجل على رجل وتقول للأب والأم "اعمل الصح!"، ولكن مسيح الأرثوذكسية مسيح بيجوز الألم الشخصي للأب والأم بصورة داخلية غير منظورة ماديا، وأيا كان قرار الأبوين فمسيح الأرثوذكسية مبيبصلهوش بعين نقدية تحليلية قضائية، ولكن بيبصله من خلال دوافع النوس الإنساني التيليولوجية، الغرض من الفعل، هل كان محبة ورحمة وخوف عليه وحنو، ولا تفضيل ذات وايثار نفس وهروب من مسئولية، وفي كل الحالات (سواء المصيبة أو مخطئة الهدف) بيهزم الإله من محبته!
في كل الحالات مبتكونش النظرة الأرثوذكسية نظرة انت مخطئ ولا انت مصيب، ولكن نظرة راحيل الباكية على اولادها، ولكن الفرق ان ليها معزي، نظرة كون مشوه كئيب مقبض للقلب، كون في حالة chaos (اضطراب كوني)، كون محتاج إنسان يتأله ويعيد تأليه الكوزموس كله معاه، فبرغم إدراك الوعى الأرثوذكسي الكلي إن الإنسان كيان متأله و الحياة حياة إلهية، ولكن بتظل الأرثوذكسية ايد مدودة في وسط امواج وظلمة، مش صوت مطرقة محكمة بيعقبها حكم قضائي، نفس النظرة ديه بتبص بيها الأرثوذكسية على المنتحر بس ده موضوع يطول الحديث فيه! ...
برغم ان الأرثوذوكسية منارة بتعلن مكانة الحياة والإنسان، ولكن بتبقى الكنيسة (اللوغوى المجتمعة في مسيرة اتحادها باللوغوس) في موقف أموي، موقف مدرك للصواب والخطأ لكنه مغلوب من حبه، مفيش شئ يغلب مسيح الأرثوذكسية الا ألم وصراخ وتلوي أجنة رحمه الكنسي في صرخات طلقات المخاض العتقي ... كلنا كأقانيم بشرية في رحم كنسي، في انتظار طلقات الإيلاد، كلنا بدون استثناء منتظرين عتق من الرحم ده للخروج اسخاتولوجيا للكيان الإلهي الأكبر غير المدرك ... في وسط ده المسيح هو المولّد كطبيب، والله بيعطي حياته تدريجيا للأجنة للخروج من الرحم الأموي للرحب الإلهي ... هو مدرك ومختبر تماما للصرخات الألمية لكل جنين مننا في الرحم الكوني الحالي، وصراعاته الداخلية اليومية، ولإنه مقدر وملم تماما بأهمية الحياة الانسالهية، فهدفه خروج كل كائن مننا لينضم للوغوس والحياة الحقيقية، ومش ممكن يجهضنا في طلقات رحمنا الأموي مهما كان تشوهنا واعاقتنا وسوء قراراتنا، المسيح غير مجهض للرحم الكنسي-الكوني، حتى لو صرنا في رحمنا بتألمنا وتشوهنا مجهضين ذواتنا واجنتنا، فهو بيبقى أمين ولا يجهض أجنة عروسه مهما كانت حالتهم، لان حياتنا عنده أغلى من ألمه!
المسيحية مستشفي وليست محكمة ...
يا ترى بجانب كونك مريض مقيم في أروقتها،
بتشتغل فيها قاضي ولا طبيب ؟