قراءة الكتاب اللاهوتي (وأى كتاب فكري لأى مجال بصورة عامة) مش مجرد قراءة سطور نصوصه وحروف كلمات عباراته، ولكنها أولًا قراءة في فكر الكاتب، في خلفيته الثقافية والحضارية، في وعى زمكانه وعوامل التأثير المتبادلة بينه وبين محيطه الثقافي.
قراءة النص هو دراسة للنص ولعوامل تكوين النص وأخيرا قراءة للمتن كمستوى تحليلي أدنى، قراءة النص هى عملية دراسة للفكر وتحليل وتفصيص لعوامل تكوين الفكر ده، والتأثيرات اللي أنتجت الفكر اللي أنتج النص، لإن مفيش كاتب لأى نص بما فيها النصوص المقدسة كتب بمعزل عن ثقافته ووعى عصره الجمعي للزمان والمكان اللي نشأ فيه.
وعلشان كده التقديس الأعمى للنص (أى نص) وإدعاء ملائمته لكل الأزمنة والأمكنة -بقراءة صبيانية خالية من دراسة عوامل البزوغ والتكوين- وإدعاء أعلوية الكاتب لانتسابه لفئة ”كُتّاب النصوص“ [الأعلون] هى ثقافة جدت مع بعض الديانات-الوحييّة اللي بتؤمن بنصوص مُنزّلة إلهية تتخطى الوعي الجمعي لثقافة وحضارة الكاتب بتشريف إرسالي-نبوي يغيّر صفات وطبائع الكيان البشري وتدرج نمو وعيه عن المعيار الطبيعي لتدرج نمو قرناءه، وده مش توجه مسيحي أبدًا ولا حتى هو توجه عقلاني، ولكن للأسف أصابتنا العدوى.
فرجاء وأنت بتقرا أى كتاب ديني مقدس، سواء الكتاب المقدس، أو كتابات الآباء، أو الليتورجية، أو حتى أى كتاب فكري مش ديني، لازم تفهم الخلفية الثقافية والحضارية للكاتب اللي نشأ عنها النص، لإنك لو تصورت إن الكاتب قدر ينفصل زمكانيا عن ثقافة عصره وبيئته، فترة يتحول فيه لكائن لازمني ولا مكاني غير مؤثر وغير متأثر، لغاية لما يخلص تكوين النص، وبعدين يرجع تاني يكون عنصر من عناصر بيئته الطبيعية بما لها وما عليها، فأحب أبشرك إنك مش فاهم يعني إيه قراءة [في] النص، لا بمنظور مسيحي سليم ولا حتى بمنظور عقلاني سليم ... خد النص التالي كمثال لواحد من أعمدة الأرثوذكسية:
« وليس من الكذب في شىء حقًا، أن يقول المرء إن عقول النساء نسائية، وإن لهن نفسًا أنثوية، فلا يقدرن على الفهم بسرعة، لكن طبيعة الرجل نوعًا ما هى أكثر قابلية للتعلّم، وأكثر استعدادًا لإعمال الفكر، إذ لهم عقل متيقظ للحكمة، وإن جاز التعبير، فإن ذهنهم دافىء، وناضج إنسانيًا »
— ق. كيرلس الكبير، شرح بشارة يوحنا، مجلد ١، نصوص آبائية ١٧٣، ترجمة المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٣م، فصل ٤، عدد ٤: ١٦، ص ٢٢٩، مترجم عن Patrologia Migne Greaca Vol.73
لما تقرا النص ده متجريش تبرر نص ق. كيرلس أبدًا زاى ما بعض الديانات الأخرى بتبرر نص مشابه عن الضعف العقلي للمرأة، بص للنص من منظور زمكانه، تفهّم الثقافة الذكورية اللي كانت في العصر ده وفي البقعة الجغرافية ديه، تفهم إن الثقافة ديه مش بس فرضت معطياتها، ولكنها عشان تبلغ قبول شعبي أوجدت مبرراتها الصبيانية عشان تخليها دعامة لمعطياتها، فابتدت تنشر مفاهيم عن المبررات، لإن في أى أيديولوجية أغلب الأحيان النتائج بتسبق الأسباب بعكس التسلسل المنطقي، يعني بتتوجد القناعة، وبعدين ينشرولها مسببـ[ـات] لإعطاءها نكهة منطقية، زاى الحديث هنا عن النفس الأنثوية والعقول النسائية وقابلية التعلم
لما تقرا نص زاى ده كمثال، تفهّم إن ق. كيرلس غير مفصول عن الوعى الجمعي لثقافته، هو نشأ فيه في طفولته، ودرج عليه، وتشبّع بيه زايّه زاىّ أى شخص في زمكانه، ويمكن ناقشه في يوم مع معلم ليه، واتواجه بفكر بمعطيات عصره أقنعه، وقِس على ده نقاط كثير زاى: تعاليم بولس الرسول عن المرأة والعبيد والملوك، مفهوم لوط عن ملكيته التامة لابنتيه وعرضهم على الآخرين جنسيًا، وتعاليم ق. الأنبا شنودة رئيس المتوحدين عن هدم المعابد الوثنية، وتعاليم ق. يوحنا ذهبي الفم عن ذبح اليهود، ونظرة اغسطينوس للزواج، ورأي الأب متى المسكين في وجود تليفزيون في المنازل، كلها غير مفصولة عن ثقافة عصرهم.
تفهّم إنهم لا هم يملكوا معطيات عصرك، ولا أدواتك المعرفية الحضارية، ولا حتى يملكوا ذخيرة التقدم السوسيولوجي اللي إنت اتولدت لقيت نفسك فيه بدون أى فضل منك. خد بالك كمان إن نظرتك لسبقك السوسيولوجي عليهم نظرة قاصرة، لإن ده ناتج بدوره عن تأثرك اللا إرادي بالوعي الثقافي الحضاري لعصرك مش لإنك ليك أفضلية ذهنية أو انتساب عقلي أسمى منهم، يمكن برغم تأثرهم بوعى جمعي لزمكانهم [أقل بمقايسنا الحالية] لكنهم يتفوقوا عليك في قدرتهم على كسر حواجز سوسيولوجية تانية للوعي الجمعي لزمكانهم، إنت حاليًا عاجز تتخطى مثيلها ومقابلها في الوعى الجمعي لزمكانك، ممكن! كلنا مجرد حلقة في سلسلة تطور سوسيولوجي، فيه هتدين الأجيال المتعاقبة سذاجة مقاييس الوعيّ الزمكاني السابق لها
ده ميشيرش أبدًا لصحة التعاليم السوسيولوجية للخلفيات الثقافية والحضارية اللي سبقتنا (بمقايسنا الحالية)، إطلاقًا، بالعكس واجبنا نقيّمها بأدوات عصرنا ونبرز قصورها مقارنة بزمكاننا لتنقيح محتواها، عملية التنقيح الذهني والتمييز بالمفهوم المُشار ليه ده هو المعنى الصحيح لـ”قراءة النص“، بس الأهم إن القراءة في الـCultural Background بتخلق رابطة تَفَهُّمِيّة بينك وبين الكاتب تسمح لك تقيّم فكره بشكل حيادي سليم، بدون شطط فكري سواء كان شيطنة أو تأليه، وبيديك إدراك لمفهوم الثقافة ككائن حى بيتحرك وينمو وأحيانًا يشيب ويمرض وممكن يحتضر ويموت! وده بيؤهلك لمَلَكة إفرازية استخلاصية لمادة الإفادة في النص (أى نص). الخلاصة اقرأ [في] النص مش مجرد تقرا حروف النص!
ــــــــــــــــــ
الصورة المُرفَقَة تعد أقدم عمل فني بشري معروف حتى الآن، يرجع تاريخها لأكتر من ١٧٠٠٠ سنة في الماضي، تم اكتشافها في بعض الكهوف المعروفة بكهوف لاسكو في مدينة مونتنياك بمقاطعة دوردونىّ بفرنسا. المميز في العمل الفني ده إن بتحليله تم اكتشاف إن أجيال كتير في العصور القديمة تعاقبت على تكوينه لبلوغ الحالة النهائية، ونتج عنه بالإضافة للوحة ديه ٦٠٠ عمل فني آخر في الكهوف (لحوالي ٦٠٠٠ شكل)، وكإنه معرض للفن والمعتقدات البشرية لقرون كتير داخل الكهف بيُوضَح فيه تطور ونمو الوعى والحس البشري وتضافر تكوين عناصره لعصور متعاقبة