« الكلام اللي هقولهولك يا بني للي اتفطموا، وصعب كل حد يقبله إلا لو كان مستعد بقامة روحية للتعليم ده. بص يا بني، تعاليم الكتاب فيها أفكار واشتياقات الشعب اليهودي، وفيها كمان تعاليم بعيدة عن إنها تمثل شخصية وتعاليم الآب السماوي بشكل سليم، ده بيخلينا محتاجين دايمًا تمييز كبير إزاى نلاقي رسالة الملكوت السماوي وسط التعاليم ديه كلها، فضيلة التمييز ديه هبة عظيمة!
الكتابات ديه فيها عمل مجموعة من البشر، بعضهم قديسين وبعضهم مكنوش قديسين بشكل كافي، عشان كده هتلاقي تعاليم بعض النصوص ديه بتمثل تصورات ووعى العصور التي اتوجدت فيها. ممكن تلاقي أخطاء في النصوص لإن اللي كتبوها ونقلوها بشر، بس أوع تفهم غلط، لإن رغم ده هى بتمثل أعظم تجميعة حكمة دينية وأعظم حقايق روحية ممكن تلاقيها في كل العالم لغاية وقتنا ده.
إنت عارف يا بني، كتير من الأسفار ديه مكتبهاش الناس اللي احنا سمينا الأسفار على اسمهم! وده ميقللش أبدًا من قيمة الحقايق اللي فيها. وعندك مثلًا قصة يونان، حتى لو اكتشفنا إنها محصلتش بتاريخيتها، ده حتى لو مكنش فيه حد عاش اسمه يونان أصلًا، ولا هيفرق، لإن عمق الحقايق الروحية هيفضل موجود في القصة، وهتفضل القصة صحيحة لغايتها الروحية: هيفضل حب الله لنينوى وللشعب الوثني اللي رافضه هو المحور، وهتفضل مكانتهم الغالية في عينيه مهما كان إيمانهم هى الرسالة والحقيقة الثابتة وسط كل المتغيرات.
الكتاب المقدس مقدس يابني عشان بيمثل واقع وأفكار وأعمال ناس كتير قضوا حياتهم بيدوروا على ربنا، وفي كتاباتهم سجلولنا خبراتهم وأعلى ما وصلوله من تصوراتهم عن بر الله وعدله وقداسته، بس متنساش إن ديه أقصى قدراتهم التصوُّرية لتنزيهه بمقاييس فهم عصرهم عن البر والعدل والقداسة، على أد قدرتهم ووعيهم بحسب اختبارهم، عشان كده الكتاب المقدس مليان حقايق، حقايق كتير، ولكنه برضو مليان تصورات بشرية محدودة ومشوهة لصورة الآب السماوي المحب من غير قصد.
إياك يابني تسمح لنفسك إنك تتخيل أو تآمن ولا حتى للحظة إن إله الحب قال لأجدادنا أنهم يروحوا ويدبحوا أعداءهم ويهلكوا مدنهم زاى ما النصوص بتقول، و إياك تصدق إن إله الحب يأمر بقتل النساء والأطفال، أو حتى بالسبى، سامع كلامي كويس، إياك! كل ديه كلمات البشر وأفكارهم وتصوراتهم الخاطئة عن الارادة الإلهية، تصورات غير مقدسة منهم، مهياش أوامر إلهية، إلهنا أنقي وأجمل وأكتر حب. الكتاب كان دايما بيعكس أفكار ووعى الشعوب ومعاييرهم الأخلاقية والحضارية للعصر اللي اتكتب فيه الأسفار.
لو ركزت هتاخد بالك إن التصور عن يهوه كان بينمو في الجمال والبهاء من تاريخ أقدم كتاب لتاريخ أحدث كتاب في مكتبة كتب الكتاب المقدس، ومتنساش إن اللي كتبوا لا كانوا مؤرخين ولا هم فلاسفة، معايير الدقة التاريخية كانت ضعيفة جدًا ووسيلتها تناقل شعبي في حكايات، التاريخ مبيتكتبش كده ولا ديه أدواته، ولا حتى سليمان تتقارن فلسفته بارسطو أو سقراط أو افلاطون أو حتى الرواقية، كان فيه برة الشعب العبراني نمو فلسفي يفوق كل اللي اعتبرهم العبرانيين فلاسفة من شعبهم، فأوع توهم نفسك إنه نصوصه أعظم فلسفة وأدق تاريخ، لا يابني الكتاب مش هدفه لا الفلسفة ولا التاريخ!
بس اللي صعب تهضمه هقولهولك دلوقتي، مهياش أعظم معضلة إن الكتاب مفيهوش كمال مطلق ولا إنه مش معصوم، ولكن أصعب معضلة إن حتى محاولات تفسيره كانت محكومة لقرون بسجن الاجترار، سواء كتبة أو فريسيين أو رابيين، ناس وعي أغلبهم كان محكوم بثقافة أورشليم في عصر عتيق، أساءوا فهم معنى الوحى، وكانت تفاسيرهم أقصى ما وصلوله وسجنوا فيه نفسهم و كمان سجنوا اللي بعدهم، وده خلانا نفهم إن سجنهم ده يقدر يسجن الله كمان وإعلانه لينا! متنساش أبدا يابني إن الآب مبيتسجنش أبدًا بكلمات مهما كانت، ولا يمكن تحصر وتحد إعلاناته حروف وأوراق ولا عصور ولا أشخاص!
وللأسف، ناس كتير دلوقتي بيبحثوا على الحقيقة بأمانة شديدة، بس النصوص بتصدمهم وبتتقسَّى قلوبهم مع كل قراية، لإنهم فاكرين إن فيه مثالية إلزامية في الكتاب! يا بني الحق موجود وساكن في كل حىّ، بيستعلن فيه، مبيستعلنش في أخشاب ميتة (أوراق) ولا حبر كلمات على ورق، الحق بيستعلن في كائن حى تتعامل معاه وتتلامس معاه يكون ساكنه الروح، عشان كده مينفعش تاخد معرفة إلا بتلمذة من حد اختبر وعاش واستنار بنور إلهي.
افتكر يابني دايما كلامي ده، وحطه حلقة في ودنك: مفيش حاجة يشارك فيها البشر وتبقى معصومة، بمفهوم عصمة عدم الخطأ بكل صوره، النور الإلهي ممكن يستعلن في الذهن البشري، ولكن انعكاس بريقه ليك لازم يبهت شوية عن الأصل ويكون جزئي مش كلي. مشكلتنا اننا عطشانين لمفهوم العصمة، بنحلم نلاقي كمال في كون مينفعش يتصور فيه أى كمال، حتى ولو تصور ذهني، مينفعش! لإن النور الإلهي النقي طالما اتحط في قالب ذهني نصي هيضلِّم ويبهت وياخد شكل القالب والاناء اللي اتحط فيه. أوع يابني يتسلط عليك نص، شكّل ارادتك على صورة الارادة الإلهية بالروح اللي فيك مش بالحرف اللي بين ايديك، متخافش من سلطة نص، انت مش عبد، انت ابن!
بيحزنني جدا يابني اني الاقي شيوخ معلمين عارفين الكلام ده، واللي قدامهم وصل لقامة تسمح له يهضم الكلام، وبرغم انهم عارفين كويس محدودية النص الكتابي، ولكنهم بيخافوا يتلمذوا اولادهم صح، بيضطروا يكونوا غير امنا، هم عارفين الحق، بس بيفضلوا يخبوا الحقايق عشان ميتعبوش اللي قدامهم، هم فاكرين هيتعبوه، بس اللي بينسوه ان تلميذهم لازم يتفطم مينفعش يرضع طول عمره، دور شيخك يفطمك، لو فضل يرضعك علطول مش هتكبر أبدا! وبتكون مشكلة أكبر لما التلميذ في تلمذته يدوق الطعام بعيد عن أبوه لوحده ويكتشف الحقايق قبل ما ابوه يفطمه، بيتعب، وبيشك، وبيخسر كتير من سلامه، وممكن يهلك، دورك يابني تكشف قلبك في تلمذتك لابوك، ولو هو أمين هيديك أكل يناسب اتساع ونمو قلبك!
كلامي ده ممكن يكون صعب عليك دلوقتي، ممكن متتقبلهوش بسرعة، بس أنا عارف سلمتك اللي انت واقف عليها. فكر فيه تاني وتالت، وصلي انك تفهمه، متطلبش عطايا مادية، اطلب معرفة سليمة من أبي الأنوار، ووقت ما هتفهم كلامي ده هتعرف ذاتك الحقيقية لانك هتعرف مكانتك الحقيقية، ووقت ما هتعرف مكانتك هيكون أى حاجة بتتلامس معاها بأى حاسة عندك هى كتاب مقدس خاص ليك! »
مقتطفات من نقاشي مع أبي الروحي، الشيخ الناسك المُلتَحِف بالروح
__________
اللوحة لـ "جانيس فان كرونخيت"، بعنوان "القفز في قلب ماء"، تصور الروح القدس كأنهار ماء حى مختلط بنار مُنقية مخلوطة بدماء خلاصية، يحيط بالإنسان حُبًا في شكل قلب، وداخله يبتهج الإنسان رقصًا طائرًا في تعبير عن الفرح والحرية حين يلتحف الإنسان بالروح