وثنية النص - حوار مع أبي الروحي


« النصوص يابني اتحولت لأوثان معبودة جديدة، خاصة النصوص اللي بيتبصلها على إنها كلام إلهي، كلمات متقالة لفظيا، و بالمفهوم ده اتحولت النصوص في الديانات لسجن صنمي جديد بيحبس كل إمكانيات وقدرات الإنسان الروحية. يا بني ديه حتى محاولات موسى إنه يلغي الوثنية والأصنام اتحولت لوثنية جديدة وأصنام جديدة! الأصنام الجديدة ديه مش بس بتمنع النمو الروحي، ديه في بعض الديانات بتموت القدرة على الاستمتاع بالفن والجمال وبتحرم خلقه!

عند الإنسان البدائي، كانت الأصنام الكلامية ديه ليها مهابة، النص كان مخيف وليه سلطان، والنص المخيف اتحول مع الوقت وبقاله ابن بكر في صورة عقيدة محلل ومحرم، أو عقيدة صحة وخطأ فكري، واستعبد الإنسان للنص، ولابنه للمحلل والمحرم وللاستقامة والهرطقة، وحول العقيدة اللي نتجت من النصوص لأوثان وأصنام جديدة، وأى صنم عقيدي يا بني بينتج عنه إنسان متعصب، والتعصب العقيدي بينتج عنه انعدام تسامح، وانعدام التسامح لابد ينتج عنه وحشية وقسوة

المتدينين المتعصبين بيبصوا لنصوصهم المقدسة مش بكونها بس صحيحة، ولكن على إنها بتحتوي كل صحة ممكنة ومحتملة، وإن الكتاب اللي مجمعها بالضرورة فيه كل الحقايق اللي في الكون، فلو نص قالهم الأرض مسطحة، تبقى مسطحة، لو قالهم قصة تبقى لازم حصلت حرفيا بغض النظر عن عدم منطقيتها العلمية، وده لقرون خلا الإنسان عاجز على اكتشاف الحقايق العلمية، لإنه كان متخيل إن كتابه فيه كل الحقايق اللي في الكون، سواء علمية أو تاريخية أو اخلاقية، كل حاجة ممكن تتخيلها موجودة من الجلدة للجلدة، لدرجة إن لفترة كانت الديانات بتحارب الاكتشافات العلمية عشان مينهارش وثنها النصي اللي بتعبده، وبتعاقب العلما كهراطقة! البحث والعلم كانوا محرمات!

عارف يابني بيجيلي ناس يقولولي إنهم بيفتحوا الكتاب عشوائي على أى صفحة، وأول عبارة عينهم تقع عليها يقولك ربنا بيكلمني بالجملة ديه! أوع تكون فاكرني بهزر، أنا بتكلم جد! مش بس كده دول بياخدوا على أساس النص ده قرارات في حياتهم، قرارات مهمة، يتجوزوا، يقبلوا وظيفة، يذاكروا جزء من المادة الدراسية أو ميذاكروهاش خالص لإن ربنا عارف إيه اللي هيجي في الامتحان، أو حتى يقرروا يدخلوا أنهي كلية! ده يا بني ميفرقش خالص عن الديانات الوثنية اللي كانت بتسأل العرافين وأصنامها ومعبوداتها الوثنية الحجرية! بس الفرق إن الوثن الجديد عندهم هو كتابهم المقدس، لإن النص بقا صنم ليهم

ديه مش حاجة جديدة اخترعت حديثا، أبدا، ده الإنسان البدائي مكنش قادر يتخلَّى عن أوثان دياناته الجديدة فخلقها في ديانته المسيحية، حول النص لوثن معبود، لكن مع تطور الزمن، ونمو الوعى، ابتدا الإنسان يتخلص من الوثن النصي ده، بس فضل بيقدره ويحترمه، ولكنه فضل بيخاف جدا يقول انه غلط كنص، ومن هنا ابتدا يفكر في النص كرمز أو كإشارة، يخلقله عمق معنوي يديله مساحة حرية أكبر، عشان ميتخلاش عن وثنه، بس يتخلص من سجنه ليه، سجن التشريع وسجن الأساطير البدائية، أو سجن القواعد الأخلاقية اللي مبقتش أخلاقية خلاص بعد مرور قرون كتير، حتى حكمة النص اللي كانت حكمة في زمانها مبقتش دلوقتي حكمة وسط فلسفات قوية اتطورت زمنيا، فكان لازم الإنسان يدي معني فوق المعني، كان لازم يطلع من السجن بس يحافظ على الصنم محدش يمسه كصنم معصوم!

اعرف يا بني إن أى نص عشان يتحول لصنم لازم يتحط عليه علامة إنه وحى، لإن الوحى معصوم، وحي الهي، لان ربنا معصوم، وياريت لو كان املائي عشان محدش يشكك فيه وساعتها عصمة الله تتنقل للنص اجباريا، وللأسف لفترة طويلة كنايس في الغرب اتعمدت تركز على المفاهيم ديه عشان تاخد سلطة على اتباعها، زمان يابني ولزمن قريب في أوروبا كانت الكنيسة متجوزة السلطة والحكم، وكان النص أقوى صنم بيركع له الكل، لدرجة إن الكنيسة كانت بتعتبر ترجمة النص كارثة، لإن الترجمات كانت تعدد أصنام ممكن يفقدها سلطتها الاحتكارية على النص الأوحد المعبود اللي بتمتلكه.

كل ده كان يناسب عقلية بدائية، عقلية يهمها تركع لصنمها، ولو ملقتهوش عشان تركعله هتخلقه، الغريب يا بني إن لسه العقلية البدائية ديه موجودة لغاية دلوقتي عند ناس كتير، واللي عرفوا يتخلصوا من صنم النص، بعضهم لسه متخلصش من ابن الصنم البكر: صنم العقيدة، ربنا يا بني مينفعش يكون جنبه أى أصنام! مينفعش يجتمعوا »
 
مقتطفات من نقاشي مع أبي الروحي الشيخ الناسك المُلتَحِف بالروح
أحدث أقدم