المنهجية ‏البحثية ‏للقديس يوحنا ‏الدمشقي


في واحدة من أروع كتابات ق. يوحنا الدمشقي: كتابه/رسالته اللي بعنوان "ينبوع المعرفة"، وهى كتاب/رسالة طويلة موجهة منه لصديقه الراهب الأب "كوزماس ميلودس" أسقف "ميوما"، وضّح ق. يوحنا الدمشقي في مقدمة الرسالة ديه، أسس منهجيته البحثية لما بيتطرق لحديث عن اللاهوت. وبرغم مرور قرون كتير جدا جدا على وضعه للأسس ديه، إلا إن بمراجعة القواعد البحثية اللي أرساها في المقدمة، نقدر نلاحظ إنها ممكن تحل خلافات لاهوتية معاصرة كتير، لكثيرين في كنيستنا القبطية من اللي أساءوا فهم المنهجية البحثية في اللاهوت، فضلوا وأضلوا ... في البوست ده هوضحلكم منهجيته زاى ما هو شرحها في مقدمة رسالته، هلخصهالكم في ٦ نقط بعامية مبسطة وشرح مبسط، وأتمنى كتير يستفيدوا منها ... 

١. المعرفة اللاهوتية هى "رؤية إلهية":
المعرفة اللاهوتية مينفعش الحصول عليها إلا بتنقية الذات أولا، الإنسان عشان يتكلم في اللاهوت، واللي يشرح اللاهوت لازم ينقي ذاته أولا، فبيقول ق. يوحنا: «مَنْ يُنَقِّي عُيُونَ رُوحِهِ، بِمَسْحِ الاِنْعِكَاسَاتِ المَادِّيَّةِ، وَقْتهَا فَقَطْ يَصِيرُ مُلَائِمًا لِلحُصُولِ عَلَى الرُّؤْيَةِ الإِلَهِيَّةِ» ... بمعنى إنك مينفعش تكون مفتقد للمنهج المسيحي المعاش، ويخرج منك حديث لاهوتي مستقيم، لإن بدون تنقية، لا توجد رؤية إلهية، وبدون رؤية إلهية فالمعرفة ذاتية غير مستقيمة

٢. إدراك الضعف الذاتي باب لاستقبال المعرفة الإلهية:
عشان الإنسان يتكلم في اللاهوت، واجب عليه يكون مدرك تماما لعدم أهليته للخوض في الحديث عن اللاهوت. بمعنى إن اللي متخيل إنه علّامة زمانه وهو اللي مؤهل يحمي العقيدة من الزيغان، مش مدرك لضعفه الذاتي، وده هيمنع المعرفة الإلهية تعينه بالنعمة لإنه معتمد على قوته ومعرفته الخاصة، عشان كده الق. قال: «كَيْفَ لِي، أَنَا، الَّذِي لَمْ أَنقي لَا ذِهْنِي وَلَا فهْمِي، لِيصيروا مِرْآةً لِلهِ وَاِنْعِكَاسَاتِه الإِلَهِيَّة [أن أتكلم عن اللاهوت] ؟»

٣. الجهل الحقيقي ليس عدم ادراك شئ، ولكن وهم ادراكه:
ديه أخطر نقطة بنعاني منها حاليا في "الخناقات" المنتشرة حاليا على المواضيع اللاهوتية، إن غير المدرك للشئ، بيظن جهله بيه معرفة، وبيظن معرفة الآخر جهل، القضية كلها تتحل لو قال : "معرفش"، ولكن وهم المعرفة بيطغي وبيسبب جهل، في حين ان إعلان قلة المعرفة أول خطوات الحصول على المعرفة الحقيقية، فبيقول ق. يوحنا : «يُمْكِنُ أَنْ نَعْذرَ تُهْمَةَ الجَهْلِ، إِنْ كَانَ الجَهْل لَمْ يَنْتج عَنْ تَكَاسُلٍ [ بعدم السعى إلى المعرفة]، لَكِن أَنْ يُضَاف إِلَى الجَهْلِ: اِدِّعَاء كَاذِب بِالمَعْرَفَةِ، فَهَذَا جدٌّ خَطِيرٌ، وَيَسْتَحِقُّ اللَّوْم، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيم عُذْرٍ عَنْهُ، وَهُوَ عَلَامَةٌ بِالتَّأْكِيدِ عَلَى جَهْلٍ أَعْظَم، بَلْ هُوَ الجَهْلُ الأَعْظَمُ!»

٤. الكلام المفتقر لثمار الروح، خال من المعرفة:
معيار بسيط حطه الق. ولكنه عميق جدا، الكلام اللاهوتي السليم لا يصدر عن طارحه، بل يضعه الروح على لسان المتكلم وقلمه [حاليا كيبورده]، فلو لقينا الكلام اللاهوتي فيه بغضة وكراهية وتشهير وتعيير وتلميح وتلقيح، فبالتأكيد الحديث لا يمكن أنه يكون من الروح القدس، بل من طبيعتنا المشوّهة، حيث روح الله لا بغضة ولا خصام صبياني، القديس يوحنا عبّر عن ده ببلاغة وقال: «منْ يَتَشَبَّهُ بِالمَسِيح، يُقَاد مِنْ أَدنى المَوَاضِع إِلَى أَعْلَاهَا. وَيَحْصُل مِنْ اللهِ عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي بِهَا يَسْتَنِيرُ. فَحِينَ يَفْتَحُ فَاه، يَكُون مُمْتَلِئ بالرُّوحِ. يَصير منقى فِي قَلْبِهِ، وَمُسْتَنِيرٌ فِي فَهْمِهِ. فَيَفْتَحُ فَاه وَيَتَقَبَّلُ قُوَّةَ الكَلَامِ [من الله] وَلَا يكْتَرثُ بِمَا يَقُول، لإنه يَصِيرُ أَدَاةً لِلرُّوحِ المُتَحَدِّثُ فِيه... فَيصير الثَّمَرُ، لَا مِنْ الفَهْمِ الخَاصِّ، بَلْ مِنْ الرُّوحِ الَّذِي يُعْطِي حِكْمَةَ للأعمى»

٥. يجب الاستفادة من المعرفة التراكمية للكل، حتى المخالفين:
من أكبر المشاكل الحالية هى "شيّطنة الآخر"، "كيل الاتهامات المعلبة للمختلف"، تصوير مخالف الرأى كعدو ومتربص، بل وكيل الاتهامات بالهرطقة والابتداع، ده منهج خاطئ تماما، ق. يوحنا بيعتبر إن كل عطية معرفية حتى لو غير مسيحية هى عطية إلهية مكرمة، دورنا نستخدم المعرفة ديه بإفراز وتمييز دون شيطنة الآخر، في حالته كان الصراع مع أعظم حكماء عصره من فلاسفة الإغريق، مشيطنهمش، بالعكس قال عنهم: «يَجِبُ أَوَّلَا أَنْ اسْتَعْرض أَعْظَمُ إِسْهَامَاتِ فَلَاسِفَةِ الإِغْرِيقِ، لِأَنَّ مَا هُوَ صَالِحٌ قَدْ أَعْطَى لِلنَّاسِ مِنْ اللهِ، لأِّن أُفضلُ عَطِيَّةَ وَكُلُّ عَطِيَّةُ هِيَ مِنْ فَوْق، منْزلةٌ مِنْ عُنُدُ آب الأَنْوَارِ... فَأَنَا أَتَشَبَّهُ بِمَنْهَجِيَّةِ النَّحْلَةِ، أَقُومُ بِتَجْمِيعِ مَا يَتَوَافَقُ مَعَ الحَقِّ، مِن مُعَادِينَا ذَاتِهِمْ أَجْمَعُ ثَمَرُ الخَلَاص»

٦. إظهار النور هو المنهج السليم، لا لعن الظلام:
ديه نقطة شخصيا أنا كأشرف اتعلمتها مؤخرا، يمكن اللي متابعني من فترة كان بيشوف اهتمامي بتوضيح خطأ فلان وعلان من مسئولي التعليم، في الحقيقة ده كان منهج غلط! وأدركت خطأه بنصيحة أب مرشد روحي مختبر. للأسف فيه كتير مازالوا واقعين في المنزلق ده، وبيضيعوا وقت ومجهود وسلام أنفسهم وغيرهم في توضيح خطأ فلان وعلان، والبعض بيتمادى إلى تعمد التشهير بأسماء، لكن في الحقيقة اللاهوت الأرثوذكسي "لاهوت سلامي" لا نزاعي، تأليفي-تجميعي لا تشهيري-تنفيري، يكفي فقط إنك تضيئ نور المعرفة "الهدوئية" وهى هتزيل كل تراهات الجهل "الصخبي"، وهتزيل جهل "وهم المعرفة"، ق. يوحنا عبر عن ده وقال: «بِمَعُونَةِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ، أَوْضَحَ الحَقّ، وَالحَقُّ يَهْزِمُ الخِدَاعَ، وَيَجْعَل الخَطَأَ يهربُ... الحَقُّ هُوَ مجد يَسْطعُ دَاخِلِيًّا [من ذاته]، ويضيئ مُحِيطُه، وَمَنْ يُقَابِلهُ يَتَطَهَّر عَلَى نَحْوٍ وَافٍ، ويتنقى مِنْ اِضْطِرَابَاته المُتْعِبَة»

الخطوات الستة البسيطة ديه لو اتطبقت في خلافات وخناقات لاهوتية صبيانية كتير، هنوصل لمعرفة حقيقية مفيدة للجميع، وهنوصل لدراسة بحثية مثمرة للكل سواء الباحث او القارئ، ياريت ننتبه للمنهجية ديه، اللي ممكن نلخصها كالتالي:
١. نقي ذاتك، مينفعش تتكلم عن اللاهوت من انسانك العتيق
٢. اعرف عدم أهليتك للولوج في ما تظن نفسك فيه عالم
٣. ابحث تاني بحيادية، ظنك بامتلاكك المعرفة ممكن يكون عمق جهلك
٤. لو كلامك مخالف ومفتقر لثمار الروح، اعرف انك مخدوع بجهل مقنّع
٥. متشيطنش مخالف وتهرطقه وتدينه، اطلب فضيلة افراز وتمييز عشان تستفيد من الكل
٦. متشهرش بحد، بظن إنك بتدافع عن إيمان، فقط اعكس النور الإلهي اللي وصلك، والنور هيلاشي الظلام
٧. صلي واتتلمذ على ايد أب روحاني مختبر، الأرثوذكسية صلاة وتلمذة!

كنت أتمنى من سنين إن حد كان وجهني شخصيا لمقدمة رسالة ينبوع المعرفة للقديس يوحنا الدمشقي، لاني اتعلمت وعرفت كتير من النقط ديه بالتجربة والخطأ، وهى طريقة متعبة للتعلم! ... أتمنى المنهجية ديه تفيدك انت كمان كقارئ أو باحث، وأتمنى تغير في توجهك لو مكنتش بتتبعها، وأتمنى كمان لو مش مقتنع بيها تعيد حساباتك، وترتب أوراقك من جديد ... وربنا يديك المعرفة الاستعلانية، ويبعد عنك وهم المعرفة والجهل المقنع بمعرفة زائفة...
أحدث أقدم