للاهوت الكوني، تداعيات نسكية. العائق الأكبر في معالجة معضلة "الوهن الجسدي" و "عدم المساواة" [في الكون]، يكمن في علاج الآلام الإنسانية، فهذا ما يعري الميل [الكوني] نحو الاضطراب [في العالم، أى ال chaos]، حيث باستمرار تبلغ تلك الاضطرابات الحياة التي في الجسد [الإنساني] ... وهذا يُعْلَن في التهذيب الإلهي، الذي يشرف على [تهذيب] النزعات الشاردة [في الإرادة الإنسانية] وميول الكائنات البشرية ذات الأجساد. فيجب علينا إما أن نتعلم بحزم من التطهير الإلهي المباشر وإعادة التوجيه الإلهي لنا، أو نتعلم من تجاربنا الخاصة الحالية، لنمرن ذواتنا ضد الأهواء الشريرة ...
يجب أن نسعى إلى تقليد مثال ما هو فاضل/خيّر بحق، ففي أى حدث، يجب على البشرية أن تقاوم أى إمكانية لهدم تدفق "تيار الوجود الجسدي" [نمو الإنسانية فينا] من خلال التيار الأدنى للاضطراب الكوني [ ال chaos الكوني الناتج عن السقوط]. فقد تقودنا الحياة الجسدية في مسار لا تحكم كامل لنا عليه، ولكن يظل بمقدورنا [استعادة التحكم] بواسطة أعمال الإماتة [إماتة الذات] والتواضع، فتلك الأعمال من جانب تثبت نفوسنا ومن جانب آخر تعمل على تحقيق المساواة في هذه الحياة غير العادلة، تلك التى نراها حولنا ....
هناك ثلاث قوانين كونية عاملة في تدبير الخلاص والتأليه: القانون الطبيعي، والقانون الكتابي، وقانون النعمة... تمثل تلك القوانين الثلاثة خطة الله الرحيمة والخيّرة، بل والمعاقبة أيضا [تهذيبيا وليس إهلاكيا]، تجاه العالم. حيث القانون الطبيعي والقانون الكتابي يُذَلَّلْا للارتقاء إلى القانون الروحي الذي لنعمة المسيح المتجسد...
والتآلف بين تلك القوانين الثلاثة ليس مجرد اختزال [دمج] للقانونين الأول والثاني [الطبيعي والكتابي] في القانون الثالث [النعمة/الروحي]، بل من خلال علاقات متبادلة كريستولوجيا وساتريولوجيا [مسيحانيا وخلاصيا]، يلعب كل قانون دور لا يمكن اختزاله، في اتجاه تدبير "تأليه الإنسان" ... وكل قانون له تهذيبه الخاص ἀγωγή ومكانه الخاص في بشارة يسوع:
١. القانون الطبيعي يمرنّنا على التضامن الأساسي ووحدة الذهن اللائقة بأفراد الكائنات البشرية التي تشارك في طبيعية مشتركة، وهى المذكورة في القاعدة الذهبية ليسوع (مت ٧: ١٢، لو ٦: ٣١).
٢. القانون الطبيعي يقود لتهذيب أسمى، حيث تُسْتَحَثّ الكائنات البشرية، ليس بخوف من عقوبة إلهية، بل بعناق متأصل لمبدأ الحب المتبادل [بين البشر وبعضهم] ... جوهر القانون الكتابي يلخص في مقولة يسوع "حب قريبك كنفسك" (لا ١٩: ١٨، مت ٥: ٤٣، ١٩:١٩، ٢٢: ٣٩، مر ١٢: ٣١).
٣. وأخيرا، القانون الروحي، قانون النعمة، الذي يقود البشرية لمشابهة مطلقة للحب المسياني الذي أُظْهِر في التجسد، حب يرفعنا لمستوى يجعلنا نحب الآخرين أكثر من ذواتنا، وتلك علامة مؤكدة على أن نعمة التأله أصيلة [سليمة/حقيقية]. هذا هو تعليم يسوع، أن ليس حب أعظم من هذا، أن يضع الإنسان حياته من أجل أصدقائه (يو ١٥: ١٣) ...
إن القوانين الثلاثة توضح النهايات الرئيسية التى دعيت إليها الطبيعة البشرية، القانون الطبيعي يتيح لنا التمتع الأساسي بالوجود (τὸ εἶναι)، والقانون الكتابي يتيح لنا التمتع بحالة أسمى من الوجود المستحسن (τὸ εὖ εἶναι)، والقانون الروحي يتيح لنا التمتع -بابتهاج شديد- بنعمة الوجود الحسن الأبدي (τὸ ἀεὶ εὖ εἶναι)...
________
اللاهوتي الأرثوذكسي الأب "جون بير"
عميد معهد ق. فلاديمير الأرثوذكسي للدراسات اللاهوتية
كتاب "عن السر الكوني ليسوع المسيح"
فصل المقدمة، تبويب: "المبادئ الكونية الأولية" - جزء ٢/٢