عن اللوغسموى، والتداريب الروحية الهدوئية للتعامل معها ...
الأجندة:
أ. المقدمة
ب. علاقة اللوغسموى بالسقوط والخطية الجدية
ج. ما بين اللوغسموى والمعاناة
د. تعرية جوهر وصميم الصراع اللوغسمي
ه. الآباء الشرقيين وقوائم اللوغسموى
و. مرحلة تفشي المرض اللوغسمي في الحاضن البشري
ز. الطب الروحي الأرثوذكسي في مواجهة اللوغسموى
ح. الغاية النهائية من النضال/الجهاد
ط. الخاتمة
أ. المقدمة:
بحسب تعاليم الآباء الأرثوذكسيين الهدوئيين، التداريب الروحية بتتمحور حوالين اللوغسموى λογισμοι (لوغسمي بالنطق الحديث، ومفردها لوغسموس λογισμός)، وصعب جدا تفهم المنهج الهدوئي الأرثوذكسي عامة، والتداريب الروحية الأرثوذكسية المتنوعة بدون فهم اللوغسموى ... طيب، إيه اللوغسموى ديه ؟ في المقال ده هحاول أشرحلكم بعض المفاهيم الأرثوذكسية الشرقية بتبسيط، مع التركيز على إن كل تبسيط هو تشويه للحق، بس أنا هتعمد أبسط قدر الإمكان عشان التصور الأرثوذكسي يوصلكم، ومهم جدا إن تفهموا إن تعاليم المقال ده مش قامتي الشخصية، أنا مجرد بنقلكم خبرات مستيكية لآباء قديسين عظام ليهم قاماتهم الروحية، المقال طويل جدا، متستعجلش في قرايته، وخد وقتك عشان تركز، وممكن تقراه لو حابب على أجزاء
ب. علاقة اللوغسموى بالسقوط والخطية الجدية:
عشان نفهم اللوغسموى، محتاجين نرجع لمرحلة/حالة الإنسان قبل السقوط! البشر في حالة ما قبل السقوط، عاشوا في حالة كان فيها طاقاتهم موجهة لله، وكان الهدف بلوغ الثؤريا θεωρία ، الثيؤريا من غير ما أدخلك في تفاصيل، تقدر تتصورها إنها استعلان إلهي للإنسان، فيه بيحصل على نوع ما من الرؤية الإلهية (بيصفها بعض الآباء برؤية النور الإلهي غير المخلوق) والتأمل الإلهي (هيبقى لها مقال مخصوص عنها وعلاقتها بالدهش كمستوى متقدم)، ونتيجة لسقوط الإنسان، حصلت عملية نقدر نوصفها على المستوى الفكري انها عملية "انفصال" عن الله، طبعا التوصيف مش دقيق، لإن التغيّر اللي حصل في الإنسان كان تغيّر "كياني/وجودي" بس محتاجين نتخيلها في عقلنا كانفصال أو تغرب! ونتيجة للانفصال والتغرب ده ابتدت المعاناة البشرية والاضطراب الكوني (اللي بيعبر عنه بال chaos - χάος وده برضو هيبقاله مقال مخصوص)
ج. ما بين اللوغسموى والمعاناة:
ليه ابتدت معاناة الإنسان؟ عشان نفهم ليه حصلت معاناة، محتاجين نتكلم لثواني عن النوس (νοῦς / νόος)، النوس في الإنسان تقدر تتخيله إنه "عيون العقل"، وممكن مؤقتا تفهمه على انه الذهن أو القلب، بس مش الذهن المنطقي الفكري ولا القلب اللحمي البيولوجي، مؤقتا اتخيله كحاسة انسانية مميزة او بحسب الترجمات العربية: ذهن/قلب ( لو مهتم تقرا اكتر عن النوس، انا كتبت عنه هنا: https://bit.ly/2LkEQso) ... بعد السقوط الإنساني، النوس الإنساني اتحولت من كونها مستقبلة (receptive) للثؤريا، لمستقبلة بل ومنتجة للوغسموى، يعني بتبسيط مخل، اللوغسموى صارت أعراض مرض السقوط، وده بالمناسبة المفهوم الشرقي الأرثوذكسي للسقوط الإنساني، إنه مرض مش مخالفة قانونية/عقابية (بس ده مش مجاله المقال ده)، اتحولت النوس من الثيؤريا لاستقبال وانتاج اللوغسموى، اللي هى أصلا غريبة عن طبيعتنا وحالتنا الأولى لما قبل السقوط، ومن هنا حصل حالة من التشتت المرضي للنوس الإنساني.
د. تعرية جوهر وصميم الصراع اللوغسمي:
أيوة، يعني إيه برضو اللوغسموى ديه؟ اللوغسموى أقرب تصور ليها هى الأفكار، بس مهياش مجرد مجموعة أفكار ذهنية، ديه مجموعة تصورات متفاعلة/متواصلة (communicative) مع النوس، وتقدر تعمل انتاج (generation) لأفكار تانية وتالتة ورابعة، يعني بالبلدي هى "مفرخة أفكار"، أو بحسب توصيف آبائي كلاسيكي "رسّامة للأفكار" (painter)، والأفكار ديه بتكون زاى تصورات مرئية ذهنية/قلبية (نوسية)، وبانتشارها في الإنسان واحدة واحدة بتخضعه ليها وتأسره كليا ليها، ومن هنا تبتدي المعاناة الإنسانية! البشرية حاليا في صراع دائم ومؤلم مع اللوغسموى. يعني اتخيلها كإنها الصور الأولية للأفكار، يعني مثلا، لو عندك فكر "انتقام" ده مجرد فكر، ايه الفكر المسبب للانتقام؟ ممكن تلاقي ان المسبب مثلا إن حد أهانك، فجالك فكر "غضب"، طيّب ايه الفكر المسبب للغضب؟ لو تتبعت السلسلة ممكن تلاقي إن الفكر المسبب هو "الكبرياء"، انك مبتتحملش كرامتك تجرح، ممكن ده يكون اللوغسموس الأولي أو فيه لوغسموس قبله، بالتتبع تقدر لو عندك فضيلة افراز وتمييز توصل للوغسموس (الفكر/التصور اللي نتج عنه سلسلة الأفكار، ديه واحدة من طرق "الطب الروحي الأرثوذكسي" )
ه. الآباء الشرقيين وقوائم اللوغسموى:
الآباء الشرقيين، حاولوا يعملوا قوائم من اللوغسموى كنوع من الوقاية منها لمساعدة تلامذتهم على اكتشاف أول اشارات تحفيزها (stimulation) في النوس، عشان ادراكها وتعريتها ممكن يساعد الطالب الروحي يتحكم فيها ومينساقش في تسلسلها، فنلاقي مثلا قوائم للوغسموى وكتابات عامة عن اللوغسموى دون قوائم تعدادية عند كتير من الآباء (بتترجم عربيا عادة "أفكار" للتبسيط)، مثلا اتكلم عنها غريغوريوس الكبير، آباء الفيلوكاليا، آباء البرية القبطية في فردوس الآباء، مكسيموس المعترف، اسحق السرياني، غريغوريوس السينائي، برصنوفيوس، وبعضهم شرح انها هى وسائل تواصل اللوغوى (افهمها مؤقتا الصور/الأصول الأولية الداخلية لكل الكائنات وهيبقى لها مقال مخصوص لشرحها) مع الإنسان. ووضحوا إن اللوغسموى مش كلها سيئة/ضارة! الآباء الشرقيين بعضهم اتكلم عن نوعين من اللوغسموى، بعضها سلبي (وده اللي أديتك عليه أمثلة فوق) وبعضها إيجابي، وعشان كده الآباء الشرقيين اتكلموا على ضرورة إننا لازم نمرن الذهن انه يخلق لوغسموى ايجابية، فيتحول كل فكر لبركة وخير، بدل ما يكون كل فكر منتج مصدر ألم ومعاناة، وفي ده علموا بمنهج تلمذي متكامل مش هذكره منعا للإطالة أكتر، كمان اتكلموا عن الله نفسه ممكن يبعت لوغسموى إلهية إيجابية (حالات ذكروا أمثلة عليها مش هنركز عليها في المقال)
و. مرحلة تفشي المرض اللوغسمي في الحاضن البشري:
الآباء كمان اتكلموا عن مراحل كتير من تطور اللوغسموى في الفكر الإنساني، مش كلهم اتفقوا على تدرجات المراحل ديه، بس يمكن أكتر تقسيم قريته بيضم كل المراحل ديه وبيدمج المكرر منها هو التالي:
١. مرحلة الهجوم: هنا اللوغسموى بتبتدي تعرض نفسها على النوس، تحاول تهاجمه بلين، تحاول تقنعه يتقبلها ويطبّع معاها، لو نجحت بتتنقل للمرحلة التانية
٢. مرحلة التفاعل/الحوار: هنا بتتكون نوع من العلاقة الاحتضانية من النوس للوغسموس، ويبتدي ينتج مزيد من التصورات والخيالات الذهنية، وتبتدي العملية الإيلادية للوغسموى تتزايد، وهنا بتحصل نوع من الحرب الروحية في محاولة نوسية لرفضها
٣. مرحلة الرضا/القبول: لو الإنسان تقبل المفرخة الإنتاجية ديه وتوقف عن السجال ضدها، تبتدي اللوغسموى تنتشر زاى الفايرس فيه، انتشار لا يمكن السيطرة عليه، تبتدي تدريجيا تتملك كل حواسه وأفكاره
٤. مرحلة الأسر: في المرحلة ديه بيكون المرض تملك تماما من الإنسان، وصار أسير اللوغسموى، معادش عنده قدرة يقاومها، وأحيانا بيكون كمان فقد الرغبة لمقاومتها لإنها اتحولت لإعتياد!
٥. أخيرا، مرحلة الألم، وهى مرحلة المعاناة اللي ذكرتها في قطعة سابقة
ز. الطب الروحي الأرثوذكسي في مواجهة اللوغسموى:
الآباء القديسين لخبراتهم الروحية، حطوا منظومة متكاملة للتغلب على اللوغسموى والجهاد ضدها، حطوا framework ممكن يعتبر بداية أولية للمقاومة (طبعا بوجود شيخ روحاني مختبر ياخد المتتلمذ من ايده في خطوات الجهاد)، وحطوا الأطر العامة كالتالي (وتخصيصها من عموميتها متروك للشيخ الروحاني حسب كل حالة بتتلمذ على يديه):
١ّ. لو انت في مرحلة الهجوم، الحل "اللامبالة" وديه للمبتدئين، انك متديش اللوغسموى اللي بتحاول تخترقك أى اهتمام، متسمحلهاش تخليك تدخل معاها في حوار/تفاعل ... او لو كان مستواك الروحي متقدم، انك تنتصر عليها في حوار نوسي من خلال قراءات متنوعة ترد على كل لوغسموس وطبعا ده للمتقدمين روحيا والآباء مبينصحوش بيه إلا لاستثناءات معينة حسب افراز وتمييز الأب الروحي
٢. لو انت في مرحلة التفاعل/الحوار: الحل حاجة من اتنين، أما "التشتيت" وديه وسيلة المبتدئين، وده بإنك تحوّل ذهنك/قلبك لموضوع تاني يشتت الموضوع اللي بيتحاور معاك (لان النوس مش شاطر في ال multitasking اى القيام بعدة مهام مع بعض)، التشتيت ده ممكن يكون ذهني كإضافة لوغسموس ايجابي جديد ومحاولة الانشغال بيه، أو بدني كانشغال بأعمال بدنية، وأما بالطريقة التانية للمتقدمين وهى بتحويل طبيعة شكل الوغسموس لشكل فكر آخر موازي metamorphosis، مثلا لو اللوغسموس عن جمال البدن جنسيا، تحول اللوغسموس للتأمل في الجمال الإلهي، لو اللوغسموس عن الكبرياء تحول اللوغسموس للتأمل في اتضاع المسيح في ناسوته ك prototype (نموذج باكوري للبشرية كلها)، او بوسيلة متقدمة تانية وهى فصل الافكار المركبة وعودتها لأفكار بسيطة، يعني بالبلدي ومن غير دخول في تفاصيل: فصل الالم عن التصورات، ان اللوغسموس بتصوراته تسمح له يمر عليك لكن ميقدرش يتكاثر فيك ألميا، وديه مرحلة متقدمة جدا
٣. لو انت في مرحلة الرضا/القبول: فالحل هو صلاة يسوع، بتتسمى كمان "الصلاة السهمية"، وده بترديد عبارة "ياربي يسوع المسيح يا ابن الله، ارحمني أنا عبدك الخاطىء"، الصلاة السهمية ديه محتاجة مقال لوحدها، لو ربنا شاء وعشت هنقلكم وألخصلكم وابسطلكم الخبرات الآبائية عنها، وديه بتصلح لكل المستويات، وهدفها باختصار وتبسيط مخل بالحقيقة: توجيه النوس وحصره في شخص المسيح
٤. لو أنت في مرحلة الأسر: فالحل محاولة الهروب، اتخيل لو عدو كنت بتحاربه هزمك، فأسرك وسيّطر عليك، هو كده حطك في أضعف حالاتك، أفقدك كل أسلحتك، وعراك من كل دروعك الدفاعية، موفرلكش في أسرك أى تغذية سليمة لشهور، فبقيت في قمة ضعفك وهزالتك البدنية، لو العدو ده فك قيودك وقالك بارزني وهو بكامل درعه وأسلحته وصحته، فبالتأكيد الهزيمة مصيرك المحتوم، الحل انك تحاول تهرب مش انك تبارزه، بالمثل في المرحلة ديه متحاربش اللوغسموس اللي هازمك وآسرك، اهرب! اهرب من المكان اللي اتهزمت فيه لو مكان فيه خطية محبوبة متروحلهوش بشجاعة وفاردة صدر، الجرى نص الجدعنة، لو نقاش مثلا مجرب إنك بتفقد فيه أعصابك وسلامك وبتغلط، اهرب من نطاقه الحواري، اهرب، لانك مأسور وهتتهزم في المواجهة!.ّ.. بعض الآباء بيوصفوا اللوغسموس إنها فيلبستروفا philepistrofa بتعشق العودة للمكان اللي هزمتك فيه، فمتروحش برجلك لمكان هزيمتك واسرك السابق! اهرب!
٥. لو انت في مرحلة الألم: فالحل هو المطانيا (المتانويا μετάνοια) وديه عملية طويلة هدفها تغيير النوس واعادة تشكيل القلب/الذهن وتوجهه، إعادة توجيه كاملة للهدف، وديه مش عملية سهلة وملهاش سبيل واحد لطريق التوبة، عشان كده ملهاش كتالوج ولا أطر عامة، وبتترك كليا للشيخ الروحاني المختبر اللي بتتلمذ على ايده إنه يحددلك خطة المتانويا، وده بيختلف من قدرات شخص للتاني ومن حالة شخص للتاني وحتى من الاشتياق الروحي والنفور الروحي من السقطة من شخص للتاني، فده متروك تماما لعملية التشكيل الشيخية الروحانية
ح. الغاية النهائية من النضال/الجهاد:
بعد ما شفنا وعدينا سوا في رحلة طويلة من بداية السقوط وتفشي المرض، لمرحلة المعاناة، لمرحلة الآباء المختبرين اللي نجحوا يهزموها وابتدوا ينقلوا خبراتهم تلمذيا عن انواعها، واعراضها، ومجابهتها، نيجي لآخر سؤال، إيه الهدف من كل ده؟ الهدف من كل ده تخلص من معاناة، اعادة التناغم (harmony) للكون كله من خلال تحكم الإنسان في التواصل بينه وبين بقية اللوغوى، التخلص من حالة الاضطراب الكوني (chaos)، وده هيتم بوجود إنسان في سعى دايم ومتواصل لعملية التنقية (كاثارسيس κάθαρσις) وهى عملية بيسعى فيها الإنسان لتنقية النوس من كل اللوغسموى السلبية، عشان يعيد التواصل مع كل اللي حواليه من لوغوى للحالة الأولى غير المشوهة، حالة هدفها ووسيلتها الثيؤريا والتأمل في الله، التأمل في النور الإلهي، اللي الإنسان بواسطة تأمله فيه بيحصله حالة اتحاد بالله وتأله (ثيؤسيس θέωσις) ، ووقتها بيوصل لمرحلة الآباثيا ἀπάθεια حالة اللاهوى، اللي فيها اللوغسموى السلبية نفسها مبتلاقيش في النوس مهبط تنزل وتستقر فيه مهما حلّقت فوقيه، بيشبها الآباء القديسين المعاصرين بالطائرة اللي مش لاقية مكان هبوط مناسب والا هتدمر لعدم استواء الأرض، فهتستمر في الدوران ومع الوقت وقودها هينفذ وهتسقط وتدمر ذاتها بذاتها، لإن صار فقط لله فيك موضع استقبال !
ط. الخاتمة:
طوّلت عليكم، بأعتذر على ده، ولكن ديه مجرد مقدمة نظرية عن رحلة اختبارية طويلة المفروض كل واحد مننا يخوضها متتلمذ، أتمنى أكون نجحت أفهمك الخلفية الأرثوذكسية للسقوط، وللصراع، وللأسر، وللتعافي، وللخلاص الكوني في/من خلال الإنسان ! ... حاليا انت عندك مجرد فهم نظري، الرحلة العملية موضوع مختلف تماما، وقضية حياتية مصيرية مستمرة لآخر نفس فيك، ربنا يوفقك ويوفقنا كلنا <3