الانثروبولوجيا اللاهوتية في النموذج الكريستولوجي الأوَّلي وفي تداعياتها الكوزمولوجية - هاتزيداكيس


[ الانثروبولوجيا اللاهوتية في النموذج الكريستولوجي الأوَّلي وفي تداعياتها الكوزمولوجية ]

« يجب علينا أن ندرس قضية "طبيعة المسيح" لتداعياتها الانثروبولوجية [الإنسانية] والساتريولوجية [الخلاصية] والكوزمولوجية [الكونية]. في التقليد الآبائي، المسيح هو صورة الله، وكنتيجة لهذا، فهو النموذج الأوّلي للبشر المخلوقين على صورته ومثاله [تك ١: ٢٦، ٢٧] ففي المسيح لا نحصل فقط على استعلان عن الله، بل أيضا استعلان تام عن الإنسانية الكاملة. لهذا، يجب أن يكون لنا فهم واضح عن طبيعة النموذج الأوّلى الكريستولوجي الذي دُعيّنا إليه وطُلِبنا بمشابهته. 

يحقق البشر الساقطون قدرتهم/إمكانيتهم بدمج ذواتهم في الابن الوحيد "ليحصلوا على شركة عدم الفساد الخاصة به" [ماتيو ستنبرج، عن الله والإنسان: اللاهوت كانثروبولوجيا من ايريناؤس إلى اثناسيوس، ص٤٨] وكما يقول ق. اثناسيوس الكبير: "مقتنين كلمة الآب، الذي بحسب صورته خُلِقوا في البدء" [ضد الوثنيين ٢: ٣٤]، لهذا فاهتمامنا مُنْصَب بشكل أساسي على يسوع المسيح، لانه "أُظْهِرَ لَنَا" [١ يو ١: ٢] "فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ" [عب ٥: ٧]

عندما نتحدث عن الانثروبولوجيا اللاهوتية، يجب أن نضع في اعتبارنا كلمات ق. مكسيموس المعترف: "سر اللوغوس المتجسد يحوي قدرة إدراك كل ألغاز ورموز الكتاب المقدس، ويقدم معرفة لفهم كل الأشياء، الملموس منها والذهني" [PG. 90:1108A]، لهذا نحتاج أن نفهم نموذجنا الأوَّلي الذي هو يسوع المسيح، هذا الذي يدعوه ق. يوحنا الدمشقي " الحقيقة الجديدة الوحيدة تحت الشمس" [PG 95:984B] حتى نقدر أن نحصل على فهم سليم للكيان الإنساني. ولكننا ندرك أن المسيح الثيانثروبوس [θεάνθρωπος = الإله-الإنسان] سيظل دائمًا سرًا لنا، وما نقدر أن ندركه عنه هو ما تفضل علينا وأعلنه لمن يعيش حياته الثيانثروبية [الإلهية-الإنسانية]، لمن يقدر ان يقول مع بولس الرسول "فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَل الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ" [غل٢: ٢٠]

كما أن قضية طبيعة المسيح الإنسانية، لها تداعيات كوزمولوجية [كونية]. فالق. مكسيموس المعترف طوّر تَصَوُّر عن المسيح أنه "مايكروكوزم" اى "كون مُصَغَّر". لهذا فإن كان جسد ونفس الإنسان كلاهما يشكلان مُرَكَّب من الخليقة المادية والخليقة الروحية، فالمسيح في ناسوته ولاهوته يجمع النطاق المخلوق والكيان غير المخلوق، فغاية الله كانت أن "يَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ" [اف ١: ١٠]. فبدوره الوسائطي، يسمح المسيح للإنسان، بواسطته وفيه، أن يصبح كاهنًا، ويقود الخليقة الساقطة، ويعيدها لتناغم الوحدة مع الله. فالخلاص لا يجب أن يُفْهَم بحيِّز ضَيق كخلاص من الخطية، بل يُفْهَم انطولوجيًا [وجوديًا/كيانيًا] كتحرر كل الخليقة من قيود الفساد.

فبالسقوط، لم يسقط الإنسان فقط، بل الخليقة كلها معه "أُخْضِعَتِ لِلْبُطْلِ" [رو ٨: ٢١] " تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ" منتظرة الخلاص [رو ٨: ٢٢-٢٣]. فالخلاص ليس فقط تألهنا، بل عودة كل الخليقة للصورة الفردوسية عندما "يَسْكُنُ الذِّئْبُ مَعَ الْخَرُوفِ" والحيوانات المتوحشة " لاَ يَسُوؤُونَ وَلاَ يُفْسِدُونَ ... لأَنَّ الأَرْضَ تَمْتَلِئُ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ" [اش ١١: ٦-٩] ... حيث "َالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْد"ُ [رؤ ٢١: ٤] عندما يجعل الله "كُلَّ شَيْءٍ جَدِيدًا" [رؤ ٢١: ٥]. الخطة الأصلية لخلق العالم قد استُعلِنَت وأُكْمِلَت واستُوفَت في تجسد الله اللوغوس: "الإنسان خُلِق، ليصير الله إنسانٍا، ومن خلال تجسده، يمكن للبشرية أن تتأله" »

اللاهوتي الأرثوذكسي الأب ايمانويل هاتزيداكيس
ماجستير لاهوت من كلية اللاهوت الأرثوذكسي: "الصليب المقدس"،  
عن كتاب "هل المسيح ساقط؟"، باب "المقدمة"،
فصل: "التداعيات الانثروبولوجية والساتريولوجية والكوزمولوجية"
أحدث أقدم