سفينة ثيسيوس ومعضلة الهوية

في واحدة من الأساطير الإغريقية القديمة، كان فيه ملك شرير اسمه ”مينوس“ Μίνως ، ملك على جزيرة كريت اليونانية، كان من أبناء الآلهة، الملك الشرير ده كان بيجبر ملك اثينا: ”أيغيوس“ Αἰγεύς إنه يختار سبع ولاد وسبع بنات كل ٩ سنين، ويحبسهم في مبنى متاهة على جزيرة، لغاية لما يطلع مسخ المينوتور Μινώταυρος اللي عايش في المتاهة يطاردهم ويعذبهم وياكلهم أو يفضلوا يجروا منه في المتاهة بقية حياتهم (في الأساطير، المينوتور هو وحش ملعون بجسم بني آدم وراس ثور). وتلف الأيام لغاية لما يجي الملك البطل ثيسيوس Θησεύς ابن الملك أيغيوس المغلوب على أمره، ويقرر يثور على مينوس الشرير، فياخد سفينة ويطلع بيها ع الجزيرة ويروح المتاهة بنفسه يدخل فيها ويقتل المينوتور جواها ويحرر أولاد وبنات اليونان ويرجع بيهم على سفينته الخاصة منتصر. 

مع مرور الزمن، وانتشار الاسطورة، كان الاثينيين (سكان اثينا) تكريما لذكرى ثيسيوس وانتصاره، بياخدوا سفينته الخاصة كل سنة ويعملوا بيها لفة تخليدا لذكري رحلته بيها وتخليص أبناؤهم ، وكانت بتقام احتفالات عند رجوعها، حاجة أشبه بالموالد الشعبية. مع الوقت، ابتدت مكونات السفينة الخشبية تنهار بعوامل الزمن والقدم، فكان الاثينيين كل سنة بيغيروا حتة من السفينة لما تبوظ ويستبدلوها بجزء أجدد بنفس الشكل بالظبط وبيؤدي نفس الوظيفة، مرة مثلا يغيروا الشراع، مرة يغيروا حتة خشبة منها، مرة تالتة يغيروا الدفة، ومرة يغيروا المجادف، وكده. لغاية لما وصلوا لسنة، كانت فيها كل حتة في مركب ثيسيوس تم استبدالها، مفيش ولا حتة منها متغيرتش.

في القرن الاول الميلادي، الفيلسوف الاغريقي بلوطرخس Πλούταρχος طرح سؤال مهم جدًا، هل بعد ما اتغيرت كل أجزاء السفينة ، تفضل هى نفس سفينة ثيسيوس، ولا دي سفينة تانية خالص متستاهلش التمجيد؟ ... في القرن ال١٧، الفيلسوف الانجليزي توماس هوبز Thomas Hobbes، زوّد على الطرح معضلة أكبر، عمل تجربة فكرية، قال تعالي نفترض إن مجموعة من الاثينيين قرروا كل ما حتة من السفينة تترمي ويتم استبدالها، ياخدوها ويحتفظوا بيها، لغاية لما جمعوا كل الأجزاء المرمية من السفينة الأصلية، بعدين اعادوا تركيب الاجزاء زاى البازل puzzle وعملوا منها سفينة موازية للسفينة بتاعة ثاسيوس بس عشان اجزاءها بايظة فهى مبتتحركش وشكلها متغير بسبب عوامل الزمن وتأثيره على المادة، فقط إن الخامة والمواد المصنوعة منها هى من السفينة الاولى.

السؤال الفلسفي اللي طرحه توماس هوبز انهي سفينة من السفينتين نقدر نعتبرها هى سفينة ثاسيوس المقدسة، اللي اتغير فيها جزء بعد جزء ولسه تقدر تمشي في البحر ومحافظة على نفس شكل السفينة الاولى بدقة متناهية (لها نفس الهيئة Form)، ولا اللي محافظة على كل المكونات البايظة ومتقدرش تتحرك وحتى شكلها اختلف بسبب عوامل الزمن (لها نفس المادة Matter)؟

المعضلة الفلسفية ديه، بتشرح معضلة الهوية من خلال تجربة فكرية استخدمت سفينة ثيسيوس، إزاى نقول إن الكيان هو نفس الكيان برغم إنه واقع تحت تغيير مستمر ودائم. أنت مثلًا كإنسان خلاياك بتموت وتتجدد وبعد عقود معظم إن مكنش كل خلاياك بيتم استبدالها، مش بس على المستوى المادي، لكن حتى أفكارك، شخصيتك، معرفتك، اهتماماتك، وعيك، كل شىء فيك بيتغير، أنت مش نفس الشخص اللي كان موجود من ١٠ أو ٢٠ سنة. كلك اتغيرت على كل المستويات. هل الكيان يحدده الهيئة (بمادة مختلفة)، ولا المادة (بهيئة مختلفة)؟ وعند أى نقطة من التغيير نعتبره كيان مغاير تمامًا للأولاني وملهوش أى علاقة بيه ؟ ولا منقدرش نعتبره كيان تاني؟

لحل المعضلة دي، طلعت نظريات فلسفية كتير كلها فيها ثغرات منطقية متديش حل متكامل، على سبيل المثال هذكر أشهر تلات محاولات: 

١. المحاولة الأولى للحل: إن مكونات الكيان مش هى الكيان، المادة اللي مصنوع منها الكيان مش هى الكيان، هى مجرد بتشاركه في الحيز الفراغي (بتشاركه حيزه المكاني والزماني)، يعني لو طبقنا ده عليك كإنسان، فأنت مش جسمك المادي اللي انت شايفه وبتلمسه، انت مجرد بتشاركه الحيز الفراغي مؤقتا، بس انتو اتنين! وديه فيها معضلة، انت مين؟ بعني لو فضلت أشيل منك اجزاء، مرة ايد، مرة رجل، مرة بنكرياس، مرة جلدك، شعرك، عينيك، ذاكرتك، وعيك، أفكارك، عند اى نفطة المتبقي ده ميبقاش انت؟ وانت ساعتها هتكون فين؟ اجزاءك المتناثرة؟ ... بالمناسبة كل دول بيتغيروا كل يوم من غير ما تحس!

٢. المحاولة الثانية للحل: مفيش كيان في الحقيقة، فيه مجرد محاولات عقلية وذهنية انها تخلق structure لظاهرة هى شايفاها، فهتشير لها بإنها كيان، كمثال السفينة، السفينة دي مهياش كيان موجود هى مجرد اجزاء بتؤدي وظيفة زمنية ومكانية معينة في نوع من التضافر، والذهن البشري للافراد قرر يخلق تجميعة ذهنية ويعتبر ده كله ”كيان“ واحد سماه السفينة، في حين انه مش واحد أصلا ، ده مجرد تصور ذهني، يعني احنا لما بندور على اصل السفينة أو الإنسان، احنا بنحاول نسترجع التصور الذهني مش الكيان نفسه، لانه واقعيا ملهوش وجود، التصور الذهني موجود فقط في حامليه/حاضنيه مش خارجهم... تخيّل انت مش موجود من ذاتك! انت بتاخد كيانك ووجودك من تصور اللي حواليك وتخيّلهم لوجودك في أذهانهم، لإن فيه عناصر متنوعة اتجمعت في زمان ومكان معين ادتهم انطباع وتصوُّر إنك شخص واحد كائن! يعني انت ملكش وجود في ذاتك من غير observer خارج عنك بيراقبك ويحللك!

٣. المحاولة التالتة للحل: نظرية الهوية المستمرة، وديه نظرية بتعتبر الكيان ميتحددش بكونه واحد، ولكنه خط متصل بين كيانات مختلفة، بشرط إن ما بين كل نطة للتانية من كيان لكيان، ميتمش تغيير كل اجزاؤة مرة واحدة. يعني ببساطة، السفينة مهياش واحدة، ولكنها مجموعة سفن، كل سفينة منهم حصل تغيير لجزء منها، وتفضل مجموعة السفن ديه هى السفينة الاصلية بشرط وحيد، ان ما بين كل سفينة والتانية من تغيير جزء للتاني، محصلش في ولا مرة طفرة بتغيير كل الاجزاء مرة واحدة، لازم جزء واحد بس على الاقل ميتغيرش من السفينة اللي قبلها علطول، لو مفضلش جزء واحد من السفينة اللي قبلها علطول، يبقي كده ده مش نفس السفينة الأولانية، نظرية تبان منطقية، بس تفضل مشكلتها لو قارننا أول سفينة بآخر سفينة، هنلاقي كل الاجزاء اتغيرت ، النظرية بتقول متقارنش الأول بالآخر قارن بس كل اتنيبن متتاليين عشان تحافظ على الهوية الموحدة

معضلة سفينة ثيسيوس، واحدة من أعظم المعضلات الفكرية غير المحلولة في الفلسفة، بتجبرنا كلنا نعيد تفكيرنا في معنى هويتنا، في طبيعة التغير المجبرين يحصل لنا، في العلاقة ما بين الهيئة والمادة. امسك صورة من صورك القديمة جدا، بص للشخص اللي شكلا مختلف عنك، في الملامح، والوزن، والمواصفات الفسيولوجية والسايكولوجية، والطول، والفكر، والمعرفة، والخبرة، والذاكرة، والوعى، ده شخص تاني خالص، ايه اللي يربطه بيك، مين اللي بيقول انت هو ده، هو ده أنت بعد كل السنين دي، لو اجابتك البسيطة ”آه هو أنا“، ايه اللي يربطكم ببعض؟ 
أحدث أقدم