الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، صاغ نظرته للحياة، والكون، والوجود الإنساني، وغاية الوجود، في قالب قصصي في كتابه Thus Spoke Zarathustra، من حوالي ١٥٠ سنة. الصياغة في قالب قصصي صَعّبِت فهم الكتاب، وخلطت بين السرد القصصي، والفلسفة اللي بيحاول يطرحها للقارىء، (في قناعتي الشخصية السرد القصصي بتاعه عقد طرحه أكتر ما ساعده لإنه شد القارئ لتسلسل درامي، في نظري غير مُحكَم، مبيخدمش الطرح، لدرجة إن في أحيان كان بيطرح أفكار ”تهكمية“ sarcastic على لسان زرادشت بيخالفها فكرًا في كتبه الأخرى)، بالإضافة للترجمات العربية السيئة جدًا. وكمان تم تشويه الصورة عند القارىء العربي بربط الكتاب إنه دعوة للإلحاد أكتر من التركيز على الجوانب الفلسفية والفكرية في أطروحته اللي ممكن القارىء يستفيد منها، فنفَّر عدد مش قليل من قراءته ودراسته. عشان كده، هحاول في المقال ده، أبسط أهم النقط اللي طرحها نيتشه في واحد من أهم أعماله الأدبية، من غير ما أدخل في مصطلحات فلسفية تلخبط اللي بيقرا، ومن غير ما أدخل في تفاصيل حبكته الدرامية. وهربط أفكاره بشروحاته في كتاباته التانية (مش هقتصر بس على سرده ده)، وعلى قدر استطاعتي هتجنَّب ألمس مجسات مشاعر القارئ الدينية اللي ممكن تنفره من القراءة بعكس اسلوب نيتشه الصريح المباشر اللي مبيراعيش مشاعر قارءه وسايكولوجيته الدينية. وأتمنَى أنجح في ده.
١. هدف الحياة
نيتشه بيشوف الكون ممتد على الخط الزمني بلا بداية وبلا نهاية، يعني ملهوش نقطة بدء ولا هينتهي، ممتد بشكل لا نهائي في اتجاهين: الماضي والمستقبل، والمساحة المهولة جدًا من الوجود دي بتسمح بعملية التطور الإنساني، تطور مستمر، مش بس على المستوى الفسيولوجي (البدني/البايولوجي)، ولكن على المستوى الفكري (المنطقي/الوعي) كمان. ونيتشه بيعتبر هدف الحياة كلها إنها تدي الإنسانية المساحة الشاسعة دي كلها عشان البشر يفضلوا يرتقوا بإنسانيتهم، لغاية لما يوصلوا لحالة الإنسان الأعلى (الأسمى)، الإنسان الخارق، الإنسان اللي مفيش بعده حيز ولا قدرة للبشرية تتطور عنه. وبيشوف نيتشه إن هدف كل إنسان في الحياة إنه يكون حلقة وصل في السلسلة البشرية، حلقة في سلسلة تطور البشر تسرع وصول البشرية للإنسان الأعلى ده، إنه يرتقي بأقصى سرعة ويسمح بقفزة للبشرية في مجال نموها ونضجها من خلاله.
٢. تشوُّه الكون
نيتشه بيشوف الكون مكان وزمان غير كامل، مشوه، مليان بالمصاعب والمشاكل والمعيقات. مش بس كده ده بيشوف إن بمرور الزمن طبيعة الكون بتزداد تعقيداتها وصعوبتها. نيتشه مبيشوفش في ده شىء سئ ولا بيبص له بنظرة سوداوية، بالعكس بيعتبر ده عامل حفَّاز بيساعد الإنسان على بلوغ هدفه اللي هو هدف البشرية ككل في الارتقاء للإنسان الأعلى. لإن كل ما طبيعة الكون بتزداد صعوبة، ده بيقوِّي الإنسان، وبيساعده على تنمية قدراته، وبيجبره ينمِّي مهاراته للتعامل مع التعقيدات الجديدة للحياة. علشان كده بيبص لمصاعب الحياة على إنها صداقات بيكونها الإنسان في رحلة نموه، بيبصلها نظرة إيجابية وبيعتبرها ضرورة من غيرها هيحصل سكون وانعدام حركة وتقهقر للنمو البشري وابتعاد عن صورة الإنسان الأعلى. المصاعب بتخلق مساحة للإبداع، والإبداع بيخلق مساحة للنمو الفردي، والنمو الفردي بيخلق مساحة للنمو الجمعي، والنمو الجمعي بيخلق متطلبات واحتياجات وتعقيدات جديدة في الكون، بدورها تخلق مصاعب تخلق ابداع في دايرة صحية من متلازمة مصاعب-مواجهة-ارتقاء (flywheel)
٣. النظام الاجتماعي التدجيني
نيتشه بيشوف إن النظم الاجتماعية والايديولوجيات السياسية والدينية، بدل ما تساعد الإنسان يبلغ هدفه زاى ما الكون بيساعده، بالعكس دجنته، وخلقت فيه مجموعة قيم مبتساعدهوش في رحلته للنمو، وذكر امثلة كثيرة في السرد القصصي هاخد منها بس أهم خمسة لإنهم بيحتووا معظم الباقي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وهم كالتالي: (١.٣) الدعوة لمساعدة الآخر المحتاج (٢.٣) تشويه حب الذات (٣.٣) شيطنة شهوة السيطرة (٤.٣) نظام العدالة العقابي (٥.٣) لوم النفس على أخطاءها.... هاخدهم واحدة واحدة وأشرح لكم فلسفته فيهم.
١.٣. الدعوة لمساعدة الآخر المحتاج
نيتشه بيعتبر إن دعوة الأيديولوجيات الدينية والسياسية والاجتماعية كل إنسان انه يساعد الآخر المحتاج، واحدة من اسوأ التطورات في المجتمع. لإنه بيشوف إن مساعدة الآخر مبتخليهوش يتحمل مسئولية ذاته، مبتديهوش مساحة يبدع أو يحل مشاكله، بتسيبه في حالة اعتمادية أكتر من اللي كان عليها. كمثال لو شخص فقير قررت جماعة انها تخرج له صدقة دينية بشكل دوري في صورة نظامية (سواء صدقة إسلامية أو عشور مسيحية)، ده هيخليه اتكالي، مش بيسعى لتطوير مهاراته عشان يعيش، وهيفضل اتكالي لغاية لما المساعدات تقف، نيتشه بيشوف ده بيضر الشخص مش بيفيده. عشان كده نيتشه بيطالب الكل يتخلوا عن النظام الصدقي، ويتجهوا للنظام التوجيهي التعليمي، انهم يخلقوا فيه مهارة تساعده يحل مشاكله، يعني لو المحتاج في احتياج مادي يعلموه حرفة مثلا يصرف بيها على نفسه. لو في احتياج معنوي، يترك من غير طبطبة عشان ينشف وميبقاش خرع زاى ما بنقول بالبلدي (قارن ده مثلا بدلع بعض الأمهات لأطفالهم). وبكده يبقى هو بدوره حلقة في التطور البشري
٢.٣. تشويه حب الذات
نيتشه بيشوف ان الأديان أو الأعراف المجتمعية اللي اعتبرت حب الذات نوع من الأنانية البغضية وبتعتبرها خطية ولازم البشر يتجنبوها، خطأ كبير في بناء الشخصية. وبيعتبر إن حل معظم مشاكل البشرية بيبدأ من حب الإنسان لنفسه. نيتشه بيشوف إن الشخص العاجز عن إنه يحب نفسه، ويسعى لفائدتها ومصلحتها، مستحيل يقدر يقدم أى حاجة لغيره، لإنه معندهوش حاجة يقدمها، مهواش مليان في ذاته. ففي حين الأديان والأعراف الاجتماعية بتدعو للايثار (تفضيل الآخر على النفس) نيتشه بيصر إن الإنسان لازم يفَضَّل نفسه أولًا على غيره، ولما يفضلها ويحبها ويسعى لنموها، هيبقى في حالة نفسية تؤهله إنه يكون عنده فائض يسكبه على غيره. لو معملش كده، هينتج عنه انسان مشوه، إنسان عاجز، اللي عاجز يحب نفسه مستحيل يحب غيره، اللي عاجز يخدم ويطور نفسه مستحيل يخدم ويطور غيره. اللي معندهوش كبرياء شخصي وشايف إن مكانته عالية سهل أوي ميهتمش بقدراته أو بمعرفته أو بارتقاءه او حتى بصحته، لإنه مش عارف قيمة اللي يمتلكه، حب الذات وتقديرها بل وكبرياء الشخص واعتزازه بذاته هيجبره يخليها دايما متطورة وفي مسيرة نجاح، فقط اللي مقدر مكانته وقيمته الذاتية هو اللي مش هيقبل عليها الانحدار لمستوى أدنى. وبكده هيكون حلقة في تطوير البشرية ككل وارتقاءها
٣.٣. شيطنة شهوة السيطرة
نيتشه شايف إن شيطنة شهوة وحب السيطرة خطأ كبير، وشايف إن بالعكس، حب السيطرة هو اللي طوّر ونمَّى البشرية في طول مسيرتها. الإنسان الأول قرر يسيطر على الوحوش اللي حواليه ويتسيد عليه، وده اداله مساحة ابداع وابتكار طورته وطورت البشرية ككل باكتشاف النار والزراعة وخلق أدوات حماية. حب السيطرة سمح كمان بمساحة تنافسية بين الأفراد خلا كل واحد منهم يحاول يفكر بشكل مختلف يبتكر شىء جديد يبقى مميز عن غيره، يسبقه، سواء يمتلك أكتر، يعرف أكتر، يكسب أكتر أو حتى ياكل ويشرب أكتر ويخترع طرق التخزين والحفاظ على الموارد واستثمارها، كل المجالات التنافسية دي للإنسان زمان خلقت مساحة نمو جمعي للبشرية، سمحت بتواجد نظم وأدوات وطرق مكانتش موجودة قبل كده. مش بس على المستوى الفردي، حب السيطرة على المستوى القومي أو الجماعي خلا الدول تتسابق في الاكتشافات العلمية، والاختراعات والابتكارات الحياتية، ده خلق نظم مجتمعية متطورة طورت البشرية من نظام الأفراد لنظام القبائل لنظام المدن لنظام الدول لنظام الاتحادات في تطور مستمر هينتهي بشكل تجميعي كله للبشرية حتى لو في رحلتها التطورية دي استخدمت مؤقتا الأدوات بشكل خاطىء. كمثال مذكرهوش نيتشه الإنترنت والGPS اول ما ابتدوا كانت أغراضهم عسكرية دلوقتي تخطوا ده، مثال تاني التنافس وحب السيطرة في الحرب الباردة بين السوفييت والأمريكان خلق مساحة علمية سمحت لنا باكتشاف الفضاء وتطوير العلوم، حتى الرأسمالية خلقت جو تنافسي بيهدف للسيطرة ومعاه اتخلقت تطورات مدنية كبيرة في مجالات تصنيع كتيرة. كل تطور بشري كانت بدايته تنافس بغرض حب السيطرة
٤.٣. نظام العدل العقابي
نيتشه شايف إن الأعراف والأديان لما نادت بالعدل العقابي، مساعدتش البشرية في تطورها، بالعكس أخرتهم في حلقات تطورهم. النظام العدلي اللي بيسعَى للاقتصاص والانتقام مبيفيدش حد. لما بنعاقب حد مثلا قتل بعقوبة الاعدام ده بيخلق تشفي لأهل المقتول لكنه بيحولهم لقتلة زايه بدورهم. مغيرش طبيعة الإنسان الوحشي، بالعكس نقل طبيعة غير-الوحشيّين وحول كل واحد متقبل النظام العقابي ده لإنسان وحشي قاتل. زايها زاى عقاب السارق والحدود اللي عليه سواء بتشويه جسده (بقطع أعضاء جسده) أو منعه من حريته (بالحبس)، كلها أدوات تشفي مش اصلاح وعلاج، وأدوات التشفي مش هتساعد البشرية في مسيرة بلوغها للإنسان الأعلى. حتى اللي بيدَّعوا إن ده نظام للردع، فالغاية دي أثبتت فشل وسائلها: هل النظام العدلي العقابي على مدار آلاف السنين وقف القتل أو السرقة أو غيرها من الجرائم؟ لأ، كمثال قتل القاتل بيخلق نظام ثأر، سجن السارق بيطلعه أكثر عدوانية للمجتمع ومفتقد بعد مدة حبسه لوسائل معيشة شريفة لإنه بقى زاى ما بنسميه في مصر ”مُسجَّل خطر“ محظور عليه معظم الوظائف أو بصيغة أعم بقَى ”شُبهَة“ ومنبوذ. مبدأ ”عين بعين“ هيخلي بدل ما عندنا واحد بس أعور، اتنين عُور، ومجتمع كله أعمَى. نيتشه بيميل للحل الإصلاحي العلاجي التوجيهي، إعادة تأهيل في محاولة لجعل الإنسان ده جزء من حلقات التطور البشرية.
٥.٣. لوم النفس على أخطاءها
نيتشه بيعلم إن واحدة من أخطاء دعاوي الأديان والمعايير المجتمعية هى دعوتها للفرد لتأنيب ذاته مع كل خطأ /خطية بيقوم بيها. كمثال بعض الأديان زاى المسيحية بتدعو للندم عند كل خطية كأولى خطوات التوبة (ملحوظة، نفس المنهجية موجودة في الأديان الأخرى، بصور تانية). نيتشه بيشوف إن تأنيب الذات ولومها، بشكل دائم ومستمر وأحيانًا مُبَالغ فيه، بيسبب للإنسان صغر نفس، وبيسبب له احساس دائم إنه ضعيف وخاطىء. وبيشوف إن البديل هو إن الإنسان يقنع نفسه إن أى شىء سئ حصل له أو منه، هو خطوة في ارتقاءه، يدور فيها على مناحي التعلم وازاى يتفادها في المستقبل، ازاى يغير اتجاهه، ازاى يشوف المعوقات اللي حصلت له جزء من تعلمه ونموه واختباره الكلي، يشوف الفعل اللي حصل منه أو له خطوة من خطوات تعليمه وتشديده وتقويته. نيتشه بينطلق لده من اعتباره إن حرية الإنسان هى مركز ابداعه، وإن ندمه على الماضي بينتج بسبب إن حرية ارادته بتتكسر من الماضي وبيشعر فيها الإنسان إنه عاجز وإنه فشل فبيحس بالاضطراب، والحل إنه يعتبر كل اللي في الماضي خطوات لازمة وايجابية للتعلم، يشوف المعوقات هى الطريق، يشوفها صديقة مش عدو، تعزز ثقته بنفسه وقدرته على الاستمرار والوقوف بعد السقوط ويعزز مع كل قيام إيمانه بحرية ارادته اللي مش المفروض تتهز، ومنها ينطلق لآفاق أبعد في نموه ونمو البشرية ككل لحالة الإنسان الأعلى
بسبب النقط دي وغيرها، نيتشه كان شايف إن الأيديولوجيات الدينية والمعايير المجتمعية، مساعدتش الإنسانية، بالعكس رجعتها لورا، مساعدتهاش توصل للإنسان الأعلى الأسمى، لكنها عملت على تدجين البشرية وخلق نسخ متشابهة مفتقرة للابداع والتميُّز، ومن غير تميُّز مفيش قفزات تطورية في الإنسانية، ومن غير قفزات تطورية مفيش نمو، والأمثلة اللي فاتت كانت مجرد أمثلة مش للحصر على إن أى ايديولوجية بتحط مجموعة قيم معينة وتدعي إنها واجبة التطبيق ككل مع ترهيب بعقاب أخروي، بتقلص نمو البشرية أو تقهقره، لإن مفيش مجموعة قيم يجوز تطبيقها في كل الحالات من غير ما يكون لها جوانب سلبية حسب حالة ومكان وزمان كل شخص من الشخوص وموضعه من السلسلة التطورية ككل، عشان كده نيتشه كان بيدعو لإعادة تقييم منظومة القيم والمُثُل وإن لزم الأمر تغييرها ككل وخلق نسخ مختلفة لها في كل حالة ووضع بعد تحليل ودراسة زمكانها وحالة مختبرها لو ده هيساعد البشرية تبلغ حالة الإنسان الأسمى الأعلى: اللي هو بوصلة للاتجاه اللي لازم البشرية تاخده كمنارة ارتقائية أكتر منه كحالة ثبات وسكون نهائية واجبة البلوغ
أتمنى أكون قدرت أوضح لك جزء من رؤيته للحياة والكون والبشرية، بأسلوب سلس وبسيط ميكونش تنفيري أو معقد