عن قابلية الأديان للاستمرار

ليه الأديان هتستمر في الوجود؟

برغم إن الأديان بتفتقر للبنية التحتية اللي تأهلها لتثبيت نفسها وسط عالم منطقي، مادي، متسارع في نموه المعرفي (يعني بتلعب برة أرضها، بقواعد لعبة مغايرة لها)، وبرغم لافتقار الأديان لوسائل اثبات صحتها بخطوات منطقية، سواء استنباطية deductive أو استقرائية inductive، يعني متملكش إثبات عن ذاتها وبتقدم نفسها كaxiom، فيها حقائق self-evident، ومش محتاجة إثبات، هى ذاتها دليل لذاتها ومبتحتجش أدلة مسبقة!... لكن في قناعتي الأديان هتستمر في الوجود للأسباب التالية:

١. الأديان بتقدم إطار للوجود، الأديان بتحط مجموعة مسلمات عن أنت ليه موجود (بعضها بتقول عشان تعبد إله وتكون خليفة له، والأخرى بتقول عشان فيه إله لذته في الإنسان ومن محبته أوجده كابن له)، مش بس بتقول لك أنت موجود ليه، لكن هيحصل لك إيه، هتروح فين بعد ما تموت، وليه بتموت، وليه الحياة البيولوجية مؤقتة. كل ديانة خلقت منظومة فكرية أدتك فيها إطار يبرر وجودك واختفاءك المأسوي في phenomena الموت غير المفهوم، مش بس كده ده أنت هتاخد bonus package وبعض انجازاتك في حياتك البيولوجية هيكون لها مردود في ما بعد تحللك الفسيولوجي! انت ليك extension لا نهائي يا محدود... وده احتياج بشري إن الإنسان يلاقي إطار وميكونش مجرد خلايا بيوكيميائية بتندثر، حتى لو بعض الأطر مش منطقية، بس في الاحتياج ده مبنسعاش للمنطق، بنسعى للتبرير، تبرير الوجود، وحلم باستمراريته بشكل أبدي!

٢. الأديان بتوجد للفرد إحساس بالانتماء لجماعة، بتخلق له هوية وقومية. الإنسان كائن اجتماعي، بغض النظر عن إنك أحيانًا بتحب تنطوي وتنعزل وتقعد لوحدك وتبص للسقف لساعات في حالة من التحديق في الnothing box، لكن الإنسان الأول كان انفصاله عن الجماعة ونبذه ممكن يؤدي لموته، في الحقيقة استمرار الإنسان وسيطرته على الطبيعة والمخلوقات ناتج بطريقة مباشرة من قدرته على تكوين جماعات انتمائية منظمة خلته يقدر يواجه حيوانات أقوى وأكبر منه ، ويواجه طبيعة قاسية بجسده الهزيل، ولو انعزل عن الجماعة واتطرد منها ففي خلال أيام هيتم افتراسه أو هيموت من البرد أو مش هيلاقي اللي يعوله مع أول مرض ورقدة فوق أفرع الشجر. واحنا توارثنا الخوف ده بالتطور. الأديان أدت الإنسان قومية universal، انتماء للجماعة، انتماء لقبيلة متنامية ومتخطية لكل الحواجز ، اللي الرابط بينك وبينهم يتخطى حدود لغوية وجغرافية وثقافية. وده مريح، مريح جدا من المخاوف الجينية اللي توارثناها.

٣. الأديان ادت قيمة لكيان الإنسان العدمي، وادته مكانة وسط محدوديته وهامشيته ومصاعبه اللي بتدوس على راسه بشكل يومي. مش بس كده، دي ادته أمل، انت معدتش كمية مهملة، ومعدتش بتواجه مصاعب الحياة لوحدك، لا ده فيه big brother (في بعض الاديان الرومانسية big father) هيحللك مشاكلك، أو على أقل تقدير هيعوضك (ويخليك تتشفَّى في غيرك!) في حياة تالية، مش بس كده، ده في بعض الاديان الbig brother ده مخطط لك حياتك من الأول، ومدبرها، وعارف هتمر بإيه من مصاعب ومشاكل، وعارف إنك هتتخطاها، وده كله levels في اللعبة، كل ما تتجاوز واحدة بتاخد skills أكتر الdeveloper بتاع اللعبة حاطك فيها عشان تنمو وتكبر وكله مقدر ومكتوب، النظرية دي بتخلق gamification بيخلي لعبثية الحياة معنى، بتخليك تشوف كل مصيبة بجانب إيجابي إنك مسنود، بغض النظر عن صحة التصور ده، لكنه تصور بيقدم منظومة مريحة وسط المتاعب الكونية، والإنسان في احتياج لمهرب من مصاعبه يقول له ”كله للخير“، و ”بعد العسر يسر“ وكله مقدر ومكتوب ورزقك جايلك وفيه خطة وتدبير لحياتك من كائن أكثر حكمة ومعرفة وخيرية وقدرة، فمش مستاهلة قلق و”متقولش يارب عندي هم كبير قول يا هم عندي رب كبير“. الإنسان محتاج المُسَكِّن ده.

٤. الأديان بتدعي امتلاك المازورة الخُلقية. أى دارس للفلسفة، عارف إن فيه قضايا أخلاقية غير محلولة، قضايا لا يمكن تبت أنهي فعل فيها هو الصح وليه، والبشر خلقوا منظومات فكرية liberal و utilitarian وغيرها عشان تكون مرجعيات حكم لما منعرفش ايه هو التصرف الصح، المنظومات دي متعارضة مع بعضها، ومتقدرش تثبت انهي فيهم الأصح في الاتباع في الموقف الفلاني. الإنسان من بدء وجوده وهو عارف إن طاقته محدودة، وسيلته للبقاء كانت ببذل أقل مجهود للحفاظ على أكبر طاقة، أقل مجهود بدني وذهني، وعشان كده اتوجدت عادات واتوجدت تقاليد عشان تكون shortcuts يلجأ لها بدون تفكير ويوفر طاقته الذهنية. الدين قدم منظومة أسهل ، متفكرش وتوجع دماغك أنا هقولك الصح المطلق فين، ومتناقشنيش هو صح مطلق ليه، هو مطلق عشان مصدره الكائن كلي الصلاح والمعرفة و و و... ممكن يبان تفكير ساذج، لإن مفيش مازورة قياسية تصلح لكل الأزمنة والأمكنة والتغيّرات في الاحتياجات والمستجدات، ومفيش سند منطقي لليه المطروح كمازورة هو الأصح، لكنه بالتأكيد مرجعية مريحة لو عاوز متشغلش دماغك بتحليل ايه الفعل الصح، غيرك هيشيل العبء ده عنك، مش بس كده، هيكافئك على اتباعك لتعليماته عمياني.

٥. الأديان خير معين على ملء الفراغات المعرفية، بل هى نشأت كمنظومات فكرية في صورها الاولى من خلال مواجهة الفراغات المعرفية. الإنسان مبيعترفش بجهله، لازم يلاقي تسلسل يبرر اللي بيشوفه في سردية (narrative) سهلة التناقل والاجترار تقدر تخليه يواصل حياته ويضم مستجدات الظواهر لل mental model اللي كوِّنه وبناه على مدار حيوات فصيلته، كل ظاهرة جديدة بيواجهها ومبيلاقيش لها تفسير، بتشكل خطر على كل المنظومة اللي قعد يبنيها على مدار عقود فرديًا وعلى مدار قرون جماعيًا. خوفه من هدم منظومته اللي اتبنت بيخليه يُصَاب بالهلع مع مواجهة أى فراغ معرفي مستجد، ويلجأ ساعتها لل fight or flight response، ده خلا الإنسان يبرر النيازك انها رجوم، والحياة بأنها ناتجة عن روح كامنة في الجسد، والبرق إنه صواعق ربانية ... إلخ، أى تفسير يحميه من قول ”معرفش“ لان نتايج معرفش ممكن تشكك في كل ثوابته. الدين أوجد تعليلات للفراغات المعرفية، الكون اتوجد ازاى؟ كيان لا محدود اوجده. اتخلق ازاى واتطور ازاى؟ في ست ايام بكن فيكون ب intelligent design. الإنسان اتعلم ازاى؟ الإله علمه الأسماء والكنات. هيحصل ايه بعد ما نموت؟ هنروح لمكان/حالة حساب، وهنعيش عيشة فل أو نتعذب احنا الكل... الخ. فرضيات غير مثبتة طبعًا، بس ملئت فراغات معرفية، والأهم إنها ملئت احتياج انساني لملء الفراغات المعرفية، مبقاش الإنسان مضطر يبذل مجهود للبحث وبلوغ المعارف بقت بتقدم له على طبق من دهب جاهزة للاستهلاك وهو مجرد متلقي للمعارف اللدنية دي. (ملحوظة جانبية، العلة ديه هى ذاتها حصان طروادة اللي يقدر يهدم الأديان، لإن مع الوقت البساط بيتسحب من التعليلات البدائية للأديان، والفراغات بتملأ بتعليلات أكثر موثوقية، بس ده مبحث منفصل)

ديه في نظري أهم خمس أسباب ليه الأديان هتستمر وهتفضل تنتشر في صور مختلفة بمنظومات مختلفة... البوست مبيقولش الأديان صح أو غلط، ولا بيناقش -دينك انت ياللي بتقرا- صح ولا غلط، ديه مباحث منفصلة تماما، وعامة الإنسان مبيتبعش ديانة بناءًا على تحليل مُسبَّق لصحتها وموثوقيتها، ولكن الترتيب معكوس، الإنسان بيسعَى يبرر صحة وموثوقية دينه بمنهجية استدلال انتقائية كمحاولة تصالح بين عقله وبيت تدجينه على اتباعه في المقام الأول... البوست بيناقش ليه الأديان هتستمر بغض النظر عن مبحث صحتها اللي له فروع دراسية مختلفة، اغلب المؤمنين مدرسوهاش ولا يقدروا يدرسوها بشكل حيادي... جوهر الطرح إن بغض النظر عن صحة الأديان أو عدمها، فالأديان احتياج سايكولوجي حتى لو مقدمتش الإثبات العقلاني وحتى لو مقدمتش جديد ولا واكبت احتياجات زمكانها. الأديان معين للإنسان عشان ميفقدش عقله واتزانه وسط عبثية وعدمية الكون والحياة والوجود. الأديان احتياج وجودي مش رفاهية فلسفية. البشر يتَامى في احتياج لحضن أموي مفتقدينه، لو موجدوهوش، هيخلقوه!
أحدث أقدم