« ١. كانت الآلهة تعمل، تقوم بلف عجلة النجوم. كانوا يُديرون النبع الرئيسي المخفي، ذاك الذي سينكشف مُجليًا ذاته في مفهوم ”الزمن“. وكانت الأرض في انتظاره، لأن البقعة التي كانت تحمل ذاك الاسم كانت مُدرِكة بالفِعل لمهمتها. قطرة صغيرة من المادة، بالكاد تُرَى، كانت تحوم في السرمدية. ومن أجلها، أرباب المصير سبق فدبروا الحب، حيث أن نيتهم المُحِبَة كانت أن يروا الحب يملأ تلك القطرة، وبعد تكثيفها، تُحمَل إلى حدودها المُعَيّنة المطلقة.
٢. وكانت الشمس بادءةً في دورانها. كان لها دورًا محددًا، أن تكون حاملةً للحب. كان عملها أن تصبغ تلك الكتلة بدفء القلب الناري، ذاك الذي بدأ أخيرًا في اتخاذ مظهرًا مُحَدَدًا. وسمحت الحالة المُوهِنَة التي للمادة للشمس أن تقوم بعملٍ ممتازٍ، بملئها بتيارت الحب الوفير الذي لها.
٣. أدركت الآلهة مهمتها، فقاموا بظبط سرعة جديدة لعجلتهم، فصارت وقتئذ تهتز أسرع مما سبق. واقترنت كثافة المادة بالصلابة والمرونة. فعانت تيارات الحب كيما تنجح في اختراق الأحجار بنارها.
٤. وانتشرت مملكة الأحجار الجديدة على وجه الأرض، مانحةً إياها القوة على أجسامها غير المتحركة. ثم مُثارًا بتيارات الحب، عرف الكوكب طريقًا واحدًا فقط يستطيع من خلاله أن يأتي بالحياة قُدمًا، وذاك هو الحب! ”الحب“! حيث كان قاعدة وشريعة وصورة الحياة، وكان مُتَطَلَّب من الأرض شئ واحد: أن تحب! وراقب أرباب المصير بحرصٍ تحقق الكارما.
٥. كان الكوكب يقوم بأقصى ما لديه، أدرك كيف يُحِب، وما معنى أن يُحَب. وبكل حماسة واتقاد، أدفأ الأحجار غير المتحركة، مخترقًا خلال صلابتها ومرونتها، فأُحْيُوا شاربين من تيارات الحب، وقامت الأحجار من موتها، وبدأت في التفتح مثل بتلات الزهور الإلهية، وأخذوا مكانهم بدورهم. وتم تجميل الكوكب بوفرةٍ من الزهور.
٦. وازدادت قوة حرارة الشمس، إذ كان جليًا أنها تختبر القوة السحرية لتأثير الحب. فأحبت الأزهار كلًا من أبيها الشمس وأمها الأرض، إذ كانت أبناءها المشتركين إيلادًا. واعتني الأبوين بحرص برؤوس الزهور المتألقة بتعدد ألوانها. ورأى الكون عمل الأرباب، واستحسن الظهور الأول الناجح للزهور. ولم يتوقفوا عن العمل مشبعين العالم بالرائحة العطرة. وانجذابًا لقوة الحب التي للزهور، منحت الكوكبات بسخاء ما لديها، فاستحسن ذلك أرباب المصير، فكل شئ كان يسير بحسب خطتهم المقدَّرة.
٧. وساد الحب فائقًا على كل العالم! إذ كان هادئًا وراضٍ بمجالاته الأرضية. ودعمته جميع الأجرام السماوية في هذا العمل الإلهي. كانت الشمس فقط تحدق أحيانًا بقلق في أحشاء الأرض خلال الأوقات التي أخفت فيها جوانبها عنه أثناء دورانها. وبسبب كثافة المادة، لم تكن الشمس قادرة على رؤية ما كان يحدث على الجانب الآخر من الكوكب.
٨. وفي نهاية المطاف، أحاطت النباتات القوية بالعالم، مُخفِيةً الزهور اللطيفة في ظلها، وخنقت سيقانها الصغيرة بجذورها المُقتَدرة. واستولى هؤلاء العمالقة على السلطة، وبدأوا في ابتلاع الضوء بجشعٍ، قاطعين أشعة الشمس الدافئة عن أولئك الذين كانوا أقصر منهم وأضعف بكثير منهم. وبدون الدفء اللطيف الذي للشمس كُليّة الحب، ذبلت وهلكت المخلوقات الأصغر.
٩. وظهر الشر في العالم لأول مرة. إذ لم تكن الشمس قادرة على تمييز ما يحدث تحت التيجان السميكة للأشجار العملاقة. إذ أخفوا بشكل فعال الشر، حيث تمكنوا من هذه السرقة خلسةً. ففقدت عين الشمس الكلية-الرؤية قوتها جزئيًا، لأنها لم تستطع إضاءة الجانب الخلفي المخفي من الأرض.
١٠. ووصل تكثف المادة إلى نهاية تسلسله. ومرت بلايين السنين، وظلت أرواح البشر شبيهة بالحجارة. كيف أمكنهم أن يصبحوا متصلبين للغاية وغير قابلين للاختراق؟ كان سؤالًا صعب الإجابة! لقد تعرفوا على الشر، الذي كان يُدَوِّر بالفعل عجلة الزمن السوداء التي له في أرجحةٍ كاملة، واقفًا خلف حدود النور. بينما على الجانب الآخر، كان الظلام يحاول حجب كل النور ليحوله إلى ظلمة. ولكن من أجل ذلك احتاج إلى بعض المساعدة من الأرضيين.
١١. كان النور يقاتل ببسالة، مسلحًا بقوة الحب الواحدة. لكن لأنه كان دائمًا مشتعلًا بالحب الإلهي النقي، لم يشعر بأي كراهية تجاه الظلام، ولا عرف الغيرة. كان الحب أقوى سلاح، وكان الظلام عاجزًا ضده. وكان من الضروري استخدام هذا السلاح ليكون كلي القدرة! لكن الظلام لم يستطع أن يقترب من النور علانية، لأنه كان ليحترق على الفور، مُبتلَعًا في لهب الحب. لكنه وجد طريقة للالتفاف: سيدخل القلوب البشرية، التي كانت وحدها قادرة على حمل الهبة الإلهية المقدسة.
١٢. وبدأ قلب الإنسان يتوهج، مثل النجم السماوي نفسه. وكانت تلك الشمس الصغيرة في صدر الإنسان مليئة بتيارات الحب المشرقة والمتلألأة. ومع ذلك، فإن القلب الجاف بعطشٍ غير مُنتهٍ، ذهب في بحثٍ مستمر، عن الحب فقط، لأن هذا الدافع الإلهي يمكن أن يُخمَد بالحب وحده. ويبدو أن محبة القلوب الأرضية لم تعرف الرضا، لأنها لم تختبر بعد بشكلٍ كامل قوة الحب المقدس الإلهي الأسمَى. وكانت مهمة الإدراك الهائلة تاليةً. ومن أجل تحقيق هذه المهمة التي للعمل السماوي النقي، طلب أرباب المصير من الآلهة إطلاق الآلية الأسمى التي ستدير عجلة أخرى التي من شأنها أن تتجاوز حدود الزمن، لتقود القلوب البشرية على طول المسارات السماوية إلى إدراك الحب الحقيقي. »
— ترجمة ستانزا ١ من كتاب ”دزيان“ للتبت، الستانزا بعنوان ”تكوين الحب الإلهي“