استحالة ‏اتفاق ‏الكتب ‏الدينية ‏مع ‏العلم


في المقال ده، حابب أوضح لكم: ليه مش ممكن أى كتاب ديني يتفق بشكل كلّي مع ”العلم“؟  هناقش هنا الأدلة المنطقية، لإن الأدلة اللاهوتية اتكتب فيها مئات الكتب من التوجهين اللي على نفس القدر من القوة برغم تعارضهما الظاهري، بعكس الأدلة المنطقية اللي مهتم أناقشها هنا لقناعتي إنها أكثر إحكامًا! ... 

جهز مشروبك المفضل، واقعد في هدوء، وركز معايا، وعيد قراءة أى فقرة كل ما تحتاج، الموضوع طويل، فخصص دقايق من يومك في هدوء لفهمه لو مهتم، الأفضل تقراه كله أو متقراهوش خالص!

فيه نوعين من الـ scripture (ممكن تبسيطًا تترجمها الكتب الدينية المتوارثة)، النوع الأول ستاتيكي مغلق، والنوع الثاني ديناميكي مفتوح:

أ. الـ scripture الستاتيكي هو مجموعة نصوص ثابتة، مبتتغيرش، زىّ ما تم تسليمها/تجميعها والاتفاق عليها في أول يوم، هتظل نصوصها ثابتة باستمرار وإلا يفقد الـ scripture هويته ويترفض، فهو scripture ”منغلق“ على ذاته لا يمكن الإضافة إليه أو الإكمال عليه.

ب. الـscripture الديناميكي هو مجموعة نصوص قابلة للـ extension (للتمديد)، بيعتبر فيها النص الأقدم هو ”إعلان جزئي“، وجزئى هنا متنفيش إنه كامل، ولكن تنفي إن الاستعلان الإلهي محصور بين دفتيه، بمعني إن الوحى الما ورائي مش مقصور على حروف نصوصه، ولكنه كامل لمتلقي زمكانه ولكنه قابل للتمدد في الأزمكنة المختلفة، كلٍ باستعلانات زمكانية جزئية، فالـ scripture ده بيكون مفتوح/منفتح من جهة ”وحيه“ أو بلفظ غير متأسلم مفتوح/منفتح من جهة ”تأثيرات الكيان الميتافيزيقي فيه“

تعالوا نبتدي من المنظور الـepistemology ، عن ازاى نوصل لمعرفة معينة، إن كان أى scripture متفق مع العلم ولا لأ، فيه وسائل كتيرة، هكتفي بتلاتة بس منهم:

١. أدلة الـ psychological reasoning، ديه أدلة subjective معتمدة على قناعات وإيمانيات، ملخصها ”هو كده عشان إيماني كده“

٢. أدلة الـ Inductive reasoning، وديه بتعتمد على تحليل كل نص ومطابقته بالعلم، والسعى لنسبة مطابقة لا تقل عن ١٠٠٪ مع العلم، ولا حتى بـ ٠,٠٠٠١٪ وأى نقص بأى نسبة هيكون اثبات نقضي للمطابقة

٣. الأدلة الـ deductive reasoning، وديه بتعتمد على خطوات منطقية بالتفكير في الصيغ العامة والوصول لنتائج في الصيغ العامة (الكليّات) ومنها ننتقل للتخصيص ونطبق النتائج العامة اللي وصلنالها على حالة خاصة عايزين ندرسها، يعني نننقل مثلًا من نتيجة التحليل المنطقي عن الـ scripture (أى scripture) في أى زمكان،  لتحليل الكتاب المقدس بعينه أو القرآن الكريم مثلًا أو الكنزا ربا ... إلخ

دلوقتي بعد ما رسمتلك الخريطة الذهنية للجزر اللي هنزورها سوا في المقال، اللي أتمنى لو مستوعبتهاش تعيد قراءتها، تعالى نطبق ده بمنهجية منطقية على الموضوع الخلافي الحالي وهل الأرثوذكسية بتؤمن بتوافق كلي بين الكتاب المقدس وبين العلم؟ عشان أعمل ده هخصص من النقط اللي فوق اللي يتوافق مع قضيتنا هنا، وهلبس نظارة الطرف الآخر واستخدم مسلماته حتى لو أنا شخصيًا مختلف معاها

س١. هنعامل الscripture كنص ستاتيكي ولا ديناميكي؟
جـ١. برغم إن الأرثوذكسية (السليمة) مبتؤمنش بالـ scripture الستاتيكي المنغلق لإنها بتؤمن باستمرارية الوحى في التقليد ككل، من بدء الخليقة ولغاية نهايتها هيستمر التقليد، وهيستمر نفس الروح القدس يعمل في البشر المتألهين وأنفاس الله لم ولن تنقطع، ولكني جدلًا هلبس جزمة المؤيد للتوافق الكلّي الدائم بين الـ scripture والعلم، هتبنى قناعته إن الـ scripture ستاتيكي مغلق (حتى ولو كان ده هيتيرودوكسية بس for the sake of argument هنتقبل ده مؤقتًا)، يبقى كده معانا المُعطَى الأول إن الكتاب ده ستاتيكي مغلق

س٢. هنستخدم أنهي reasoning في المناقشة؟

ج٢. تعالوا ناخدهم واحدة واحدة ونشوف مين يقدر يخدم مسعانا ويصلح للاستخدام:

ج١.٢. منقدرش نستخدم الـ psychological reasoning، وإلا مش هيكون فيه مناقشة من الأساس، ساعتها كل واحد هيقول إيماني كده واعتيادي كده و"طوبَى لمن آمن ولم يرَى" وانا "شايف" ده صح وهننتقل من مَبحث objective لمبحث subjective وتفضيلات شخصانية ملهاش أى أساس تحليلي منطقي

ج٢.٢. ممكن نلجأ للـ Inductive reasoning، وساعتها فريق عدم التوافق هيلجأ للـ law of noncontradiction وهيحاول بأى Proof by contradiction يجيب مثال متناقض مع العلم، وبمجرد نجاحه في ده يثبت خطأ التوافق الكلي الدائم بين ال scripture والعلم، بس ده مش هيكون فعّال ومفيد لسببين:

ج٢.٢.أ الأول، إننا عايشين في مجتمع مغاير-الدين منتظر بشغف للحوار ده على ساحة public عشان يخدم أجندته الدينية الخاصة اللي مفرداتها وغايتها مختلفة، وساعتها هنكون بنحل مشكلة وبنفتح سلسلة مشاكل تانية إننا نِفَهِّم المجتمع إن قاعدتنا مش مشتركة معاه في فهمه للنص الديني، وفي مجتمع منغلق زىّ بتاعنا محدش من مغايري الدين هيحاول حتى يفهم، وبسطا كتير من مماثلي الدين هيتشتتوا بإنهم يطبقوا قناعات الديانات الأخرى المتعايشين معاها على المسيحية وكتير من مغايري الدين بلا خُلُقية هيعتبروها فرصة لنصرة الدين!!

ج٢.٢.ب الثاني، إن علم الـ apologetics (اللاهوت الدفاعي) خاصة الجزء الكتابي منه، وصل لدرجة كويسة جدا من تراكم الخبرات والتحليلات والتبريرات، إنه قادر يبرر أى تناقض وكل تناقض بغض النظر عن صحة أو دقة أو لا-انتقائية التبرير، وأتجاسر وأقول إنه يتجاسر أحيانًا لتعميم الخصوصيات أو تخصيص العموميات في سبيل قضيته بشكل فج، انتقائي، تغافلي، بيعتمد على عدم معرفة القارئ أكثر من حيادية المَبْحث، وديه منهجيته في كل المعتقدات والأديان باختلاف مُسمَى شبه-العلم ده في كل معتقد، وده بيخليه ميتبعش الـ logical reasoning بشكل سليم لإن غايته تبرر وسيلته والأمثلة هنا كتير، بس مهياش موضوعنا هنا

ج٣.٢. كده مقدمناش غير الـ deductive reasoning، إننا نحلل القضية من العموميات للخصوصيات، وندرس هل يمكن يتوافق العلم مع أى static scripture ؟ ساعتها مش بس هندرس حالتنا الخاصة ولكن أى كتاب ديني يؤمن أتباعه بإنه ستاتيكي منغلق وإنه متفق كليًا ودائمًا مع العلم، وساعتها هنضرب عصافير كتير بنفس الحجر، ونحل كمان implicitly مشاكل الـ psychological reasoning والInductive reasoning ضمنيًا لإن في العموميات ”الكل في نفس المركب“ باختلاف الـ scriptures، فتعالوا ندرس الموضوع من منظور deductive

لنفترض إن عندنا scripture، أى scripture، تعالوا نعممه ونسميه كتاب١، كتاب١ واحد ده تم تجميعه والاتفاق على إنه كامل مكتمل منغلق وأخد الختم الاستاتيكي للصلاحية الزمكانية باتفاق معتنقيه، وتعالوا نفترض إن فيه خط زمني من عام س٠ ميلاديًا، لعام س١٠٠ ميلاديًا. واختيار النقط الزمنية هنا مُتَعَمَّد للتبسيط عشان نشوف الخط الزمني كنسبة مئوية من بدء قوننة الـ scripture للآن يعني من ٠٪ لـ ١٠٠٪:

خطوة١.  تعالوا سوى نعمل check عند أى نقطة زمنية من ٠ ل ١٠٠ ونشوف حالة كتاب١، عند نقطة ٠ هو هو كتاب١ لانه ستاتيكي، عند ٢٠، نفس الكتاب ونفس النصوص لإنه ستاتيكي، ٣٠، ٦٠، ٨٠، بص عند أى نقطة، هو هو كتاب١، لا اتحول لكتاب٢ ولا كتاب٣، لإنه مُعطَى إنه ستاتيكي منغلق ونصوصه لا تقبل الـ extension أو التغيُّر

خطوة٢. تعالوا سوى نعمل check عند أى نقطة زمنية من ٠ ل ١٠٠ ونشوف حالة العلم، عند نقطة ٠ عندنا علم١، بمرور الزمن عند نقطة ٢٠ القناعات العلنية تم تغييرها وبقى عندنا علم٢، وعند ٣٠ عندنا علم٣، عند ٦٠ علم٤ ... إلخ، لإن العلوم بطبيعتها قابلة للتغيُّر والتعديل والتصحيح والإضافة والحذف مع كل مستجدات. ومفيش ما يمنع إن علم٢ يتعارض مع علم١ ويصححه، وعلم٣ يتعارض مع علم٢ ويصححه ... إلخ

خطوة٣. تعالوا نبص هل كتاب١ عند نقطة زمنية ٠ كان متفق مع علم١ (علم لحظة تجميعه وتقنينه)؟ أتباع النظرية الإيمانية هيقولوا كتابنا متفق مع علم١ ومبيخالفهوش، جميل نكمل، نروح لنقطة زمنية ٢٠ عندنا دلوقتي علم٢ (مختلف ومتعارض مع علم١ وصححه) ونشوف أتباع نظرية الاتفاق الكلي والدائم مع العلم، هتلاقيهم برضوه بيقولوا كتاب١ متفق مع علم٢! روح لعلم٣ المختلف مع علم٢ وعلم١، هتلاقيهم برضو بيقولوا كتاب١ متفق مع علم٣ في نقطة زمنية مغايرة... إلخ، ولكن المشكلة المنطقية إن علم١ لايساوي علم٢ لا يساوي علم٣...إلخ وأحيانًا يتناقضوا! فلا يمكن لكتاب١ أن يتوافق معهم كلهم إلا لو كان dynamic، ولكن المُعطَى اللي ابتدينا منه إنه static، فبكده يبقى إحنا في معضلة منطقية، لحلها يجب تَبَنِّي إحدي الحلول التالية:

حل١. إن اعتبار كتاب١ static ، فرضية خاطئة، ويجب تبني أن كتاب١ كتاب dynamic 

حل٢.  إن اعتبار كتاب١ متوافق مع العلوم بتطوراتها، فرضية خاطئة، وده له حلين:

حل١.٢. الإقرار بإن كتاب١ متفق مع علم نهائي لم نصل له بعد، تعالوا نسميه علم–مالانهاية، علم–مالانهاية ده تقدر تعتبره العلم الأصح إطلاقًا، وبعده لا يمكن إضافة أى تحديث تصحيحي للعلم (لم نصل له بعد، لإن العلم لم يتطور لشكله الكلي بعد)

حل٢.٢. الاقرار بإن كتاب١ سجل علم٠ (علم زمكان تكوينه) أو حتى علم١ (اللي هو علم تجميعه وقوننته)، ويكفيه الاتفاق مع واحدة من versions العلوم ديه، وانه لا يشترط بلوغه كمال الاتفاق مع علم—مالانهاية (الـ Ultimate Version)

لو بصينا في كل اقرارات الحلول، هنلاقي كلها بتؤول إن كتاب١ غير متفق مع العلم! تعالوا نعيد قراءتهم واحدة واحدة بالدور ونبَرْوِز في عقلنا في اعادة القراءة تساؤل هل هو متفق مع العلم ولا لأ؟

تحليل١. لو الكتاب static والعلم dynamic فهيستحيل ربط constant  بـ variable واعتبارهم دائمي التساوي، وهيكون هناك الزام منطقي بازالة التوافق بين المتغير والثابت في كل الأزمكنة، وهيكون هناك الزام منطقي بإزالة اتفاق الكتاب مع العلم في كل الأزكمنة حتى يومنا هذا

تحليل١.٢ لو الكتاب static ولكنه متوافق مع علم–لانهاية، ولو علم–لانهاية مختلف مع علم–الآن ومختلف مع علم–الماضي، يبقى الكتاب مختلف مع علم–الآن وعلم–الماضي لإنه متفق مع علم–لانهاية المختلف معاهم، وهيكون هناك الزام منطقي بإزالة اتفاق الكتاب مع العلم في كل الأزمكنة حتى يومنا هذا

تحليل٢.٢. لو الكتاب static ولكنه متوافق مع علم٠ (علم لحظة كتابته)، او حتى علم١ (علم لحظة تجميعه وتقنينه) وعلم٠ وعلم١ مختلف عن علم ما بعد نقطتي ٠ و ١ على الخط الزمني وبدوره مختلف عن علم–الآن (لإن علم–الآن هو جزء من علم ما بعد ٠ و ١)، وهيكون هناك الزام منطقي بإزالة اتفاق الكتاب مع العلم في كل الأزكمنة حتى يومنا هذا (باستثناء علم٠ أو علم ١) ولإننا منقدرش نعتبر علم٠ وعلم١ هم الأصح لإن علم٢ أثبت خطأ علم٠ وعلم١، فهيكون هناك الزام منطقي بإزالة اتفاق الكتاب مع العلم!

يعني باستخدام الـ deductive reasoning : لا يمكن لكتاب ديني ستاتيكي مغلق وتام ولا يقبل الإضافة، يكون متفق مع العلم بحسب إدعاء أتباعه، وهو ما تم اثباته.

طيب الحل الأرثوذكسي إيه؟ 
ده قصة طويلة لو ربنا شاء وكان لىّ عمر (وكان لا يزال عندي إيمان بإمكانية تغيير الوعىّ الجمعي) هبقَى أوضحها، ملخصها ومختصرها إن الوحي (الأنفاس الإلهية) في الأرثوذكسية مش مُنْقَطِع، والـ scripture حلقة من الـ Tradition والـ Tradition نفسه extendable، وده بيخرجه من حيز الستاتيكية للديناميكية، وإن الكتاب لا يشترط لا اتفاقه مع علم–زمكان–كتابته ولا علم–زمكان–تقنينه، ولا اتفاقه مع علم–الآن ولا علم–لانهاية، بل علم–كاتبه في سينيرجيا يطول شرحها بين الإنسان والله لتكوين المنتج الحالي... الرأى الأرثوذكسي محتاج مقال منفصل، هنا حبيت فقط أركزلكم على نقطة محددة لتوضيحها للمهتمين بالأدلة المنطقية.

أتمنى مكنش طوّلت عليكم، وإن كنت أكيد عملت كده، وأتمنى البوست ميستخدمش في الخناقات الفيسبوكية، الهدف إنك تفهم إن كل الآراء لها أسانيدها اللاهوتية والمنطقية اللي اتبنت عليها، ومنسارعش بتكفير/هرطقة وشيطنة الآخر دون دراسة متأنية، محتاجين نتقبل الاختلاف، وننتقل مع كل اختلاف جديد لتساؤل جديد للآخر، ومع كل تساؤل نبني أرضية مشتركة، ومع كل رد على تساؤل نوسَّع مساحة الأرضية المشتركة ديه، محتاجين نفهم بعض بدون لسان داشر وبدون تَحَفُّز ولا تحفيز ولاسبق فرض مُسَلَّمات! هل ده ممكن يحصل؟ مظنش، لكني ما زلت آمل ده!!
أحدث أقدم