« حينئذ يقف [الإنسان] مذهولًا أمام اللامحدودية الإلهية، فلا يَتَبَقَّى شىء سوى الحب الذي نَمَى تدريجيًا باجتهاد الإنسان مُرتقيًا بحسب محدودية قوته. وفي تلك الوقفة الصاعقة لكل عمل عقلي، في تلك اللحظة التي تشعر فيها الروح إنها على حدودها الفارقة للقُوَى الإنسانية، ينزل الحب الإلهي ليفتن الإنسان بنشوةٍ، من خلال عمل إلهي حصري، حينها تدرك روحنا أن ذاك الاختبار ليس نتيجة جهدها الخاص. ولكن هذا لا يستبعد وعى الإنسان بذاته ووعيه بمن يحب ذاته [الله]، لأن في ذاك الوعى تدرك الروح عجزها عن أن تتقدم بجهدها [الخاص] الساعى لفهم دواخل السر غير المحدود الذي تشعر به...
ذاك التوقف [الذي للعمل الذهني] ، لا يعني أنه توقف كُلِّي للذهن بشكل مطلق، فإنه حيث يكون الروح القدس عاملًا، يكون الذهن واعٍ بعمل الروح القدس ويستقبله. ومن يبلغوا تلك الحالة يحتضنوا بسعادة ما لا يُنطق به... فبطريقة ما يشارك أيضًا الذهن في هذا النشاط، إذ تحدث عملية ”عطاء وأخذ“... حيث يعطي الروح القدس ما لا يُنْطَق به، ويستقبله الذهن. أما التوقف المذكور، يعني أن الذهن فقط لا يعود يكتشف هذا بعملياته [الذهنية]، بل فقط من خلال الروح القدس.
ووقتها، لا يغيّر الذهن ما يتم استقباله، بل يستقبله كما هو [لأن بالطبيعة كل عملية استيعاب، بالضرورة تُغيّر ما يتم من حقيقة استقباله]... ولهذا نستطيع أن نقول بدقة أن الذهن يدرك وقتئذ واقع أكثر صحة بقدر ما لا يُغَيِّر الذهن ما يُسْتَقبَل بسبب عمله [الاستيعابي]، إذ أن الذهن وقتها لا يعالج معرفةً، بل فقط يستقبلها، ويعاني أيضًا بسببها [في دهش من محاولة استيعابها]، وتلك المعاناة تكون أيضًا حياةً له! [لأن كل حياة هى نمو، وكل نمو يحتاج إلى جهد عنائي لكسر الحواجز والحدود]
وتوقف النشاط العقلي الذي ينتج عن الولوج في صميم العمل الإلهي لا يسبب أن تكون كل الجهود السابقة من الذهن بغير فائدة. فالجهد المبذول في شحذ وتوسعة [الذهن] إلى فهم حاذق بشكل أكثر وإلى إدراك أكثر اتساعًا لا يُفقَد [ليس مؤقت وزمني]؛ إذ أن النشاط الحصري الإلهي الذي يتم تنصيبه، في تلك اللحظة من النشوة، في الحياة الحالية، سيستمر أيضًا في الحياة المستقبلية. وهذا النشاط يتناسب طرديًا مع المستوى الذي بلغه الذهن بجهده الخاص، حيث يكون الذهن في عملية فعّالة من التطهر من الأهواء/الآلام، وبدون ذاك لا يرتقي الذهن لنشوة الحب الإلهي، فللذهن دور إيجابي في الاختبار الذي يستقبله بعد توقف نشاطه العقلي...
وتلك قوة، بالولوج في الاتحاد مع الله، وقبول الاتحاد والشعور الروحي الذي للاتحاد معه. وبالحقيقة، فذاك الشعور الاتحادي ينتج عن النشاط الإلهي في الروح. ولكن لا يمكن لشىء أن يستوعب هذا الشعور الروحي المُسَبَّب من الله، فللذهن سعة تناسب الألوهة بشكل خاص به، وهو عمل روحي، فيصير للذهن سعة للألوهية capax divini، فيكون الإنسان ذو سعة للألوهية، وتلك السعة تنتقل من الحالة الإفتراضية [الإمكانية] إلى الحالة التفعيلية [التنفيذية] من خلال تطهير الأهواء...
وفي الذهن، هناك ميل لتجاوز الذات، ميل لتخطي النشاط الطبيعي المُتْجِه نحو الأشياء المخلوقة، إلى الاتحاد مع الله الذي لا يُمْكن إدراكه بهذا النشاط الذهني. وبرغم أنه -في الحقيقة- تحقيق هذا التخطي وتحقيق هذا الاتحاد لا يمكن أن يتم بلوغه بالذهن من ذاته [منفردًا]؛ لأن الذهن بطبيعته لا يمكنه أن يمتلك نشاط طبيعي ونشاط يفوق الطبيعة، فمع ذلك الله يرفعه إلى اتحاد معه، مستخدمًا أيضًا تلك السعة العقلية.
وهناك أمر آخر يشير إلى الدور الإيجابي للذهن في الاتحاد مع الله، وهو ”رؤية النور الإلهي“، حقيقة أن الذهن -في البداية- لا يستقبل نفس كمية وشدة النور الإلهي، بل يكون في نمو [تطوُّر] مستمر في رؤيته، وهذا بالضرورة يعتمد على التوسيع المستمر لقوة الذهن كي يَرَى، وكى يحتوي [الألوهة]، وكى يتناسب مع الفهم الأكثر ارتقاءًا لما يَسكُن فيه من نشاط إلهي.
وإن كنا قد قلنا أن هذا العمل هو من أعلَى [من الله] ، ولكن موضوع العمل مع الله هو الذهن... لذا يجب على هذا العضو [الذهن] أن يعد ذاته مُسبقًا كى يكون قادرًا أن يتفاعل مع تلك القُوَى الفعَّالة التي تأتي من أعلَى، فبحسب الآباء القديسين: الرابطة بين الذهن والنور الإلهي تُقَارَن بعلاقة العين بنور الشمس، فلا يُمكن للعين أن تَرَى بدون النور، ويجب على العين أن تكون قادرة على استقبال هذا النور [غير مُعتَلَّة] »
— اللاهوتي الأرثوذوكسي الأب د. دميترو ستانيلو، عضو المجمع المقدس لكنيسة رومانيا الأرثوذكسية، وعميد الأكاديمية اللاهوتية في سيبيو، رومانيا. مُتَرجم عن كتاب "الروحانية الأرثوذوكسية" ، فصل ٣٥ بعنوان ”الحب، والمعرفة، والنور الإلهي“، فقرة ١ بعنوان ”دور الذهن في رؤية النور الإلهي“