« يقضي تواضع المعرفة إلاَّ يُنصِّب أحدٌ نفسه ديانًا، فالله وحده يدين القلوب. غير أن الكثيرين يحسبون أﻧﻬم وكلاء على هذا السر العظيم، بدل أن يهتموا بخلاص أنفسهم هم. شرائح كثيرة تدَّعي أﻧﻬا تعرف الفرقة الناجية والفرقة الهالكة. وهذا أخذ حيزًا من الفكر في غير ديانة...
هل في سماء المسيحيين غير المسيحيين؟ جوابي الفوري إن إنجيل الدينونة لا يتكلم على المسيحيين، إذ يقول السيد: ”كنت جائعًا فأطعمتموني … رثوا الملك المعد لكم قبل إنشاء العالم“. ولا يدور إطلاقًا فيه حديث عن المؤمنين أو غير المؤمنين. ولكنه يدور حول العمل الصالح.
غير أن ثمة في العهد الجديد حديثاً آخر عن الدينونة. والقول الفصل هنا هو هذا: ”مَن أخطأ بدون الناموس (أي شريعة موسي) فبدون الناموس يهلك. وكل من أخطأ في الناموس فبالناموس يدان“. الأمم (أي الوثنيون) الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو الناموس فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموسٌ لأنفسهم الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبًا في قلوﺑﻬم (رو 2: 13-15). ومن المنطق أن ينقل هذا إلي الذين جاؤوا بعد المسيح، فيقال إن الذين تبعوه يدانون بإنجيله ومن لم يتبعوه يدانون حسب ضمائرهم...
إلي هذا مَن يقنعني أن ألوفًا مؤلفة من المدعوين مسيحيين هم أطهر من السيدة رابعة العدوية والحلاج أو المهاتما غاندي الذين دانوا بما دانوا به، وأن هؤلاء الأبرار الذين كانوا من خارج الكنيسة المنظورة معذَّبون في النار بما لم يخطئوا به؟
السؤال الأعمق هو مَن هو الإنسان العضو في الكنيسة؟ هل الكنيسة هي مجموعة المعمَّدين حصرًا أم هي جسد المسيح، بمعني امتداد جسد المسيح إلي حيث يريد أن يمتد؟ لقد قال القديس البيزنطي نيقولاوس كاباسيلاس: ”مَن لم تعمده الكنيسة (بالماء) يعمده عريس الكنيسة (بلا ماء)“. التنظيم الكنسي يربط المسيحيين، ولكنه لا يقيد المسيح نفسه الذي يعمل بلا وسيلة محسوسةٍ...
[المسيحيون] لا يرون أنفسهم مضطرين إلي أن يصدروا حكمًا في ما يقال خارجًا عنهم. هذه هي المسيحية كما يراها أصحاﺑﻬا. غير أن هذا لا يحول دون تعظيمهم لكل حق وخير وجلال يقرأونه في الفكر الديني أو الفلسفي...
يبقي السؤال: هل يصعد أحد إلي السماء، هل يخلص ﻧﻬائيًا دون أن يمر بالمسيح؟ الجواب الأكيد في المنظور المسيحي أنه لا بد أن تمر به بطريقة ما. لقد قال المسيح: ”أنا الطريق والحق والحياة“. هذا يوجب البشارة، فإﻧﻬا أمر إلهي في العهد الجديد. ولكنا رأينا أن المسيح له أن ينقذ من يشاء بمعمودية وبغير معمودية. بتعبير آخر عمل المسيح يتم بالكنيسة لمن رآها وانضم إليها، وقد يتم بانعطاف المسيح على من يشاء. وفي هذا ليس يسوع في حاجة إلي الكنيسة – المؤسسة لينقذ من يشاء. أي أن هناك إمكانًا عنده أن يبث روحه ورؤيته ومحبته على الكائنات البشرية أكانت منتظمة في دين أم غير منتظمة.
في هذه القراءة قد تكون أنت للمسيح بعلم منه، لا بعلم منك وتكون، إذ ذاك، قد أتيت به إلي الآب. وهذا لا يعرفه إلاَّ الآب. ولكن لا تخُلص نفسك في اليوم الأخير ما لم ترَ الرؤية التي يكون المسيح قد سكبها في نفسك. وبتعبير أبسط تكون مسيحياً في السماء وغير مسيحي في الأرض.
هذا يلتقي ورأي القديس غريعوريوس النيصي إن الشر لا يمكن أن يثبُت أمام الله إلي الأبد، وإن الله سيزيل الجحيم. وهذا يلتقي والفكر الصريح عند القديس اسحق السرياني الذي صلَّي لخلاص الشيطان. إن الكنيسة لم تكفِّر هذين القديسين ولم ترفض رأيهما. هذا ليس عند المسيحيين عقيدًة، ولكنه موضوع رجاء. المسيحية لا تناقش الأديان الأخرى. تبحث في الأشخاص وتتمني خلاصهم بالطريقة التي يعرفها الله وحده. »
— المطران جورج خضر، من مقالة "هل يخلص غير المسيحي؟"