في بعض مصادر التقليد العبراني/اليهودي المتأثر والمؤثر بـ/على تراث بين النهرين وغيرها من تبادل الثقافات والحضارات والأساطير وتبادل التنقيحات والإضافات والاختزالات، القصة التراثية التكوينية عن آدم، مبتبتديش بحواء كزوجة له، ولكن بتبدأ بزوجته الأولى اللي تسبق ”حواء“ وهى ”ليليث“ לִילִית (أو ليليت) ...
ليليث مذكورة في مواضع كثيرة من عدة أنهار تراثية متقاطعة ومتوالية وبعضها مبني على بعض، مثلًا في سفر اشعيا زىّ ما هوضح في بقية الشرح، واتذكرت في التلمود البابلي، وكتاب الزوهار (من التراث العبراني/الآرامي الكابالي)، وانتقلت منها للتراث المندائي ومخطوطات البحر الميت، وبعض كتابات التراث الديني السومرية والأكادية، وفي اللوح ١٢ غير المدرج في ملحمة جلجاماش وغيرها، في تزواج واضح لأساطير التراث الدينية المختلفة وتأثيراتهم المتبادلة
بعكس التراث العبراني، فتراث ما بين النهرين (المنبع لمعظم أساطير العبرانيين) والآشوري والبابلي كانوا بيعتبروا ليليث شيطانة أنثَى، في حين إن التراث العبراني اللي بيميل أكثر لواقعية السرد الأدبي شاف في ليليث إنسانة (كائن بشري) ، هوضحلكم في الفقرات التالية ازاى وَفَّق التراث العبراني بين تأنيسها وشيطنتها!...
ليليث في بعض مصادر التراث اليهودي هى زوجة آدم الأولى (قبل حواء، زوجته التالية التانية)، بيسميها مدراش تكوين ربا ”حواء الأولى“ تعظيمًا لمكانة حواء كأم للخليقة، باستخدام ”حواء“ كلقب مش كاسم علم! أما حواء تراث التوارة فبيديها لقب ”حواء الثانية“، ونفس الامر في أبجدية بن سيرا[خ]، وبيعتبر الأولى اتخلقت من نفس طينته/مكانته وبنفس طريقته، مساوية له في كل شيء، بدون أى إلزام ووصية إلهية بخضوعها كأنثى للذكر، بخلاف القصة التراثية العبرانية عن خلق حواء ”من ضلع“!
القارىء المتأني لسفر التكوين هيلاقي قصتين لخلق الإنسان، في تسلسلين سرديين مختلفين، السرد الاول في تك ١: ٢٧ ”فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ“ ... وبعدها تتوالي الأحداث والسرديات لغاية لما نلاقي في تك ٢ إعادة لقصة خلق الإنسان من جديد بسرد تاني لخلق الأنثى من الضلع وبطلة القصة المرة ديه هى حواء المعروفة في تراثنا الادبي المسيحو-عبراني! التراث المسيحي بيبرر القصتين بكونهم تفصيل وتفصيص لبعض، لكن بعض روافد التراث العبراني بتشوفهم قصتين وحدثين متتاليين.
ففي حين إن السرد الأول كان لخلق الأنثى مباشرة مثل آدم على صورة الله، فالسرد الثاني كان لحواء من لحم وعظم آدم كامتداد (extension) له ولوجوده، لتلبية احتياج للذكر (آدم) لم يجده في جميع الكائنات الحيّة، وهنا بعض التراث العبراني بيشوف في الأنثى الأولى (ما قبل حواء) انثى مغايرة، ليليث، اللي آدم بحسب تكوين ربا ١٨: ٤ كان بيشمئز وبيقرف من كثرة افرازاتها الدموية (هل يقصد البيولوجية أم يقصد العدوانية والهمجية؟! معرفش!)، في حين كانت هى متمردة على وجوب خضوعها لآدم وطاعته لكونها مساوية له في التكوين... وتستمر القصة والتراث خارج المدراش إلى أن قررت تنفصل عنه، وبالتبعية عن جنة عدن ككل، وقررت ترتبط بواحد من أبناء الله (أحد رؤساء الملائكة بحسب التلمود) اللي اسمه سمائل/سمسائيل، وأرسل لها الإله ٣ ملائكة لارجاعها ولكنها رفضت، فخيروها بين عقوبة قتل نسلها أو الرجوع، فلم ترجع، فعاقبها الإله بموت أولادها!
سمسائيل في التراث بدوره، كان أحد قيادات/رؤساء القوات للشيطان (Satan) ، وفي بعض مصادر التراث العبراني هو اللي امتَطى (ركب/لَبَس) الحيّة في جنة عدن وبحسب سفر أخنوخ هو ملاك عاصي بدوره، ولبس/امتطَى الحيّة عشان يخدع حواء كنوع من الانتقام لرفيقته ”المرتبط بيها“ ليليث (بعض الروايات بتقول إن ليليث نفسها اللي لبستها، أو بطريقة ما لبسوها سوا كـ”مرتبطين“)! ومنها بدء الصراع، اللي التراث العبراني وثقه كتابيًا في تعارض مشيئة الإنسان الأول مع الإله، ورغبته في عدم الخضوع للوصية، وفي بعض قصص التراث سمائل هو الأب الأول ”الحقيقي“ لقايين ، في إشارة ضمنية إما لخيانة حواء لآدم مع سمسائيل (اللي البعض بيشير لها إنها كانت الثمرة المحرمة!)، أو ربما إشارة مجازية لأبوة شرفية بكونه قاتل وابن قتلة! الآراء مختلفة!
في عدد ربا، على سفر العدد ١٦، لما قرر الإله يفني جماعة إسرائيل وقال ”ٱفْتَرِزَا مِنْ بَيْنِ هَذِهِ ٱلْجَمَاعَةِ فَإِنِّي أُفْنِيهِمْ فِي لَحْظَةٍ“ (عدد ٢١: ١٦)، بنشوف موسى بيستعطف الإله وبيرجوا رحمته وبيقول مع هارون؛ ”ٱللَّهُمَّ، إِلَهَ أَرْوَاحِ جَمِيعِ ٱلْبَشَرِ، هَلْ يُخْطِئُ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَتَسْخَطَ عَلَى كُلِّ ٱلْجَمَاعَةِ؟“ (عدد ١٦: ٢٢) هنا بنشوف نص تراثي عبراني مُطَوَّل مهم أضافه المدراش على قول موسى ”[يا الله] لا تفعلها [تفني الشعب الإسرائيلي] لكيلا تظنك شعوب العالم كائناً قاسياً وتقول: جاء جيل الطوفان فأفناهم/دمرهم، ثم جاء جيل الانفصال فأفناهم/دمرهم، فجاء السدوميين والمصريون فأفناهم/دمرهم. وهؤلاء أيضًا الذين سماهم ابني بكري (خر ٤: ٢٢) ، ها هو الآن يفنيهم/يدمرهم! [فهو يفعل] مثل ليليث التي عندما لا تجد شيئًا آخر [لتفعله] تنقلب على أولادها“ (كمِّل قراية عشان تعرف ليه تم ربطها بقتل النسل البشري!)...
الأسطورة العبرانية التراثية بتتمادَى أكتر من كده، وبتعتبر إن عملية الخداع للحث على عصيان الإله (أو احتمال الخيانة الجنسية زى ما سبق التوضيح)، ورفضها للرجوع لآدم، وقبولها لعقوبة قتل نسلها، سببت نوعًا ما من ”السقوط“ لليليث واتحولت بعصيانها لوحش بهيمي في صورة شيطانية ككائن ليلي مخيف (غول) مذكور في في سفر اشعيا ”هُنَاكَ تَسْتَقِرُّ لِيلِيث وَتجِدُ لِنَفْسِها مَحَّلًا." (إش ٣٤: ١٤)، اللي مترجم الفاندايك فضَّل يترجم ”ليليث“ لكلمة ”الليل“! في حين إن ترجمة أكثر حِرَفيَّة زىّ اليسوعية قررت تسيب اللفظ كما هو دون محاولة تفسيره أو تلطيف وقعه على القارىء العربي : ”وتُلاقي وُحوشُ القَفْرِ الضِّباع، ويَصيحُ الأَشعَرُ بِصاحِبِه، وهُناكَ تَقِرُّ ليليت، وتَجِدُ لِنَفسِها مَكانًا مُريحًا“ (اش ٣٤: ١٤، بحسب الترجمة اليسوعية).
التراث الشعبي تمادى واعتبر مواليد ليليث وسنائيل هم الجن (بحسب مدراش أبكير) ككائن وسيط بين الشيطان والإنسان لكونهم مواليد من أم بشرية تم تبهييمها وتغويلها بالسقوط، في تزاوج مع ملاك ساقط (سنائل)، وبعدها تفاقمت الاوضاع بحسب الأسطورة فخصَى الإله سنائيل ليوقف النسل ده وفي نص آخر جعله عقيم (اربط بتكوين ٦ عن وجود نسلين متعايشين منفصلين من البشر أحدهم منسوب لله والآخر منسوب للبشر، واربط بتكوين ٤ حيث خوف قايين لرفع الحماية الإلهية عنه وخوفه من ”آخرين“ قد يقتلوه، وبتكوين ٦ عن ولادة نسل ”الجبابرة“)! ومنها جت في ديانات حديثة أسطورة الجن والقرين وغيرها، بحسب بعض الأديان، ومزاعم واعتقادات معتنقيها عن وجود كائنات تسعَى لاسقاط أجنة الحوامل انتقامًا لما حدث معهم من الإله إما بالاستدعاء أو بالأحجبة وطلبات البشر لهم بالتدخل عدوانًا! وما نتج عن ده من أحجبة وتمائم حمايا للأجنة والرُضَّع، وده يطول فيه الكلام عن توارث الموروثات المحَلِّية بين الأديان وبنائها التراكمي (راجع شمس المعارف الكبرى!)...
القصة فيها تفاصيل أكتر، لكن يكفي ما في المقال من طول، اللي حبيت أبلورهولك وأبروزهولك، إن تراثنا العبراني الموروث في المسيحية، هو تراث مختزل، قبس من فيض، اختار الكاتب او المُجَمِّع أن ينتقي منه الأكثر واقعية والمتفق مع الصورة التنزيهية للإله اليهوي/الألوهيمي بحسب ما يصلح للتعليم والتهذيب من المتفق مع الموروثات التنزيهية في الفكر العبراني، التراث المسيحو-عبراني مهواش تراث منفصل عن ثقافات وحضارات عصره، لكنه مُنَقِّي ومُنَقِّح لما حوله، متأثر ومؤثر قي محيطه زىّ أى تراث متواجد في بيئته الخاصة، لا يمكن ننسب له الدقة التاريخية بشكل مطلق، ولا يمكن اعتبار حرفيته إلهام/وحى إملائي أو شبه-إملائي حرفي إلهي وسرد مسنود اركيولوجيًا بصحة تامة خالية من العنصر الإنساني كوعاء نقلي وتوارثي.
فهمك للصورة الكبيرة والإطار العام لا يمكن فصله عن فهمك للتخصيص المسيحوـعبراني، اقرا الصورة كاملة، وانتقل منها للتخصيص، لإن عكس الخطوات بتعميم التخصيص متاهة ووهم! إحنا تراثنا جزء من تراث إنساني متضافر أكبر بكتير، متشعب ومتجانس ومتراتب بل وأحيانًا متعارض، في غابة الأشجار والتفريعات ديه محاولة تحري دقة مفرداته وعناصره التاريخية مسعَى شبه-مستحيل، وحلم طفولي أكثر منه توثيق معرفي استقصائي، دورنا مش نتقصّيه ولكن نستخدمه للمنفعة! ... نصيحتي، اسعَى دايمًا لدراسة خلفية النصوص الثقافية والحضارية في عصر تكوينها، لإنها هتوضحلك الإطار العام والإطار التخصيصي وتمايز كل منهم، ده شئ لا يمكن تجاهله في الـ hermeneutics وللأسف مش واخد مكانته في مكتبتنا القبطية الدراسية.
ملحوظة، في السرد التراثي الأسطوري التجميعي هنا حاولت قدر المستطاع تحري الدقة، ولا أزعم ابدًا إني بلغتها، الموضوع معقد ومتشعب ومصادر التراث العبراني وبين النهريني متعددة جدًا، وأحيانًا متضاربة، فبعتذر مقدمًا عن اى خطأ سردي ذكرته تم عن سهو، ولا أدعي الدقة الكاملة في موضوع زىّ ده لصعوبة المسعَى...راجع ورايا، وصحح لي، معنديش أى مشكلة في ده، ديه دعوة بحثية مش مجلس كُتَّابي. وباعتذر طبعًا على الإطالة!
ـــــــــــــــــــــ
* صورة المنحوتة المُرفَقة بعنوان ”ملكة الليل“ (Burney Relief) من بلاد ما بين النهرين تعود لعام ١٨٠٠ ق.م. ، محفوظة في المتحف البريطاني، ينسب بعض السكولارز الشخصية الأساسية فيها لليليث، وآخرين للإلهة عشتار، والبعض يربطهم ببعض كنفس الكيان أو ككيان مرافق (تداخل قصة عشتار مع ليليث واعتبارهم نفس الكيان مبحث منفصل يطول الحديث فيه)