الشخص اللي بيؤمن بدقة تاريخية الحدث بحسب سرده في النص الكتابي، وبدقة تدوين تدخلات الله فيه بالاقوال والأفعال، وبالإله اللي بينصر شعبه في حروب الغزوات والاحتلالات وسفك الدم، هيواجه صعوبات مختلفة، هنا هدي مثال واحد مش للحصر، عن هل ”إله النص الكتابي“ رافض للذبائح البشرية، مثلً إن حد يقدم ابنه أو بنته ذبيحة بشرية؟ وهل بيمنع شعبه من فعل ده؟ تعالوا نشوف القصة التالية من سفر القضاة.
الله كان روحه على يفتاح، ولما يفتاح كان عاوز يحتل العمونيين، نذر للرب إنه هيقدم محرقة بشرية من أول حد يدخل عليه لو ربنا نصره على أعدائه، هل ربنا رفض ده، قال له كلامك غلط ووبخه؟ عاقبه على فكره الدموي ده؟ (لأحباب وعشَّاق الإله المعاقب!)، لا مقالش ولا عمل، طيب يمكن منفذلهوش طلبه عشان ميخليهوش ينفذ نذره ويقتل شخص برئ ويقدم محرقة بشرية؟ لأ برضوه، الإله بحسب السرد القصصي العبراني دفع أعداء يفتاح لايده، ونصره، وفعلًا قدم يفتاح بنته محرقة!
”فَكَانَ رُوحُ الرَّبِّ عَلَى يَفْتَاحَ... وَنَذَرَ يَفْتَاحُ نَذْرًا لِلرَّبِّ قَائِلًا: «إِنْ دَفَعْتَ بَنِي عَمُّونَ لِيَدِي، فَالْخَارِجُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَبْوَابِ بَيْتِي لِلِقَائِي عِنْدَ رُجُوعِي بِالسَّلاَمَةِ مِنْ عِنْدِ بَنِي عَمُّونَ يَكُونُ لِلرَّبِّ، وَأُصْعِدُهُ مُحْرَقَةً». ثُمَّ عَبَرَ يَفْتَاحُ إِلَى بَنِي عَمُّونَ لِمُحَارَبَتِهِمْ. فَدَفَعَهُمُ الرَّبُّ لِيَدِهِ... ثُمَّ أَتَى يَفْتَاحُ إِلَى الْمِصْفَاةِ إِلَى بَيْتِهِ، وَإِذَا بِابْنَتِهِ خَارِجَةً لِلِقَائِهِ... وَكَانَ لَمَّا رَآهَا أَنَّهُ مَزَّقَ ثِيَابَهُ وَقَالَ: «آهِ يَا بِنْتِي! قَدْ أَحْزَنْتِنِي حُزْنًا وَصِرْتِ بَيْنَ مُكَدِّرِيَّ، لأَنِّي قَدْ فَتَحْتُ فَمِي إِلَى الرَّبِّ وَلاَ يُمْكِنُنِي الرُّجُوعُ». فَقَالَتْ لَهُ: «يَا أَبِي، هَلْ فَتَحْتَ فَاكَ إِلَى الرَّبِّ؟ فَافْعَلْ بِي كَمَا خَرَجَ مِنْ فِيكَ، بِمَا أَنَّ الرَّبَّ قَدِ انْتَقَمَ لَكَ مِنْ أَعْدَائِكَ بَنِي عَمُّونَ»... فَفَعَلَ بِهَا نَذْرَهُ الَّذِي نَذَرَ“ (قض ١١: ٢٩-٣٩)
تعالوا نشوف التفاسير القبطية بتقول إيه برغم رفض كاتبيها صراحةً للذبائح البشرية كمحرقات واستنكارهم للفعل:
القمص تادرس يعقوب: ”الله أراد أن يلقن يفتاح بل وكل المؤمنين عبر الأجيال درسًا قاسيًا، فسمح بخروج ابنته الوحيدة العذراء للقائه“. الله سمح بخروج بنته، وسمح بإنه يقدم بنته محرقة! ليه عشان يعطي له درس قاسي! وده نفس اللي أكده القمص انطونيوس فكري في تفسيره ”الله صمت ولم يمنع تقديم الابنة كنذر“، إله الكاتب العبراني -بحسب فهمه له- يهمه وصيته تتنفذ، أكتر من عذاب بنته اللي هتتقدم محرقة بدون ذنب!
ممكن تقول ”الله متدخلّش، هو ماله؟!“، بس هو بالفعل اتدخل -بحسب السرد- لما دفع العمونيين ليده رغم علمه بالنذر، وقبل كده اتدخل عشان يمنع تقديم محرقة اسحق البشرية، يعني مش حدث مستغرب لو حصل واتدخل تاني ومنع وإمكانيته موجودة لو كان إله السرد العبراني عاوز يمنعه! فنلاقي باقتباسات عن ق. يوحنا ذهبي الفم، رجع يأكد القمص تادرس يعقوب ”أن الله لم يوقف تقديم هذه الذبيحة كما فعل في ذبح إسحق بالرغم من عدم قبوله الذبائح البشرية، وذلك لكي تكون درسًا للبشرية، فلا يتسرع أحد بتقديم نذر بقسم“، يعني إله السرد القصصي سمح بذبائح بشرية من الابناء وقرر ميمنعهاش، ليه؟ عشان الناس متحلفش بنذر تاني، ومش مهم مين يتحرق وهو بريء! انت متخيل؟! عشان يقول متقسمش بنذر يسمح بالذبايح البشرية للأبناء (عند مؤمني التاريخية)! إله النص، إله خلق الإنسان للسبت مش السبت للإنسان!
ونلاقي قديس لاتيني، زى ق. جيروم بخلفيته الثقافية، بيطوِّب الفعل ده ليفتاح، وبيعتبره فعل سَبِّب قداسة يفتاح!! ”قدم يفتاح ابنته العذراء، لهذا وضعه الرسول في عداد القديسين“ (ق. جيروم، نقلًا عن تفسير القمص تادرس يعقوب، بمرجع Ep. 118:5)، هل تتخيل ق. جيروم ظن بفكره إن ق. بولس اعتبر يفتاح قديس، ليه؟ عشان قدم بنته! ونلاقي القمص انطونيوس فكري بيطوِّب تمسُّك يفتاح بنذره بتقديم ابنته محرقة بشرية ”يُحسب ليفتاح ولابنته أنهما قَبِلَا تنفيذ النذر ولم يتراجعا“ ليه؟ لإن ”ما فعلاه كان يعبر عن حب شديد وإخلاص شديد لله“! حب تقديم المحرقات البشرية، اللي ميفرقش إطلاقًا عن حب البعض لله اللي بيدفعهم يفجروا غيرهم، او زىّ الشعوب الوثنية يقدموا محرقات بشرية من أبناءهم حبًا لآلهتهم الوثنية!
لما بعد كده حد من المؤمنين بنظريات تبرير أفعال الإله الدموي السفَّاح يقولك (في محاولة تبرير apologetic) إن الله أهلك وفنَى وأباد وعاقب الشعب الفلاني بحجة إنهم كانوا بيقدموا الأبناء محرقة بشرية للآلهة، افتكر إن نفس الشخص ده بيؤمن إن إله التراث العبراني سمح وممنعش تقديم ابنة يفتاح ذبيحة بشرية له، عشان ”وفاء النذر“! ومرضاش يتدخل ولو حتى بعدم دفع العمونيين ليد يفتاح...
وهنا لازم تفكَّر؟ هل ده حصل فعلًا بالرواية العبرانية، وبتبريراتها القبطية؟ هل ده يتفق مع إعلان الله عن ذاته في المسيح؟ هل ديه صورة إله المسيحية؟ هل ده الاستعلان والابيفانيا المسيانية عن الله؟ ولا للقصة أبعاد مغايرة كان الإله غير متدخل فيها إطلاقًا؟! لا حل بروحه، ولا دفع الشعوب لسيف يفتاح، ولا حتى له علاقة بوفاء النذر، ولا عاوز يعلمك بده -أنت وغيرك- إنك متنذرش بقسم، ولا له دخل بكل العك البشري ده، ولا محتاج تبريرات تفسيرات تؤكد الصورة الدموية عنه؟ وكل ده مجرد تراث شعب سجلوه بأمانه عن فهمهم الخاص بخلفيتهم الثقافية والحضارية عن صورة الإله في مخيلتهم اللي مكنش أكتر من إسقاط وانعكاس لذواتهم وطبيعة البشرية الساقطة على الإله؟... فكَّر!