فرونيما اقتراف المُحرمات أرثوذكسيًا


من نماذج نُضج الفرونيما الأرثوذكسية مقارنةً ببقية المحاولات والأُطُر الإيمانية المسيحية المُستَحدَثَة، اللي تعد في مهدها بالمقارنة بالأرثوذكسية، إن القديس هيلاريون (من القرن الرابع) -على سبيل المثال- اعتبر تقنين الإيمان المسيحي بصيغ عقيدية ”خطية“ و ”اقتراف للمُحَرَّمَات“! ... القديس أكّد على خطورة تحويل المسيحية لمجموعة عقائد، بل وأكتر من كده اعتبر إن وضع الإيمانيات المسيحية في صيغ عقيدية، واحدة من ”خطايا“ المسيحيين الأوائل اللي توارثناها! خطية اضطرارية أُجبِر المسيحيين على اقترافها. وبيشرح ده بإن اللي كانوا بيقاوموا الإيمان المسيحي فكريًا أجبروا المسيحيين ينقلوا الإيمانيات المسيحية من نطاق التطبيق العملي اللي اتوجدت عشانه إلى نطاق التنظير الفكري اللي أُقحِمَت في صراعاته، وده أسقط المسيحية في خطية وفخ وصف الأسرار الإيمانية بصيغ عقائدية فكرية/لفظية/منطقية، اللي شَوِّه الغاية المسيحية وأفقدها هدفها الجوهري (كلمة خطية باليونانية ἁμαρτία معناها الحرفي إخفاق الهدف/الغاية to miss the mark)، بالإضافة إن قصور اللغة وقصور المنطق البشري شوِّه الحقائق الإلهية غير المفحوصة وأخضعها لقوالب نصية جامدة (غير ديناميكية) وده بدوره أقحم المسيحية في تناقضات ومعضلات ومغالطات منطقية داخلية، وحوِّل المسيحية لأفكار بدل من عِشرة واختبار إلهي، حِّولها من حياة حيَّة ومُحيية، لفلسفة مائتة ومميتة.

«إنّ شرّ الهراطقة والمجدّفين يدفعنا إلى القول بالمحرّمات، كأن نتسلّق القمم التي لا تُطال، ونتكلّم في أمور لا يُنطق بها، ونلجأ إلى تفاسير ممنوعة. كان علينا الاكتفاء بأن نتمّم بالإيمان وحده ما أمرنا به السيّد: أن نسجد للآب ونكرّم الابن معه وأن نمتلئ من الروح القدس. ويا للأسف فنحن الآن مضطرّون إلى وصف الأسرار الفائقة الوصف. خطيئة الآخرين تسقطنا نحن في هذه الخطيئة: أن نُعَرّض الأسرار إلى متناقضات «قصور» لغة البشر، بينما هي وجدت لنخدمها في سكون قلوبنا»
— القديس هيلاريون، مدخل إلى العقيدة المسيحية، الفصل الأول، دار نشر تعاونيّة النور الأرثوذكسيّة، طبعة رابعة ٢٠١٣، بيروت
أحدث أقدم