بين الإله والألوهية


بين الإله والألوهية...

تنويه (disclaimer): في قناعتي، لغتنا الموروثة المتراكمة في فلسفة الأديان مفتقدة مصطلحات تتصك من جديد (أو، على الأقل، في احتياج لإعادة تعريف بعض مصطلحاتها) عشان تعبر بسلاسة عن أفكار تسهّٓل بعد كده الإشارة إليها واستخدامها واجترارها، وهنا في البوست ده كمحاولة مني هتلاقيني بعيد صك مصطلحات جديدة أو بعيد تعريفها واجتر استخدامها.

الألوهية، مش محصورة في الإله! ... الألوهية في كل شىء، مخترقة كل المنظورات وغير المنظورات، مخترقاك انت شخصيا وقت ما انت بتقرا المقال ده... في حين إن التصوّر الذهني اللي بنيناه ولقبناه بالإله هو محاولتنا إحنا كبشر إننا نستوعب يعني إيه ألوهية بتتفاعل معانا، يعني إيه ألوهية بتبادلنا علاقات، يعني إيه كينونة لا مكانية ولا زمنية تُحَد وتُقيّد بمحدودية وتقييد عالمنا ومحيطنا، كان لازم البشر يجمعوا الألوهية كلها في بؤرة واحدة مُرَكَّزة للألوهية ويحطوها على خطهم الزمني ويخضعوها للفعل ورد الفعل في سرد متسلسل قصصي، عشان يقدروا يقننوا الوجود الألوهي؛ ومن هنا كان الإله هو الألوهية المشخصنة!

بؤرة الألوهية ديه (الإله) نقدر نعتبرها مركز المجال الألوهي ومصدره، المركز اللي من خلاله مش بس بنشوف التأثير، ولكن بنقنن التفاعل والتأثير المتبادل مع الألوهية، ومن خلاله بيتم مشاركة الألوهية مع المخلوقات بحيث متكونش حكر على الكيان المشخصن ده، لإن الكيان المشخصن ده -كتصوُّر فكري- نتاج اسقاطنا إحنا للألوهة على واقعنا ومفاهيمنا وأبعادنا الزمانية والمكانية.

عشان كده كل ما هو إلهي، مش بالضرورة يكون هو الإله، لكنه بالضرورة ممزوج ومختلط ومتحد معاه، البشر ممكن يكونوا إلهيين (متألهين) وده ميعنيش إنهم هم الإله لكنهم بالضرورة يكونوا في حالة وجودية ما من الاندماج معاه، مع المصدر، البؤرة، اللي نطاقها الألوهي بيخترق الكل، ويقدر يأله غيره باتحاده وشركته فيه. 

كون الألوهية شُخصِنت في تصوُّر ونمودج ”إله“، ده بيسمح ويتيح تأليه بقية الشخوص (الأقانيم) المخلوقة، لإن الشخوص سواء الإله أو المخلوقات، ممكن تتبادل العلاقات، بما فيها العلاقات الوجودية ذاتها (مش بس العلاقات الخارجية)، ففي المسيحية الأرثوذكسية مثلًا التأله: شركة حياة إلهية، شركة وجود مع الموجود الوحيد بذاته...

شخصنة الإله هى المنفذ الوحيد اللي نقدر نتفهم منه إمكانية تأله البشر. التأله ده (البعبع الإيماني عند البعض لقصور الـ mental model اللي عندهم عنه) ممكن نشوفه على النطاق المادي في تجسُّد قيم زىّ الجمال والحق والصلاح/البر، وعشان كده ديانة زى المسيحية كانت بتُعيد وتبروز تعريف الله بكونه الحق وبكونه شمس البر وكونه الأبرع جمالًا (من خلال المسيح كصورة الإله المنظورة المتلامس معاها ورسم جوهره)، والوجود ده نقدر إحنا نتلمس انطباعه في التعاملات الحياتية كحب ورحمة وخدمة، وعشان كده عُرِّف الإله مسيحيًا كحب (محبة) وتأنس الإله -في المعتقد المسيحي- كخادم كارز بالرحمة لا الذبيحة/الطقوس (وديه الرسالة اللي تعمد السيد المسيح يزرعها كجوهر رسالته في حياته الأرضية بدون ما يخوض في عقائد ذهنية فارغة التطبيق العملي). 

كل التلامسات الاختبارية ديه، استدلالات لِنا لاستنباط الوجود الإلهي، اللي من غيرها يستحيل فلسفيًا أو منطقيًا عقلنة أو تصوُّر وجود الألوهية بمعطياتنا وأدواتنا المتاحة، وهى الاثباتات الوحيدة المتاحة على وجود كيان ميتافيزيقي كإله، وبدونها الحديث عن الإله والألوهية ميكونش إلا محض دروشة وصرخات طفولية من البشر لاحتياجهم لأخ-أكبر وأمل يترجوه لخلق هدف وجود أُخرَوي حتى لو كان خيال مُحَبَّب يبرر العبثية اللي بنعايشها عمليًا!

وفي المَبحَث ده، لازم نفهم نقطة مهمة جدًا بتمثل صمام أمان للتصور الذهني ده، إن في حين إن الإله كامل -في الـmodel ده-، فالألوهية ممكن تكون إما كاملة أو غير كاملة -في منظورنا- لإنها بتعتمد على علاقتها الاندماجية/الاتحادية مع مخلوقات في مسعَى-كمال، وبدون علاقتها الاندماجية/الاتحادية ديه لا يمكن يُفهُّم ويُصوُّر وجود وجود لها! 

فلازم نُعيد صك مصطلح الألوهية إنه يشمل درجات سُلمية للكمال والاكتمال، وإن الألوهية مش حالة كمال في ذاتها، في حين يلزم ننزه الإله نفسه كبؤرة الألوهية عن أى احتمالية عدم كمال أو تمدد/تطوُّر. ده هيخلق توازن فكري لفهم كيفية ارتباط كامل بساعين للكمال، وكيفية اندماج غير محدود بمحدودين، وكيفية وجود علاقة بين شخوص متباينة في كل شىء تقريبًا وبرغم كده متحدة وفي شركة كيانية بتتبادل الوجود (سواء وهب وجود فعلي للمخلوقات، أو خلق وجود منطقي للإله اللي يستحيل منطقة وجوده فكريًا). 

تمييز الإله عن الألوهية، أول خطوة لمسعَى فهم الوجود الإلهي، والعلاقات الإنس-إلهية، والوجود الإنساني. يجي بعدها خطوة أهم -هشرحها بعدين- وهى فهم الإله من منظوريين متواجدين في بُعدين مختلفين، بُعد/مستوى وجودي (existential) وبُعد/مستوى اختباري (experiental)، ده يسمح لنا نتفهَّم ازاى الإله ممكن يُمَنطق كمكتمل (في حالة كمال) وبرغم من كده متنامي (في حالة نمو)، بحيث إن يكون للمخلوقات المشتركين فيه مساحة متاحة للنمو تديهم ديناميكية ارتقاء مستمرة وحرية تمايز لمساعي تطورهم بتوجهاتهم المختلفة، سواء في حياتهم الأرضية أو ما بعدها... الفقرة ديه محتاجة مقال لوحدها، فهبقَى اتكلم عنها في بوست منفصل.

يُتبَع

____________
* اللوحة للفنان الأمريكي ”مايكل دفاين“، من مجموعة ”سامادي“ (سامادي هى حالة من الوجود الحقيقي الواعي، حالة اتحاد بالوعى وتوحُّد له، بيكون فيها الذهن غير مشتت وغير متحرك، وهى الحالة اللي يمكن فيها بالحقيقة اختبار الوجود بحسب الديانات الشرق آسيوية، وتمثل العنصر الثامن والأخير من الطرق النبيلة الثمانية في البوذية)
أحدث أقدم