الشعوب السامية كانت بتؤمن بإن الأرواح (spirits) بتتخلل كل الموجودات، مش أرواح بالمعنى الدارج المعاصر اللي هى مخلوقة وملازمة للذوات البشرية، ولكن أرواح مُسَيطرة، أرواح ذات سُلطة، لها كيان منفصل خارج الإنسان، أرواح أقرب منها للـ dieties بالمفهوم المعاصر من كونها للروح البشرية بالمفهوم اليهومسيحي المستحدَث. أرواح سكنت قوَى الطبيعة، والجماد، والحيوان، والنبات، والبشر، وصولًا لكيانات خاصة غير مرئية بتحتويها: ”الآلهة“!
اليهود بدورهم، كشعب سامي، مروا بالتجربة التطورية ديه في إيمانهم، في عصورهم الأولى البدائية كانوا متعددي الآلهة كإيمان وإتباع polytheism، وبعدها انتقلوا للإيمان بتعدد الآلهة مع تخصيص ذواتهم لإله واحد من المتعددين برغم عدم إنكار تعددهم henotheism، وأخيرًا انتهوا بالصورة الحالية من التوحيد في القناعة بعدم وجود آخر مع الانتساب للأوحد monotheism. العبرانيين مبتدوش monotheistic وكملوا monotheistic، ده تصور مستحدث تم تعميمه في عصور متأخرة من تطور المعتقد اليهومسيحي.
بعض أبحاث الـ scholars الحديثة اللي بتتبع التطور التاريخي للمعتقد، بتشوف إن حتى اللي بنعتبره مسميات حالية للإله الأوحد اليهومسيحي (يهوه)، مهياش مجرد مسميات، ولكن كيانات إلهية deities مختلفة. وتم تقنينها في الأدب اليهومسيحي الحديث على كونها مجرد مسميات لإله واحد أوحد، رغم إنها كانت معبودات مختلفة متعايشة ومتقاطعة التطور والإتباع تاريخيًا من الشعب العبراني.
كمثال (١) ”يهوه“ יהוה ، يهوه كان الإله الأكثر انتشارًا وعبادةً في قبائل جنوب أرض إسرائيل وسينا، وكان واحد من آلاف الآلهة اللي عبدته القبائل السامية. مثال تاني، (٢) عليون עֶלְיוֹן (العَلِّىّ) اللي كان بيُنظَر له في بعض القبائل إنه أعلَى من يهوه، وكان بيُعبَد بالتوازي معاه، أحيانًا من نفس الشخوص البشرية كمان في تعددية صريحة. كمان فيه (٣) شَدَّاى שַׁדַּי (القدير) وده تصور آمن بيه العبرانيين عن إله، هو أقرب لخليط بين معتقدات مصر وإسرائيل في فترة تعايشهم سوا، وبيتميز بكونه إله رعائي (بيقدِّم للآخر) أكتر منه إله متطلبات (بيطلب من الآخر).
مرورًا بالإله الأكثر انتشارًا في مختلف الحضارات (٤) إيل אֵל اللي انتشر في suffix أسماء العبرانيين زاى اسرا(إيل)، رافا(إيل) ، نثانا(إيل)... إلخ، إيل كان مثال للإله متخطي الحواجز الجغرافية، آمن بِه الكنعانيين وحيثيين وسكان بين النهرين بل وبعض العرب كمان (ومنه تطور عند العرب لإله آخر أكثر شهرة) وغيرهم. إيل تخطى الحدود الجغرافية وسمح بامتزاج أساطير شعوب مختلفة، الامتزاج ده سمح بالقبول والتعايش، لإن القومية كانت بتتحدد بالانتماء لقبيلة، ومجموعة القبائل كان بيجمعها انتساب لإله بيوحد مسعاهم في ظل اختلاف لغات وعادات وتقاليد. عشان كده متستغربش إن أشهر الحُكَّام بنوا دولتهم على دعوة دينية، لتوحيد القبائل تحت شعار واحد، فكانوا حُكّام وأنبياء في عيون أتباعهم، خلطة سحرية مضمونة لتوحيد متفرقين (بغض النظر عن صدق أو زيف دعوتهم، ده مبحث منفصل)
وكان (٥) إيلوهيم. אֱלֹהִים، إيلوهيم كترجمة حرفية هو ”آلهة“، وبرغم إنها كلمة جمع استخدمها العبرانيين في تصريف أفعال مفردة الفاعل، الكنعانيين كانوا بيشيروا بيها -في فترة زمنية- لمجموع آلهتهم، للألوهة ذاتها، وكانت محاولة لغوية لنقل المجتمع من تعددية الآلهة للتوحيد، بتجميع الآلهة المغايرة في صورة إله واحد، إله pantheon، بيضم فيه التعددية، بتُجمع فيه الألوهية المتناثرة في تصوراتها في ”كينونة“ واحدة. وديه كانت حالة مميزة من التطور سبقت فيها اللغة الفكر، ولكنها مكانتش الحالة الوحيدة اللي اللغة استُخدِمَت بشكل متعمد في تغيير وعى جمعي، الاستخدام ده مكنش بهدف سىء أو شرير (أو يمكن كان في بعض الـ context!)، ولكن كان بهدف تجميعي وتوحيدي للمتفرقين تحت لواء واحد، بمعني كان محاولة تآلفية synthesis بين جماعات وقبائل تصوراتها الدينية بتشكل هويتها وقوميتها في عصور مكنش الإنتماء الجغرافي طاغي بقدر الانتماء الديني كقومية.
ولأسباب يطول شرحها، هتحتاج بوست منفصل، زاى ما ابتدت الدايرة بيهوه، انتهت بيه، وبقَى هو الإله اللي لا يجوز نطق اسمه للشعب العبراني (لدرجة إن اسمه الحالي كيهوه مهواش اسم ده مجرد حروف متقطعة Tetragrammaton، فقدنا نطقها السليم بتجنب الجهر بنطقها) وبقى بيُستَبدل بأدوناى אֲדֹנָי اللي معناها سيدي، أو هاشم השם اللي معناها الاسم (الاسم الإلهي). يهوه كان الإله الأكثر مرورًا بحلقات تطور في التاريخ العبراني، ويُعد هو الإله الأكثر اتصالا في فترات عبادته، بمعنى مخليتش فترة من وجوده كمعبود، حتى ولو قل متبعيه عن بقية المذكورين فوق.
ملحوظة جانبية، للأسف معظم (إن مكنش كل) ترجمات الكتاب المقدس، اتبعت نهج خاص في ترجمة كل الكلمات ديه من النص العبري، لمصطلح واحد فقط God أو الله، وفي حالات خاصة ترجمته القدير أو العلىّ أو غيرها، لكن بقى صعب للقارىء غير المُلِم باللغة الأصلية يستوضح ويتتبع وجود كل مسمَّى/كيان في خلفية سردية وتطورية منفصلة، ويقدر يشوف كل مسمَّى/كيان من دول بسماته المميزة المغايرة، وبقى فيه إلزام للرجوع لشروح أكاديمية بتتناول تطور المسمّى (سواء كان مجرد مسمى أو كيان منفصل) لإن الكل في الترجمة كان ”الله“ (باستثناءات)، وديه نقطة كمان يطول شرحها هتغاضَى عنها مؤقتًا.
التطور العبراني عن فكرة الإله، مهم جدًا يتفهَم منه، إن الأديان زاى أى بِنْية سايكو-سوسيولوجية موصلتش لصيغتها الحالية بصورة نهائية في يوم وليلة، ولا كانت جامدة ومتحجرة مبتتطوَّرش، ولكن كانت بتشكل وعى مجتمعها بقدر ما كانت بتتشكل هى ذاتها بيه، فهم الجزئية دي لوحده هو غرض البوست، الاستعلان الإلهي والكيان الإلهي كان دايما مُتَخَطِّي للوعى البشري، وكان البشر في مَسعَى مستمر لمحاولة قولبته فكريًا وتصوره منطقيًا ووضعه في model ذهني (منظومة فكرية كدين)، أحيانًا كان مسعاهم في الاتجاه السليم، وأحيان أكتر شت وأخد منحنيات جانبية.
كمان مهم جدًا إننا نفهم إن فيه فرق شاسع بين الاستعلان الإلهي (النقى) في الحيوات البشرية، وبين محاولة البشر لاستيعاب الاستعلان ده ووضعه في إطار ديني-ألوهي (بتشويه غير متعمد له)، لإن فهمنا للفرق ده هيخلينا نقدر نميّز بين الدين كحقيقة مطلقة ملزمة بيطغي عليها الشعائر وامتلاك الصحة المطلقة وبالتالي نزعة تكفير كل مخالف، وبين الاستعلان الإلهي بنقاءه، ورحلة البشرية لبلوغ الإله غير المبلوغ. الرحلة هى الهدف مش المَرسَى النهائي، لإن المَرسَى غير مبلوغ، الرحلة هى الدعوة الإلهية اللي بتُطلب من كل إنسان يخوض غموضها، حتى لو موصلش بوعيه الفردي والجمعي، لكنه في المُحَصلة والصورة الكبيرة، حلقة من سلسلة أكبر بتوصل البشرية للإله المُنَقَّى من كل التصورات الدينية اللي بيشوبها رواسب البشر وخلفياتهم الثقافية والحضارية لعصورهم.
دور كل واحد مننا -في قناعتي- إنه يكون جزء من استكمال السلسلة دي بتجربته الفردية والجمعية. ده كله يبتدي بإنك تختار تكون مُتَلَقِّي مُدَجّن، أو مستكشِف رحَالة، وبالمناسبة مفيش طريق أصح من التاني! واحد فيهم مريح، والتاني متعب، بس مش دايمًا بتكون الراحة مقياس للصحة (ولا العكس!)، الاختيار اختيار كل واحد مننا، يكون (أ) فرد من القطيع اللي عنده حظيرة دافية وأكل يكفي مبيته بشرط ميتخطاش حدود أسوار حظيرته، ولا يكون (ب) شايل خيمته بينصبها في جبال وصحاري ومراعي، وفين ما تاخده الرحلة!