الاستحالة المنطقية للإله المغاير


الإله ”الآخر“، الإله ”المغاير“، مش ممكن يكون إله. في عالمنا المادي، اللي منعرفش غيره، لإننا ببساطة مشفناش غيره، بنتعلم من ميلادنا التمييز بين أنا والآخر. الرضيع في شهوره الأولى بيعجز إنه يميز بين نفسه وبين اللي حواليه، بيعجز يميز ”الأنا“ عن ”الآخر“، مجسَّاته الطبيعية متملكش الحِس ده بشكل فِطري، لكن بمرور الوقت، وبمرور التعليم، والتدجين، والتدريب، وباكتسابه مهارات تمييز مادية بمنهج الخطأ والتصويب المتكرر، بيبتدي يميز الكيانات منفصلة، ما بين كيانه الذاتي، والكيانات ”الأخرَى“ المنفصلة عنه، سواء كيانات حية أو غير حية، بيبتدي يفهم ”الكون الانفصالي“. 

في الكون الإنفصالي بين الكيانات الموجودة فيه، كل كيان محدود بحيز من الفراغ بيشغله، كل كيان له حدود مكانية، أبعاد، حجم، محيط. عشان يقدر الإنسان يميز بين شخص والتاني، لازم يشوف حدودهم، يشوف حجمهم والفراغ ما بينهم، يشوف محيطهم الخارجي غير المتصل ببعض، بشوف محدوديتهم المكانية، فيدرك إنهم كيانين منفصلين. ده تصوُّر منطقي، لإن العقل البشري درج على إن كل الموجودات موجودات في حيز مادي. 

المشكلة بتظهر لما الإنسان بيسقط تصوره عن الكيانات وانفصالها عن بعضها، على الكيان الإلهي. لإن الإنسان اعتاد إن في العالم المادي المحكوم بالحيز المكاني الكيانات منفصلة فيه، مكنش قدامه غير إنه يستوعب الكيان الإلهي إن هو كمان منفصل، مفيش أدوات تصورية تانية يقدر يستخدمها، مفيش إمكانية تانية غير اجترار موروثاته المعرفية عن الموجودات لتطبيقها على الكيان الإلهي بدوره ، فكان لازم يتخيله ويمنطقه ككيان منفصل له حدوده الخاصة، اللي لا الموجودات المادية تقدر تتخللها، ولا الكيان الإلهي يتخطي حدوده ويتخلل موجوداته، وده تصور قاصر جدًا.

أهم أوجه القصور في التصور ده، هو الاعتقاد بإلزامية محدودية الكل، إن الكل لازم يحده حجم، محيط، حيز! الكل ده يشمل الإله! وبرغم إن الإنسان درج ينسب لله اللامحدودية المطلقة كتنزيه ذهني وفكري، إلا إنه بيعجز عن رؤية التناقض الفج بين لا محدوديته وانفصاله عن موجوداته!... مبيشوفش إن اللا محدودية تشترط الاختلاط والتخلل والعبور خلال الكل وفيهم! لإن لو خلا حيز مكاني أو زماني من اللا-محدود هيبقى اللا-محدود محدود، وبكده ففي الزامية منطقية بإقرار الوجود الإلهي في الكل بشكل حقيقي مش مجازي.

اختراق الإله للكل، بيسبب مشكلة أكبر في العقلية البشرية، لإن العقل البشري اعتاد إن الاختلاط تأثيره متبادل، ده اللي شافه من كل تجاربه العملية في كونه، لو سائلين بصفات متغاير اختلطوا، إما بينتج سائل جديد بمواصفات مغايرة للاتنين، أو واحد بيطغي على الآخر زى حالة اختلاط النار بالمواد الكربونية وتفحمها وتحولها لمادة هى ذاتها مشتعلة بيطغي عليها طبيعة النار نفسها. فالعقل صعب جدا يتصور كيانين يختلطوا ببعض ويمتزجوا ببعض، ويمر واحد في التاني ويلجه بشكل دائم، ويظل الكيانين اما متأثرين او غير متأثرين ببعض حسب الإرادة المتبادلة الحرة لهم، بالنسبة له ده كلام لا يمكن منطقته، وعشان ينزه التصور الإلهي عن اختلاطه بالفساد الهيولي كان لازم يرفض ولوج الواحد في الآخر بشكل كلي، وتصوير الإله كـ”عَلِّى“، و ”متسامي“، و ”أكبر“ 

في الحقيقة الولوج الاختلاطي ده، مينفعش نقيسه بمعارف حياتنا البشرية، مينفعش نطبق مفاهيمنا عليه، إلزامية لا محدوديته تجبرنا على الايقان بتغلغله في الكل، بصورة مفيش تصور من مداركنا الحالي نقدر نستخدمها في تصوير الحدث المستمر ده، لإن منطقنا نفسه مُنتَج من مدركات الحيز المكاني. كل اللي نقدر نقر بيه إن فيه شركة ببن الطبائع، شركة دايمة مع كيان أزلى، بتاخد الإنسان من حيز العدمية لحيز السرمدية بشكل غير مُدرَك وغير موصوف، عشان كده بعض آباء المسيحية (بخاصةً آباء الأرثوذكسية) كانوا بيُقِروا بالشركة في الطبيعة الإلهية والشركة في الحياة الإلهية ذاتها، وبيعتبروا أى تصور لإمكانية الانفصال بين الإله وكل الموجودات اللي على رأسهم الإنسان -كتاج الخليقة- ما هو إلا انتكاسة للعدم، انتكاسة للا وجود، رجوع لحالة ما قبل الوجود، حالة بتشترط الفساد والتحلل والاندثار! ... واستخدموا للحالة الوجودية ديه لفظ ”التأله“

اللفظ ده مرعب جدًا للي اعتاد النزعة الانفصالية في الوجود، لإنه بيتخيله عين الكبرياء وعين الغرور. مع إن بنظرة متأنية شوية، ممكن لإى إنسان إدراك إن تصوّر إمكانية الوجود بمعزل عن الإله، وإمكانية امتلاك حياة خاصة بمعزل عن الحياة الإلهية، هو اللي بجد عين الكبرياء وعين الغرور. عشان يكون للإنسان وجود وحياة، ميقدرش يرتقي لهم بدون ما يُطَعَّم بالمصدر الأوحد للحياة والوجود، بدون ما يتخلله الإله يوجده ويحييه، وده إقرار بالعجز والضعف الإنساني والاحتياج الدائم والمستمر لوجود كيان إلهي متحد كيانيًا بيه، وده عين الإتضاع في إدراك اللا مكانة واللا وجود واللا حياة إلا بالكيان الألوهي، مش النقيض... 

 وعشان كده، لا يمكن تصوّر الإله أو منطقته كآخر بأى شكل من الأشكال، لو الإله أُدرِك كلا-آخر، وقتها الإنسان هيدرك إن كل الموجودات حواليه هى بدورها لا-آخر، لإن وقتها هيحصل إنجماع كلي لكل الموجودات في الكيان الإلهي، ووقتها فقط هيتخلص الإنسان من نظرته المادية القاصرة إن فيه إمكانية لمغاير منفصل، وقتها هتتفتح العيون الداخلية على إن الشكل المادي ده مجرد وهم، اسقاط ظلال من الكيانات الحقيقية الموجودة في عالم اكثر حقيقةً، هيدرك وقتها الإنسان الوجود الحالي مش هو الحقيقة، ده مجرد ظلها، إسقاطها على 3D plan، وإن الحقيقة إن الكل واحد متصل في الإله، الكل بدون استثناء هو ”الأنا“، أو بصيغة أخرى أدق هو ”الإله“، هو الوجود، والحياة، وإن الأجسام المادية ديه مجرد ظلال قصور مداركنا مش حقيقة أغوارها! 
 
الخبرة الروحية العميقة ديه مقتصرتش على المسيحية الأرثوذكسية فقط، لكن نلاقي من العبارات الجميلة اللي بتستخدمها ديانات شرق آسيا للتحية، عبارة ”ناماستيه“، اللي بتتشرح من Holly K. Oxhandler في الورقة البحثية بعنوان Namaste Theory إن معناها الروحي والعقيدي عند الديانة الهندوسية (أم ومنبع ديانات شرق آسيا): ”القدوس فيّ بيتعرَّف وينحني للقدوس اللي فيك“! كما لو كانت تحية الآخر، والتعرف عليه، وإدراكه، لا يمكن يتم إلا بإدراك واختبار الوحدوية معاه بالاشتراك في الإله! وقتها فقط، يحصل التعارف! ...

الإمام جلال الدين الرومي، له مقولة بتلخص حالة الامتزاج واتحاد الطبائع بشكل غير موصوف بتصوير رائع ودقيق، بيقول فيها ”انت مش قطرة في محيط، أنت المحيط في قطرة“، في رأيي الشخصي، الجملة ديه هى سر أسرار الحياة كلها، اللي محتاجين حيوات في حياتنا عشان نفهمها ونعايشها ونختبرها مع اللا-آخر، مع كل حد بنتلامس معاه بشكل يومي، مع الإله فيه! ... 

الإنسان يقدر يشوف الإله، لو قدر يشوف نفسه، والكون كله بكل ما فيه، في ”زهرة“!
أحدث أقدم